العنوان بطل حي الزيتون.. جال أزقة المخيمات المحاصرة بأشلاء الصهاينة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 100
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 32
الجمعة 01-أكتوبر-2004
والدة الشهيد حازم إرحيم جاءني برأس الجندي الصهيوني فرحًا منتصرًا
كان يرفض الزواج ويقول: سأتزوج في الجنة بإذن الله.
قام بتصوير عملية استشهاد شقيقه بعد قتال استمر ثلاث ساعات.
شارون توعد بتقطيعه إربًا كما فعل هو بجنوده
يا أماه انظري لقد جئت إليك برأس هذا الصهيوني وسأذهب به لكل أم شهيد.. أماه انظري ماذا فعلنا بهم.. أخرجناهم من داخل دباباتهم قطعًا، هكذا خاطب حازم إرحيم أمه بعدما قدم إليها من ساحة المعركة في حي الزيتون.
فأي أم تلك التي ربت شهيدًا لا يخاف إلا الله بكل ما تحمل الجملة من معان، وأي بيت هذا الذي نشأ فيه بطل شجاع جال أزقة مخيمات غزة المحاصرة بأشرس أنواع الأسلحة مكشوف الوجه ضاحك الملامح، لا يعرف الخوف من الأعداء إلى قلبه سبيلًا! وأي رجل هذا الذي ربى على عشق الجهاد في سبيل الله!. إنه حازم إرحيم صاحب الشخصية القوية، وفي الوقت نفسه اللينة التي تبعث بالاطمئنان والراحة تلقائيًا من النظرة الأولى على ملامح رجل مؤمن يقدر الجهاد في سبيل الله حق قدره.
في بيت متواضع بحي الزيتون بغزة التقينا والدة الشهيد حازم إرحيم لتحدثنا عن تفاصيل حياة هذا الرجل:
في بداية الحديث عرفت نفسها بأنها أم الشهيدين محمد وحازم إرحيم، المرأة التي لم تتجاوز من العمر الثلاثة والأربعين عامًا، سارعت ـ رغم وضوح علامات الحزنن عليها ـ تتحدث بقوة عن هذا البطل الذي أنجبته قبل خمسة وعشرين عامًا، فقالت أول ما قالت عنه «مؤمن بالله لا يفكر إلا بالجهاد في سبيل الله عز وجل، لطيف يحبه الجميع، رجل قائد لم يعرف النوم لجسده موعدًا، أول المجاهدين المتصديين للاجتياحات التي انكبت على مخيمات قطاع غزة». الأم التي امتلأت فخرًا وهي تتحدث عن ابنها تابعت سرد عملياته العسكرية ضد قوات الاحتلال وكأنها سجلت في ذاكرتها كأرشيف عسكري حيث كانت من أوائل العارفين بعملياته، وهو ذاته الذي أهلها لتقبل استشهاده فقد يغتاله الصهاينة وهو بين يديها، قالت: « نفذ عشرات العمليات التي لم ينتظر للقيام بها قدوم قوات الاحتلال لمخيمات أهله، بل خرج هو لهم»، وتضيف: كان يمر من وسطهم قاصدًا الجنوب ليخطط لعمليات عسكرية وكنت أرى في ذلك مخاطرة كبيرة عليه وهو يمر من بينهم من على حاجز أبو هولي الذي يجري عنده اعتقال الكثير من المجاهدين، فكنت أدعوه لعدم الذهاب للجنوب خوفًا من أن يقع أسيرًا فيذوق ويلات التعذيب على أيدي قوات الاحتلال فيرد قائلًا: «سلامة الله ترعاني يا أمي»، كما كنت أطلب منه أخذ الحيطة والحذر وعدم التكشف، لكنه لم يكن يؤمن بذلك فيمشي ببزته العسكرية دائمًا وهو يحمل السلاح، وبعد الاجتياح الأخير وإعلان قوات الاحتلال الرغبة في اغتياله أصبح لا يفارق جسده الحزام الناسف.
صلابة الإيمان
في هذا البيت الشامخ الذي قدم شهيدين أنجبت أم حازم عشرة من الأبناء: أربع بنات وستة صبيان استشهد منهم رجلان، ولم تكن طفولة حازم في هذا البيت وسط احتلال صهيوني عادية، بل كانت متميزة فرضت عليه الكثير من الأشياء، كان يخرج طفلًا لم يبلغ من العمر عشر سنوات يلاحق جنود الاحتلال بالحجارة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بل إنه أصيب مرتين في انتفاضة الأقصى الأولى وهو في الحادية عشرة من عمره.
ولا شيء أكثر دلالة على صلابة إيمان هذا الرجل منذ الصغر سوى موقفه من استشهاد أخيه في ١٩ أبريل ۲۰۰۲ أثناء أدائه لعملية عسكرية تابعة لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي مع الشهيد سالم حسونة في مستوطنة نتساريم، فالذي أعد محمد لتلك العملية هو حازم، تقول أم الشهيدين« كانا يعملان سويًا بحب وقوة فقد خطط لعملية أخيه وأخذ يصور اشتباكه مع قوات الاحتلال لمدة ثلاث ساعات وهو مبتسم، وعندما جاءني الخبر أخذ يصبرني ويحببني بقبول الأمر».
وتضيف: «لم أره ضجرًا أو خارجًا بدون حماسة لعمله، كان لا يمل فيخرج يوميًا لميدان القتال، وعندما يجلس بعيدًا عنه فهو إما يتعبد أو يصنع ويعد السلاح، أما قضاؤه لحاجاته الأساسية فلا يمنحها إلا دقائق»، وتتذكر الأم كيف كانت ترتسم ملامح الفرح عليه عند عودته من تنفيد عملية ما فتقول: «كان فرحًا دائمًا بعملياته يروي لي ولأخواته تفاصيلها، والحمد لله لم أتذكر أنه فشل في أي من تلك العمليات»، وتضيف «كانت تختلط حينها مشاعر الفرح والخوف عندي رغم استعدادي الدائم لقبوله شهيدًا».
وتدلل أم الشهيدين على أن ابنها حازم قد نذر نفسه للجهاد في سبيل الله، بأنها عندما كانت تفاتحه في أمر زواجه وقد بلغ الخامسة والعشرين كان يجيبها برفق ورجاء «يا أمي أنا أطمح للزواج في الجنة إن شاء الله، فهي أفضل لي يا أمي».
بطل أحداث الزيتون
لم تستغرب أم الشهيدين خروج حازم مسرعًا للتصدي لاجتياح حي الزيتون بل إن الغريب عدم كونه الأول في الخروج، كما لم يكن غريبًا خروجه وهو مريض، وهذا الواجب أبعده عن كل شيء ثلاثة أيام متتالية، حوصرت فيها عشرات الأسر الفلسطينية داخل بيوتها وحاصر هو دبابات العدو ومنعها من الاقتراب لتنفيذ تلك الخطة التي أتت به. تقول أم الشهيدين «ثلاثة أيام متواصلة لم يغادر ساحة المعركة، وبعدما فجر الدبابة أخذ الأشلاء وجاء برأس جندي صهيوني إلى البيت وقال لي يا أمي سنفاوض برأس هذا لخروج الأسرى إن شاء الله»، وهنا تصمت الأم قليلًا ثم تتابع «لكنه فاوض بمنع مزيد من سفك الدماء لأبناء حيه»
سألنا أم الشهيدين عن مدى استغرابها لهذا الإنجاز الذي زلزل دولة الاحتلال بقوته فقالت «لا... لم أستغرب لأنني لا استكثر هذا الفعل الشجاع على ابني وهو يفعل أكثر من هذا، لقد نظرت إليه وهو يحمل رأس الجندي ورأيته كيف كان قويًا يرفع رأسه عاليًا، وأيقنت مدى حبه للجهاد»، ولكن هل زاد خوفك عليه من رد فعل الصهيونية؟ تقول: «بالطبع زاد خوفي فعندما توعد شارون بتقطيعه أشلاء كما فعل بجنوده تمنيت له الشهادة ودعوت الله ألا يقع أسيرًا في أيديهم، عندها كنت سأموت كل لحظة حزنا على وجوده في أيديهم، ففي الجنة هو بين يدي الرحمن عز وجل.. الحمد لله»
ولم يكن شاطئ غزة ببعيد عن بطولات حازم الذي يقطن أقصى الشمال ليسارع مجابهاً لتلك الزوارق التي هاجمت منطقة الشاطئ، أما عن كيفية إنقاذه مجموعة من المجاهدين حاصرتهم قوات صهيونية خاصة في عمارة العائلة أبو جراد في حي الزيتون قبل الاجتياح بشهور فتقول أمه: «عندما حاصرت تلك القوات العمارة لم تستطع مهاجمة المقاومين إلا بغطاء من الطائرات التي سارعت للقدوم فهاجمها حازم ورفاقه من مكان مرتفع لتفشل تلك العملية ويصاب أحد المقاومين».
لحظات استشهاده: عندما تحين اللحظات الأخيرة للخروج من هذه الدنيا تدق القلوب بحدسها لمحبيها؟ وما بالنا بأم يعيش قلبها مطاردًا يلاحق الرفيق الطيب ابنها حازم؟ وما بالنا بشهر كامل لم تر فيه هذه الأم فلذة كبدها وكل ما تعرفه عنه أخبار وسلام من بعد، حازم طورد بعد اجتياح حي الزيتون مباشرة ولم بيت في تلك الغرفة ذات الطلاء الأبيض الذي لا يرى كله لامتلاء الجدران بصور شهداء أحياء سبقوا رفيقهم، حازم أمثال محمد إرحيم ومحمود شمدان وأحمد حسان وسالم حسونة ومروان يصل ومقلد حميد أقربهم إلى الشهيد رفقة، أما الشهيد محمود جودة فصوت حازم كان أخر صوت سمعه وقطعه عن أذنه صوت الصاروخ الذي أصاب سيارته، كان يتحدث معه عن لقاء بعد صلاة العشاء لم يقدره الله عز وجل به.
تقول أمه: «منذ شهر لم أره ولم أخرج من البيت بتاتًا على أن أنعم بدقائق قد يمر بها علينا مسلمًا، وفي يوم استشهاده استيقظت و شعور بالضيق يرافقني ويدفعني للخروج من البيت لأبحث عن ولدي عند الأقارب أو في أي مكان، فخرجت ولا أعلم كيف أصف لكم هذا الشعور القاسي، مرت على تلك الدقائق القليلة التي رأيته فيها قبل شهر.. وتذكرت كيف تغدى ونام قليلًا ثم طلب مني كعادته أن أدعو له».
تقول أم الشهيدين: «جاءني خبر استشهاده وأنا خارج البيت، ورغم توقعي في كل لحظة هذا الخبر إلا أن الألم لفراق حازم كان كبيرًا .. أسأل الله أن يصبرني عليه دائمًا»، لقد ارتاح من أحمال ثقيلة حملها منذ كان طفلًا، وتعود أمه فتستذكر رجاءها له بالراحة قليلًا قبل متابعة العمل فيرد عليها: «كل شيء يهون في سبيل الله يا أمي».