العنوان بسبب جداول الأعمال الأردنية الإسرائيلية المشتركة: تدهور العلاقات الأردنية السورية
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994
مشاهدات 66
نشر في العدد 1104
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 21-يونيو-1994
·
ثمانية
أحزاب أردنية معارضة أصدرت بيانًا مشتركًا تقول فيه: «إن اتفاق جدول الأعمال
الأردني- الإسرائيلي يهيئ بلادنا لتكون معبرًا للتطبيع الصهيوني مع الوطن العربي
وجسرًا لتمرير قيام سوق شرق أوسطية تتحكم بها إسرائيل وأمريكا»
في خطوة احتجاجية على توقيع الأردن المفاجئ
على جداول الأعمال المشتركة مع الجانب الإسرائيلي في مجالات الأمن والمياه والطاقة
والبيئة، وترسيم الحدود، أبلغت الحكومة السورية الجانب الأردني قرارها بتأجيل
اجتماعات اللجنة الأردنية السورية العليا التي كان من المقرر انعقادها في عمان يوم
السبت 11 يونيو (حزيران) الحالي.
ويذكر أن أعمال هذه اللجنة كانت قد تعطلت قبل
ثلاث سنوات على خلفية المواقف السورية الأردنية المتباينة من أزمة الخليج، واتُفق
على استئناف أعمالها خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك حسين إلى دمشق أواخر
شهر مايو (أيار) الماضي.
وكان من المقرر أن يرأس الوفد السوري
لاجتماعات اللجنة العليا رئيس الحكومة السوري محمود الزعبي وبمشاركة عدد من
الوزراء بينهم وزير الخارجية فاروق الشرع، في حين كان رئيس الوزراء الأردني عبدالسلام
المجالي سيرأس الجانب الأردني في أعمال اللجنة إضافة إلى عدد من الوزراء الأردنيين
المعنيين.
وإضافة إلى الخطوة الاحتجاجية السورية التي
تمثلت في إلغاء زيارة الوفد السوري رفيع المستوى، فقد شهدت الأيام القليلة الماضية
ملاسنات وانتقادات صحفية متبادلة بين الصحافة الأردنية والسورية تعد الأولى من
نوعها منذ فترة ليست قصيرة؛ فقد هاجمت صحيفة تشرين السورية الرسمية ما ورد في
مقالات الكاتب الصحفي الاقتصادي الأردني فهد الفانك المقرب من السياسة الاقتصادية
الأردنية في صحيفة الرأي الأردنية يومي 2 و6 يونيو (حزيران) الحالي، واتهمته
بالقيام بشكل متعمد بتشويه جوهر الموقف السوري، وأشارت صحيفة تشرين على لسان رئيس
تحريرها محمد خير الوادي إلى أن سوريا تتمسك بشمولية الحل التفاوضي، وأن إيحاء
الفانك بتخليها عن الأردن أمر بعيد عن الحقيقة وتشويه للموقف السوري، وأضاف:
"إن من يدعو إلى الارتماء في أحضان إسرائيل لابد له أن يبتعد عن سوريا ويفتري
عليها"، وذلك في إشارة واضحة للفانك.
وكان فهد الفانك الذي قالت صحيفة تشرين إنه
يعكس في كتاباته رأيًا رسميًا أردنيًا - قد انتقد تردد الأردن في المضي قدمًا في
عملية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، وقال: "إن هناك تخوفًا من أن استمرار
الأردن في سياسة التجميد والانتظار إلى أن تفرغ المنظمة وسوريا ولبنان من عقد
اتفاقاتهم مع إسرائيل سيترك الأردن في مركز ضعيف؛ بحيث يحصل في نهاية المطاف على
اتفاق أسوأ مما كان يستطيع الحصول عليه لو تقدم في وقت مبكر، وأعلن شروطه بوضوح
تمامًا كما أعلنت سوريا ولبنان استعدادهما للسلام الكامل والتطبيع السياسي
والاقتصادي شريطة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان وجنوب لبنان على
التوالي".
كما انتقد الفانك ما يشاع عن وجود تنسيق بين
الأطراف العربية المفاوضة وقال: إن التنسيق وهم كبير "بل كذبة تتبادلها
وتتظاهر بتصديقها، فجميع الأطراف العربية جاهزة للتوقيع إذا حصلت على ما تريد دون
انتظارنا".
وأضاف: "لقد أحسن المسؤولون الأردنيون
صنعًا عندما صارحونا بأن التنسيق بين دول الطوق لا وجود له.. فالتنسيق الحقيقي غير
موجود لأسباب غير أردنية، وإن الأردن يخدع نفسه ويفرط بمصالحه إذا واصل الاعتماد
على أكذوبة التنسيق؛ فالنتيجة أنه سيتخلف فيحصل كل طرف على ما يريد ويبقى الأردن
للآخر ولا يحصل على شيء".
وكانت قد صدرت قبل توقيع جداول الأعمال
الأردنية الإسرائيلية المشتركة تصريحات لبعض المسؤولين الأردنيين انتقدوا فيها ضعف
التنسيق بين الأطراف العربية، وأشار الملك حسين إلى أن التنسيق لم يتبلور إلى واقع
حتى في حده الأدنى، كما ألمح مسؤولون أردنيون بينهم رئيس الوزراء الأردني إلى أن
هناك ما يشبه الاتفاق بين سوريا والولايات المتحدة على الخطوط الرئيسية بشأن تسوية
مسألة الجولان، وأن الأسابيع القادمة ستشهد تقدمًا على المسار السوري الإسرائيلي.
ولعل المفاجئ في التصريحات والخطوات الأردنية
الجديدة هو أن جميع المؤشرات التي سبقتها كانت توحي بأن التنسيق الأردني السوري
اللبناني هو في أفضل حالاته بسبب الشعور المشترك لدى هذه الأطراف الثلاثة بحجم
الانعكاسات السلبية والأخطار التي يمكن أن تترتب عليها من خطوة قيادة المنظمة
الانفرادية بالتوقيع على اتفاقات أوسلو والقاهرة.
وقد شهدت الأشهر القليلة الماضية مجموعة من
الخطوات التنسيقية المشتركة بين الأطراف الثلاثة، وكانت جميع التوقعات تشير إلى أن
هذا التنسيق مرشح لمزيد من التفاعل والتعزيز خلال المرحلة المقبلة، ولكن تطورات
الأحداث جاءت معاكسة تمامًا لتلك التوقعات المتفائلة.
دوافع القرار الأردني
كانت جميع الأنظار تتوجه إلى المسار السوري-
الإسرائيلي الذي أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنه ستكون له الأولوية بعد أن قطعت
شوطًا طويلًا ومهمًا في مفاوضاتها مع الجانب الفلسطيني الذي تمكنت من ابتزازه وفرض
جميع شروطها عليه في الاتفاقات المتتالية التي وقعها الجانبان، ولكن يبدو أن الخطة
الإسرائيلية كانت ذكية للغاية، ونجحت في دق الأسافين وبذور الشك بين الأطراف
العربية؛ فالقيادة الإسرائيلية تدرك أن الملف السوري الإسرائيلي صعب ومعقد للغاية
مقارنة مع الملف الأردني الإسرائيلي، وهي تدرك أن الانتهاء من جميع المسارات الأخرى
وترك المسار السوري حتى النهاية سيضعف الموقف السوري التفاوضي، وربما يدفعه إلى
تقديم تنازلات جديدة. هذا على الصعيد الإسرائيلي، أما على الصعيد الأردني فيمكن
تلخيص أهم دوافع القرار الأردني بتسريع المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وتوقيع
جداول الأعمال المشتركة بالأسباب التالية:
1- ضعف الموقف الأردني بعد توقيع الاتفاقات
الفلسطينية الإسرائيلية وتقليص ساحة المناورة والتحرك خاصة وأن الأردن لا يمتلك
الكثير من الأوراق كتلك التي تمتلكها بقية الأطراف المفاوضة.
2- خشية الأردن من تأثير أي تقدم على المسارين
السوري واللبناني على المسار الأردني في ضوء عدم تأكيد الجانب السوري على اشتراط
أن يكون التقدم مشتركًا في المسارين الأردني والسوري وتركيزه على القضايا الخاصة
بالمسار السوري.
وقد أشار الملك حسين في تصريحاته إلى هذا
التخوف وقال: "علينا أن نعمل حتى لا تصبح النقطة الضعيفة أو المهمشة التي
تكون نتائجها على الصعيد الوطني والقومي كارثة -لا سمح الله". وأشار وزير
الإعلام الأردني أيضًا إلى هذا التخوف وقال: "إن الأردن لا يستطيع رغم أهمية
دوره وإستراتيجيته أن يتأخر عن بقية المسارات الأخرى ولا يبقى عرضة للضغوط ويصل به
الأمر أن يصبح دوره مهمشًا في عملية السلام".
3- تأزم العلاقة الأردنية الفلسطينية وخشية
الأردن من الانعكاسات الاقتصادية المحتملة على الاقتصاد الأردني جراء الاتفاقات
الاقتصادية الفلسطينية الإسرائيلية ورغبته في تفادي مثل هذه الأخطار من خلال
التفاهم مباشرة مع الجانب الإسرائيلي بهذا الخصوص.
4- رغبة الأردن في تحسين وضعه الدولي وخاصة
علاقاته مع الولايات المتحدة التي تميزت بالفتور منذ أزمة الخليج، ويطمح الأردن من
خلال تعاطيه بشكل إيجابي مع العملية التفاوضية بتحسين وضعه الاقتصادي وإسقاط بعض
الديون المستحقة عليه.
وقد أصدرت ثمانية أحزاب أردنية معارضة
للمفاوضات بيانًا مشتركًا أدانت فيه توقيع جداول الأعمال الأردنية الإسرائيلية
المشتركة واتفاق أوسلو بين قيادة المنظمة والجانب الفلسطيني وقالت: «إن اتفاق جدول
الأعمال الأردني الإسرائيلي يهيئ بلادنا لتكون معبرًا للتطبيع الصهيوني مع الوطن
العربي وجسراً لتمرير قيام سوق شرق أوسطية تتحكم بها إسرائيل وأمريكا».
ويذكر أن الجانبين الأردني والإسرائيلي قد
وقعا جداول الأعمال المشتركة بعد اختتام الجولة الرابعة من اجتماعات اللجنة
الاقتصادية الثلاثية الأمريكية الأردنية الإسرائيلية التي انعقدت على مدار يومين
في 6 يونيو «حزيران» الحالي، واتفقا على أن تجري المفاوضات بشأن القضايا الواردة
في جداول الأعمال في المنطقة اعتبارًا من شهر يوليو (تموز) القادم، وقد أشارت
مصادر صحفية إسرائيلية إلى أن المفاوضات القادمة ستجرى في منطقتي إيلات والعقبة.
لقد نجح العدو الإسرائيلي حتى الآن في اختراق
الجبهة العربية السياسية المرشحة لمزيد من الاختراقات الإسرائيلية، وتمكن من تشتيت
الأطراف العربية المفاوضة التي باتت تتصارع فيما بينها في حلبة التوصل إلى اتفاقات
وتفاهمات مع العدو الصهيوني، وسيكون هذا العدو هو المستفيد الوحيد من هذا التشتت،
وهذه الاتفاقات التي فتحت أمامه جميع بوابات التطبيع والاختراق في المنطقة في جميع
المجالات، وحطمت جميع الحواجز التي كانت تشكل حائلًا وعائقًا أمام هذا الاختراق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل