; بطل القادسية | مجلة المجتمع

العنوان بطل القادسية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1973

مشاهدات 18

نشر في العدد 142

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-مارس-1973

الليل ساكن هادئ..

والناس جميعًا في سكون وهدوء بين قابع في منزله ينال قسطه من الراحة والنوم، وبين مدمن خمر أو عربيد نساء، يقطع سكون الليل بعربدته وفجوره.

وذلك شأن الناس في هذا الوقت الساحري الجميل.

أجل.. ذلك شأن الناس كل الناس - إلا من نفر قليل آمنوا برسالة محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم- هم الآن في تهجد وتبتل.

وجلس على صخرة من صخور الكعبة فتى صغير في السابعة عشرة من عمره، جلس مطرقًا يفكر ويفكر وينظر بعيني رأسه مرة إلى الكعبة ذلك الحرم المقدس، ومرة إلى ذلك الحرم البعيد- منزل ابن أبي الأرقم.

ويحاول الفتى أن يوجد وجه التباين والاختلاف بين الكعبة وقد امتلأت بأحجارها وأصنامها، وبين ذلك المنزل المقفر الخالي من الناس إلا من ستة رجال يحضرون كل ليلة مستترين عن أعين الناس في الظلام كي يتعلموا عن محمد بن عبد الله مبادئ هذا الدين الجديد الذي سمع عنه من أمه صباح البارحة.

وقال الفتى لنفسه وقد رأى رجلًا لم يعرف حقيقته يسير بحذر قاصدًا منزل ابن أبي الأرقم:

لِمَ لا أتبع هذا الرجل وأقف على باب المنزل كي أتعرف على حقيقة هؤلاء القوم، وأرى عن قرب كنه مبادئهم وما أتى به هذا الذي يسمى محمدًا؟ وفعلًا سار الفتى متمهلًا ووقف على باب المنزل بحذر، ووصل سمع الفتى وهو واقف صوت هادئ خافت كأن صاحبه يحذر هو الآخر شيئًا.

«وكانت مفاجأة، وكانت يد السماء، وكان قدر الله، وكانت صفحة جديدة من صفحات التاريخ المضيئة، صفحة البطل المسلم القائد المسلم سعد بن أبي وقاص».

وقف سعد حابسًا أنفاسه، موجهًا كل إحساسه ومداركه نحو الصوت الذي يخرج من داخل المنزل.

وجاءه الصوت يرتل في خشوع وخضوع قول الله تعالى في كتابه: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: 8 - 10).

وأخذ القارئ من قراءته حتى وصل إلى قول الله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (المزمل: 17). وكان لهذه الآية موقعها من نفس سعد، فرددها في نفسه وأخذ يكرر ما ردده، وكأنه قد وجد فيها صورة من هول يوم القيامة وشدائده، فارتعدت فرائصه وحم بدنه، فانصرف من مكانه مذهولًا متخاذلًا وهو يردد في نفسه: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾.

نام سعد ليلته وهو يتعجل بزوغ الشمس وخروجها من مكمنها، وما أن بزغت الشمس حتى أسرع إلى أبي بكر وجلس معه في مجلس من مجالس النور والإيمان، سعد يسأل والصديق يجيب، سعد ينصت والصديق يقرأ القرآن، حتى بدا على وجه سعد الارتياح والإيمان، فانتهز أبو بكر هذه الفرصة وعرض عليه الإسلام، غير أن أثرًا من آثار الجاهلية كان يتشبث به، وخوفًا من أمه كان يلاحقه، وعدة أسئلة عن نتائج إسلامه كانت تتبادر إلى ذهنه...

ولاحظ أبو بكر عليه ذلك، فحاول جهده أن يجد في آيات الله القليلة التي نزلت ما يطمئن خاطره، ويشرح صدر سعد إلى الإسلام... ووجد أبو بكر آيةً كانت فصل الخطاب وبيت القصيد، هي ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38) ويَستخلص منها معاني، هي العدالة بعينها، هي القانون الصارم الذي لا يأخذ بريئًا بجريمة مذنب، ولا يعفو عن مذنب في سبيل بريء، وألا أحد يغني عن صاحبه يوم يسأل المؤمنون المجرمين قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ﴾ (المدثر: 42). يوم لا تنفع أم ولا يغني أب.

وظل أبو بكر يستخلص المعاني السامية ويشرحها لسعد بأسلوبه الشيق، فما قام سعد من مجلسه إلا وهو سابع سبعة آمنوا بنبوة محمد بن عبد الله وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

وسار خبر إسلام سعد في قريش مسرى الدم في العروق ووصل إلى أمه - وقد كانت مشركة متعصبة - وكان بارًا بها، وقد حاولت معه بعد أن علمت بإسلامه كل ما تستطيع من دموع وتوسلات في سبيل أن يرجع عن الإسلام لولا أن الإسلام دين لا يعرف الميل عن الحق في سبيل العواطف أو التوسلات، وهو إذا استقر في قلب عبد وتمكن منه فمحال أن يجد الضلال إلى قلبه سبيلًا. ووقف سعد أمام توسلات أمه صامتًا صامدًا قويَّ النفس، فشهرت في وجهه سلاحًا آخر موقنة بأنه سيهيج عواطف ابنها ويرده عن دينه فامتنعت عن الطعام يومًا ثم يومين وأقسمت ألا تذوق طعامًا ولا شرابًا أو يرجع سعد إلى دين آبائه، ووقف سعد ثانية من هذا الامتحان موقفًا أشد صمودًا وصمم على ما آمن به، وجابه أمه بقولته الخالدة: «والله يا أمي لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني»، فأيقنت أمه أن لا نتيجة فأكلت وشربت.

(ومضت أعوام كثيرة على حادثة إسلام سعد هاجر الرسول فيها إلى المدينة - وكان بدر - وكانت أحد - التي وقف فيها سعد تجاه حمايته للرسول موقفًا بطوليًا - وكان فتح مكة وكانت القادسية).

وفي القادسية كان تاريخ سعد، ولو كان سعد هذا إنسانًا آخر خلق ليقودَ معركة كالقادسية - وهي من أفظع وأخطر معارك التاريخ - ثم يفعل فيها ما فعله سعد وبعد ذلك يستشهد، لسجله التاريخ وكتب عنه ما لم يكتبه عن غيره من أعظم القواد والفاتحين.

ففي هذه الموقعة ظهرت براعة سعد في تفهم النفس الإنسانية، فقد تأكد لديه أن هيبة الفرس ما زالت يحسب حسابها عند العرب، فكان يستهتر بالفرس ويعمل على انتزاع صورتهم العالقة بصدور العرب؛ حتى تم له ما أراد.

وزالت هيبة الفرس من نفوس العرب، فكان العربي لا يهاب منازلة واحد من الفارسيين، بل اثنين وخمسة.

وبدأ سعد بعد ذلك في إرسال السرايا لمناواة الفارسيين كي يعرف نقاط الضعف فيهم، وكان بينه وبينهم مراسلات انتهت بالفشل إلى أن قامت المعركة الخالدة.

أجل.. قامت المعركة الخالدة بين قوتين غير متكافئتين لا في السلاح ولا في الرجال، ولا في الإيمان، فقد تفوق الفارسيون في السلاح والرجال كما تفوق المسلمون عليهم في الإيمان تفوقًا هائلًا.

وبدأت المعركة يومها الأول: وتقابل الجيشان وأعملت السيوف وكانت الأفيال قد تقدمت جيوش الفرس وعليها فرسان منهم يضربون المسلمين بالنبال.

ووجه بعض فرسان المسلمين الشجعان كل جهدهم إلى هذه الفيلة ومن عليها، فكانوا يرمون من فوقها بالسهام في أعينهم ويضربونها في أقدامها فكانت تهوى على الأرض، فتهلك من عليها، ثم تفر مذعورة إلى الوراء فتسبب لجيش الفارسيين خسائر فادحة.

وانتهى اليوم الأول.

فبدأت بذلك المعركة يومها الثاني:

وكانت قوة المسلمين قد ازدادت عن البارحة نتيجة الإمدادات التي وصلتهم من الشام وعلى رأسها القعقاع بن عمرو، وعندما بدأت المعركة نازل القعقاع قائد الفرس الثاني بعد رستم ويدعى بهمن فقتله وقتل كل من نازلوه وكان وطيس الحرب حاميًا، وكان اليوم كسابقه لصالح المسلمين.

وانتهى اليوم الثاني..

فبدأت بذلك المعركة يومها الثالث..

وفي اليوم الثالث جهز الفرس جيشًا من الفيلة أكثر من اليوم الأول، فأمر سعد بعض فرسانه وعلى رأسهم القعقاع بن عمرو بأن يستعملوا الحراب وأن يضربوا بها الفيلة في أعينها ففعلوا ما أمرهم به فتقهقرت الفيلة وولّت للمسلمين ظهورها، وانطلقت مخترقة جيوش الفرس فسبب ذلك نكبات كثيرة للفارسيين.

وقد استمات كل من الجيشين طيلة النهار، واستمر القتال طول الليل، فاندمج اليوم الثالث بالرابع والناس لا يدرون الصبح المساء أم أمسى الصباح - وحمل المسلمون على الفرس حملة صادقة، وكان الفرس قد ضجروا ونالهم النصب فهجم بعض الفرسان على قلب جيش الفرس، وقتل الفارس المسلم المشهور (هلال بن علفة) قائد الفرس رستم، فتخاذل الفرس، واشتد عزم المسلمين وقويت شوكتهم، فلعبت السيوف في أيديهم لعبة الموت وأطاحت برقاب 30 ألفًا من الفارسيين الذين قيدوا أنفسهم بالسلاسل على عادة الفرس في الحرب، واختلط حابل الفارسيين بنابلهم، فمن استطاع أن يهرب هرب، ومن مات مات، ومن عاش بين الموت والحياة أَمَاتَهُ الحزن والكرب والحقد على هؤلاء العرب الذين كانوا من رعاياه وخدامه، وانجلت المعركة بنصر المسلمين فامحت دولة الشرك من نصف العالم وقامت مكانها دولة أخرى قوامها: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) دولة خططها منظمة على يد البطل العربي المسلم (سعد بن أبي وقاص)، وأمام باب خيمةٍ متواضعة تعيش كأثر من آثار المعركة وقف سعد يتلقى تهاني المهندسين، ويصافح جنوده أفواجًا بعد أفواج..

وفوق خيمة علقت راية بيضاء، كأن لسان حالها يقول:

«الآن علت كلمة الله في الآفاق.. الآن سجل التاريخ بأحرف من نور صفحة سعد بن أبي وقاص المشرقة النيرة في معركة من أعظم معارك الإسلام والمسلمين.. في القادسية».

الرابط المختصر :