العنوان بطاقة من أمريكا- تكنولوجيا الإجرام
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1983
مشاهدات 65
نشر في العدد 610
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-مارس-1983
القصة التي سأذكرها ليست من صنع الخيال، إنما حدثت فعلًا في هذا الواقع الجاهلي، مؤكدة أنه بغياب شرع الله، فإن الإنسان ينفلت من جميع الضوابط والقيم، ويعود إلى شريعة الغاب، القوي فيها يسيطر على الضعيف بلا رحمة، والضعيف متى وجد الفرصة مواتية للانتقام فإنه ينتقم بكل ما أوتي من قوة، قال أحد المسؤولين عن قوات الأمن الخاصة، وهي قوات استحدثت في هذا الواقع الضال بعد أن عجزت قوات الأمن الحكومية عن ضبط الأمن الداخلي والقضاء على الجريمة: إننا فعلًا رجعنا قرونًا إلى الوراء، نحن هنا في أميركا نعيش في عصر التتار والمغول.
القصة الأول: أحد الطلبة العرب كان يعيش مع أهله في السكن المخصص للعائلات في الجامعة، قبيل سفره بعدة أيام ذهب وأهله لزيارة أحد معارفهم في مدينة أخرى، وبعد أن أنهى الزيارة فتح باب بيته بعد رحلة طويلة لقي فيها شيئًا من التعب ليفاجأ بهدية أمريكية بمناسبة تخرجه من الجامعة، بأمر لا يمكن حدوثه إلا من تعلم على أيدي أكثر المجرمين دراية بتكنولوجيا السرقة، لقد سرق بيته، يقول: لا أقول لكم سرقوا مالي، أو ذهب «حلي» زوجتي، أو شيئًا من الأشياء الصغيرة التي يسهل على أي لص محترف أخذها، لقد سرقوا بيتي بأكمله؛ سرقوا أثاث غرفة النوم، وصالة الاستقبال، وأثاث المطبخ، وغرفة الأطفال وألعابهم، حتى الحمام لم يسلم من أيدي المجرمين، قلت لنفسي؛ يقول الطالب: هل أنا فعلًا في بيتي، أم تشابهت علي البيوت فدخلت على بيت لم يؤجر بعد، خرجت إلى الشارع لأتأكد من رقم الشارع ورقم البيت، وذهبت إلى جارتي فخرجت، وقد علتها علامات الدهشة والحيرة قالت: ألم تغادرنا بعد؟ قلت لها: لا ولم هذا السؤال؟ قالت وقد ازداد عجبها: لقد جاءت شاحنة كبيرة (تريلة) بجوار منزلكم منذ أيام في منتصف النهار تقريبًا، وحملت كل أثاث بيتك، فحسبتك أوكلت إلى إحدى شركات نقل الأثاث بحمل أثاثك، إن العمال الذين كانوا ينقلون الأثاث كانوا على مهارة عالية، وحرص شديد على الأثاث المنقول، قلت لها: بل إنهم على مهارة عالية وخبرة في سرقة البيوت.
وهذه قصة: سمعتها بأذني من أحد الشهود لإحدى أكبر السرقات التي حدثت في بريطانيا، قال الأخ بو مشعل: كنت واقفًا ذات يوم مع أحد الإخوة بجانب محطة انتظار الباص بجانب أحد أكبر الشوارع في مدينة لندن، وعلى مسافة قريبة استرعت انتباهي زحمة سير السيارات بسبب عمال يشتغلون في منتصف الشارع بجانب أحد أشهر البنوك في بريطانيا، وكانت طبيعة عملهم شاقة، كما كنت أرى، فأحدهم كان يقود آلة رافعة من النوع الكبير، وعمال آخرون كانوا يعملون بجد واجتهاد في ربط صندوق حديدي كبير الحجم، وحالما ينتهون من هذه العملية تقوم الرافعة برفع ذلك الصندوق ووضعه في سيارة شحن مجاورة، قلت في نفسي لعل أولئك اللصوص يقومون بسرقة ذلك البنك من خلال ذلك الشق الذي أحدثوه وسط الشارع، ولكني كنت أسأل نفسي: كيف يحدث ذلك في وضح النهار، وها هو أحد رجال البوليس ينظم السير يعمل معهم، قطع هذه التساؤلات مجيء الباص، وفي اليوم التالي طالعتنا الصحف وبالخط العريض أكبر سرقة في تاريخ بريطانيا، وأن البنك الذي حدثت فيه السرقة هو البنك نفسه الذي كنت بجواره يوم أمس، وصدقت نفسي في حديثها: إن أولئك العمال ما هم إلا لصوص، ليسوا فقط لصوصًا، بل هم لصوص محترفون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل