العنوان بطرس غالي والمؤامرة على مسلمي البوسنة والهرسك
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الأحد 24-مايو-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 1002
نشر في الصفحة 22
الأحد 24-مايو-1992
يعتقد
بعض المراقبين أن اختيار بطرس غالي سكرتيرًا عامًا للأمم المتحدة في هذه المرحلة
قد جاء ضمن إطار أداء دور مرسوم ومحدد في وقت معين، وأن اختياره من قبل الدول
الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن قد جاء بترتيب وتنسيق يصعب فيه على هذه الدول
أن تجمع على شخصية من شخصيات ما يسمى بالعالم الثالث مثل إجماعها على شخصية غالي،
لاسيما وأن حق الفيتو ظل يستخدم ضد سالم أحمد سالم وزير خارجية تنزانيا السابق
طوال دورتين سابقتين، عندما رشح لنفس المنصب لسبب رئيسي هو أنه مسلم، أما بطرس
غالي فعلاوة على أنه أرثوذكسي قبطي، فإن زوجته يهودية من عائلة نادلر الشهيرة بصنع
الحلويات في مصر، ومنذ قبوله بمنصب وزير دولة للشؤون الخارجية ليلة سفر السادات
إلى القدس ومصاحبته له؛ حيث خصص موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق لرفقته
طوال فترة إقامته في إسرائيل، والرجل كأنه يعد لشيء ما لاسيما بعد اختياره نائبًا
لرئيس الوزراء قبيل شهور قليلة من اختياره سكرتيرًا عامًا للأمم المتحدة.
تحيز غالي ضد مصالح العرب والمسلمين
وقد
أشار هؤلاء المراقبين إلى أن غالي قد أدرك منذ البداية أنه قد جاء لدور معين؛ لذلك
فقد كان كل حرصه منذ اختياره على أن يرضي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الخمس
ومصالحها بالدرجة الأولى، وأن تكون كل تصريحاته تصب تجاه مصالح تلك الدول
والموالين لها.
موقفه من فلسطين
فقد كان
تصريحه الخاص بالقرار ٢٤٢ والمتعلق بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة،
والذي أعلنه في أول مؤتمر صحفي يعقده بعد ٧٩ يومًا من تسلمه مهام منصبه في التاسع
عشر من مارس الماضي فقال: «إن قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الذي تقوم عليه المفاوضات
العربية الإسرائيلية ليس قرارًا ملزمًا، ولا يستند إلى الفصل السابع من ميثاق
الأمم المتحدة»، فكانت أول سهام بطرس غالي مصوبة نحو قضية العرب الأولى وهي قضية
فلسطين، فأصاب كثيرًا من المصفقين له بخيبة الأمل، فانبرى بعضهم للرد على السيد
غالي بالمقالات الطوال لتفنيد مزاعمه، كما حاول آخرون تبرير موقفه، بينما اكتفت
الأغلبية بالصمت ربما لإدراكها لمقاصد الرجل وتاريخه وارتباطاته العائلية وغير ذلك
من أمور أخرى، إلا أن هذا التصريح بدا كأنه حلقة في سلسلة من التصريحات والمواقف
الواضحة ضد مصالح الأمة العربية والإسلامية وقضاياها.
موقفه من أفغانستان
وأما
قضية أفغانستان فقد انبرى السيد غالي بعد ذلك، وأخذه الحماس لدور الأمم المتحدة في
حل قضية أفغانستان، وحدد على لسان مبعوثه الخاص بينون سيفان مؤتمرًا يعقد في جنيف،
تسلم فيه السلطة لحكومة من الأفغان التكنوقراط المقيمين في أوروبا؛ حتى يفوت
الفرصة على المجاهدين الذين كانوا على أبواب كابل، إلا أن أقدار الله قد غلبت خطط
الجميع، ودخل المجاهدون كابل فاتحين في الرابع والعشرين من أبريل الماضي؛ لتتحطم
أمال السيد غالي ومبعوثه الخاص.
موقفه من الإسلاميين
وفي
المؤتمر الصحفي الذي عقده غالي في نادي الصحافة الوطني في العاصمة الأمريكية في
واشنطن في الثالث عشر من مايو الجاري لم يستطع غالي أن ينسى حساسية منصبه وحساسية
ديانته ومذهبه، عندما سأله أحد الصحفيين الأمريكيين عن الصحوة الإسلامية العالمية
التي تجتاح العالم العربي والإسلامي، فقال غالي: «لقد نجحت الحكومات العربية في
احتواء الأصولية خلال الأربعين سنة الماضية.. إن الأصولية لا تمثل إرادة الشعوب
العربية».
ففي
الشق الأول من إجابته ربما قصد السجون والمعتقلات وحملات الإعدام والتعذيب التي
قامت بها كثير من الأنظمة العربية للإسلاميين طوال الأربعين سنة الماضية، وهو
أسلوب من الاحتواء ربما شارك غالي في صياغة أجزاء منه، أما الشطر الثاني من
الإجابة فواقع الأمة العربية كفيل بالرد عليه.
موقفه من مسلمي البوسنة والهرسك
وامتدادًا
لمواقفه من قضايا المسلمين الرئيسية مثل فلسطين وأفغانستان والصحوة الإسلامية، كان
موقفه من قضية البوسنة والهرسك؛ حيث كانت مواقفه سلبية منذ البداية بل ومنحازة
للصرب الذين يدينون بالأرثوذكسية التي ينتمي لها السيد غالي، ففي تقريره المنحاز
الذي رفعه إلى مجلس الأمن في الخامس والعشرين من أبريل الماضي قال: «إنه يتفق فيه
مع رأي مبعوثه الخاص سايروس فانس على أن جميع الأطراف يختلفون وتتضارب آراؤهم فيما
يتعلق بجميع جوانب الصراع في البوسنة والهرسك، وأن اللوم يقع على جميع الأطراف
فيما يتعلق بالوضع الراهن وتصعيد الصراع».
وأكد في
تقريره أنه لا يمكن إرسال قوات حفظ سلام إلى البوسنة؛ نظرًا لاستمرار القتال، بل إنه
بعد ذلك قام بسحب القوات القليلة التي كانت تعمل بصفة مراقبين؛ لتحتل القوات
العربية مواقعها، وفي موقف آخر أعلن السيد غالي أن الأمم المتحدة لا تملك الأموال
التي تمكنها من إرسال قوات حفظ السلام إلى البوسنة والهرسك، هذا في الوقت الذي
تملك فيه الأموال لإرسال قوات لحفظ أمن إسرائيل من جميع الجهات، وإرسال قوات أخرى
إلى كمبوديا، وإلى أمريكا الجنوبية، وإلى مواقع أخرى في العالم تتفق مصالحها مع
مصالح الدول الكبرى؛ بل إلى كرواتيا المجاورة للبوسنة، والتي بها 14000 جندي
تابعين للأمم المتحدة، ولعل هذا ما دفع وزير الصحة والعمل الإنساني الفرنسي برنار
كوشنر أن ينتقد السيد غالي وتصريحاته في حديث أجراه مع صحيفة «جورنال دوديمنش»
الفرنسية نشرته في السادس والعشرين من أبريل الماضي؛ حيث أعرب الوزير الفرنسي عن
أسفه لعدم تدخل الأمم المتحدة للفصل بين المتحاربين في البوسنة، وكشف عن سر مهم
حينما قال: «إن الديبلوماسيين الفرنسيين يطالبون الأمم المتحدة بأن تتدخل في
البوسنة منذ أكثر من ستة شهور» أي قبل أن تقترب ألسنة الحرب من سراييفو، ثم أضاف
الوزير الفرنسي موجهًا كلامه إلى السيد غالي ليتذكر أولئك الذين يخشون من انتصار
سريع لحق التدخل، أو ما يسميه بطرس غالي «الدبلوماسية الوقائية»، إن الحكومة
الشرعية المنتخبة في البوسنة والتي اعترف بها أكثر من ثلاثين بلدًا هي التي تطالب
بهذا التدخل، واختتم الوزير الفرنسي انتقاداته قائلًا: «إن من الغباء أن تتمركز
قيادة قوة حفظ السلام في سراييفو والجنود التابعون لها في مكان آخر».
|
* هل انحاز بطرس غالي
منذ البداية إلى الصرب الأرثوذكس ضد المسلمين؛ لأنه أرثوذكسي؟ |
ورغم أن
قضية مسلمي البوسنة قضية واضحة في أنها قضية شعب مسلم احتلت أرضه من قبل قوات
معتدية تملك أسلحة فتاكة، وترتكب كل يوم من الفظائع والمجازر ما لم يحدث في العصر
الحاضر؛ إلا أن السيد غالي يستمر في صلفه وتحميله حتى شعب البوسنة المسلم المضطهد
مسئولية ما يحدث، فيقول في تصريح نشرته «كونا» في 13 مايو الجاري: إن الوضع في
جمهورية البوسنة والهرسك مأساوي وخطير ومشوش، ولا يعرف على وجه الدقة ما هي الصورة
المشوشة لدى السيد غالي، والتي أصبحت واضحة حتى للأطفال من أنها حرب إبادة
للمسلمين في البوسنة والهرسك؛ بل ربما يكون وصف أحد الذين شاهدوا ما يدور في البوسنة
دقيقًا حينما قال: «إن سراييفو تتعرض لتدمير منهجي».
وقد
طالب غالي مجلس الأمن في 13 مايو الجاري بأن يحد من عملية حفظ السلام في البوسنة؛
بل إنه أضاف قائلًا: «إنني لا أعتقد أنه من الممكن في المرحلة الحالية أن تتولى
الأمم المتحدة عملية حفظ السلام في يوغسلافيا»؛ بل زاد على ذلك قائلًا: «إنه من
الأفضل أن تتولى المجموعة الأوروبية عملية حفظ السلام بدلًا من الأمم المتحدة».
تصريحات
غالي هذه تأتي في الوقت الذي تتبنى فيه الأمم المتحدة مصالح الدول الكبرى لاسيما
الولايات المتحدة في كل مكان بل يصدر مجلس الأمن القرارات وتطبق في حينها طالما
أنها ضد المسلمين ولعل هذا ما دفع قطاعات عريضة من المسلمين في العالم أن يستنتجوا
أن النظام الدولي الجديد يتآمر على المسلمين، وأن الأمم المتحدة وأمينها العام مع
مجلس الأمن لم يصبحوا سوى العصا الغليظة التي تضفى بها الشرعية على هذه المؤامرة،
يؤكد هذا سلبية الموقف الأمريكي تجاه مجازر المسلمين في البوسنة متمثلة في التقرير
الذي رفعه مساعد وزير الخارجية الأمريكي رالف جونسون إلى مسئوليه في 25/ 4 عن
نتائج زيارته ليوغسلافيا فقال: «إنه من الصعب للغاية تصور كيف سيتغير السلوك
الصربي وقال: إننا لا نعرف ما هو الأمر الفعال كما أن الأوروبيين لا يعرفون».
لعل
الموقف الأمريكي يعكس بالضبط تصرفات السيد غالي التي انتقدها وزير الدفاع النمساوي
فيرنيوفا سلابند في مؤتمر صحفي عقده في مدينة غراتس جنوب النمسا في 18/ 5 الجاري
قال فيه: «إن هروب قوات الأمم المتحدة من سراييفو عقب انطلاق أول طلقة نارية يعد
صفعة على وجه الأمم المتحدة والشرعية الدولية».
بعد هذا
التصريح لم يعد هناك سوى استنتاج واحد لخطوة الأمم المتحدة الأخيرة حول سحب
المراقبين الدوليين من سراييفو، أشار إليه كثير من المراقبين، هو أن هذا الأمر قد
مهد الطريق أمام القوات الصربية المتطرفة لتصعيد اعتداءاتها على البوسنة والهرسك
وشعبها المسلم، بعيدًا عن أنظار المراقبين الدوليين والعالم، في حين خفف الضغط على
الجيش الصربي في كرواتيا لتعزيز قواته في البوسنة بعد الحماية الخلفية التي قامت
بها قوات الأمم المتحدة له من جهة كرواتيا؛ حتى يستمر في إبادة المسلمين العزل في
البوسنة والهرسك.
الخلاصة
إن
خلاصة ما يدور الآن لا يقود إلا إلى حقيقة واحدة، هي أن الأمم المتحدة وعلى رأسها
بطرس غالي والنظام الدولي الجديد الذي يخدمه ضالعون جميعًا في المؤامرة على مسلمي
البوسنة والهرسك... فهل آن لنا نحن المسلمين أن ندرك أين نضع أقدامنا، وأن نعرف في
فلك من يدور بطرس غالي ومن على شاكلته؟!