; بطرس.. وخريطة قبرص | مجلة المجتمع

العنوان بطرس.. وخريطة قبرص

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

مشاهدات 68

نشر في العدد 1021

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 20-أكتوبر-1992

من المنتظر أن يعود كل من القادة القبارصة الأتراك المسلمون واليونانيون الأرثوذكس إلى مقر الأمم المتحدة في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري لبدء جولة جديدة من المفاوضات التي يديرها السيد بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة، وكان مجلس الأمن الدولي قد أوصى بطرس غالي في أبريل الماضي- بناءً على طلب  أمريكي بريطاني- بمضاعفة جهوده لوضع مجموعة من الأفكار تهدف إلى حل الأزمة القبرصية خلال عام 1992، وفي  أغسطس الماضي تمكن بطرس غالي من جمع كل من رئيس القبارصة الأتراك رؤوف دنكتاش ورئيس القبارصة اليونانيين جورج فاسليو الذي يتمتع بصداقة حميمة مع بطرس غالي، ليعرض عليهما مجموعة أفكاره.

ورغم أن غالي قد طلب فرض تعتيم إعلامي على مقترحاته أو سير المباحثات إلا أن معلومات هامة تسربت أفادت بأن السيد غالي قد أصر على حصر التفاوض على الناحية الجغرافية أولًا لحلها، واعتماد الخريطة الجديدة التي أعدها لقبرص والتي تقلص حجم قبرص التركية المسلمة من 38% من مساحة الجزيرة التي تبلغ 9251 كم إلى 27.5% فقط، مما أثار غضب الرئيس دنكتاش الذي أعلن رفضه الخريطة الجديدة ووصفها بالسخف والتفاهة، لأنها مجحفة بحق المسلمين الأتراك، وما زاد في غضب الرئيس دنكتاش- كما ذكرت «الديلي تلجراف» في ذلك الوقت- أن دنكتاش قد علم بأن بطرس غالي قد عرض خريطته الجديدة قبل اللقاء على صديقه الحميم الرئيس القبرصي اليوناني جورج فاسيلو الذي أبدى رضاه عنها لاسيما وأن خريطة غالي قد نقلت مدينة مورفو التي تعتبر إحدى أجمل مناطق الجزيرة وبساتين الحمضيات الشهيرة المحيطة بها من أيدي المسلمين الأتراك إلى أيدي اليونانيين الأرثوذكس، وهذا ما يرفضه دنكتاش رفضًا قاطعًا حيث تحرم قبرص التركية بعد هذه الخريطة من أحد مواردها الرئيسية الهامة فيما أصبحت قبرص اليونانية دولة مزدهرة تجاريًا وسياحيًا واقتصاديًا.

وقد دفع رفض دنكتاش لخريطة بطرس أن يعلن الأخير أنه «إذا لم يتمكن اجتماع شهر أكتوبر من التوصل إلى اتفاق، عندها يتوجب على مجلس الأمن أن يقوم وبكل جدية بالنظر في اتباع طرق أخرى بديلة لحل المشكلة القبرصية».

وقد أطلق غالي تهديده وسط ضغوط أمريكية بريطانية أوروبية على كل من دنکتاش وتركيا حتى تقبل بخريطة غالي التي تنصف اليونانيين الأرثوذكس على الأتراك المسلمين. 

* خريطة بطرس غالي تقلص حجم قبرص التركية المسلمة عشرة في المائة من مساحتها لصالح قبرص اليونانية

وجزيرة قبرص من الجزر الكبيرة ذات الموقع الاستراتيجي في البحر المتوسط، ولا تبعد عن السواحل التركية سوى 65 كيلو مترًا، وقد فتحها المسلمون عام  28 هجرية في عهد معاوية -رضي الله عنه- وكانت ضمن أملاك الدولة العثمانية حتى احتلتها بريطانيا عام 1914م وبقيت مستعمرة بريطانية حتى عام 1960 حيث أعلنت استقلالها برئاسة الأسقف مكاريوس، وخلال سنوات الاحتلال البريطاني هاجر غالبية سكان الجزيرة من المسلمين إلى تركيا بسبب اضطهاد البريطانيين لهم الذين ساعدوا اليونانيين على أن يهاجروا إلى قبرص ليحلوا محل المسلمين الأتراك حتى أصبحت الغلبة لليونانيين فيما بعد، وأصبح عدد المسلمين لا يزيد عن عشرين في المائة من السكان.

وفي عهد مكاريوس زاد الاضطهاد الأرثوذكسي للمسلمين على يد عصابات «أيوكا»، ولم يتم منح المسلمين الحقوق التي اتفق عليها بعد استقلال الجزيرة، وفي عام 1974 أيدت اليونان انقلابًا قصير الأجل في قبرص، بهدف ابتلاع الجزيرة لصالحها والقضاء على المسلمين فيها، مما دفع البروفيسور نجم الدين أربكان رئيس حزب السلامة في تركيا والذي كان نائبًا لرئيس الوزراء في ذلك الوقت إلى إصدار أوامره للجيش التركي بغزو الجزيرة للدفاع عن الوجود الإسلامي بها، حيث لا يزال هناك ثلاثون ألف جندي تركي بها حتى الآن، وقد ظل مسلمو قبرص متجاهَلين من العالم حتى أعلنوا قيام دولتهم التي لم يعترف بها أحد حتى الآن سوى تركيا، وذلك في نوفمبر 1983 وقد ظلت قضيتهم معلقة حتى جاء عهد بطرس غالي منفذ مقترحات النظام الدولي الجديد ليقدم خريطته المجحفة بحق المسلمين والتي سيجعلها المحور الأساسي في الجولة الجديدة من المباحثات التي ستبدأ في السادس والعشرين من أكتوبر الجاري.

لقد جيء ببطرس غالى إلى الأمم المتحدة ليتم خلال فترة رئاسته تمرير حل العديد من قضايا الدول الإسلامية المعلقة منذ سنوات- بصفة خاصة- وذلك حتى يظل حل هذه القضايا- إن حلت- معلقًا في رقبة الدول العربية والإسلامية التي ساهمت في وصول غالي إلى سدة الأمم المتحدة فرحة بوصول أول وربما آخر عربي إلى رئاسة المنظمة الدولية التي تقوم الآن بأداء دور ليس في صالح المسلمين أولًا وآخرًا، وما خريطة قبرص التي وضعها بطرس إلا أولى الخرائط التي ربما وضعت لتمزيق وتقسيم دول إسلامية أخرى عديدة تحت رعاية الأمم المتحدة..

فيا ترى ما الذي يعده بطرس من خرائط أخرى بعد خريطة قبرص؟

الرابط المختصر :