العنوان بر الآباء حق ووفاء
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 21-مارس-2009
مشاهدات 107
نشر في العدد 1844
نشر في الصفحة 58
السبت 21-مارس-2009
من الحياة
(●) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد
جلست الأم تساعد أولادها في استذكار دروسهم، وأعطت طفلها «5 سنوات» قلمًا و«كراسة رسم» حتى لا يشغلها عن مساعدة أولادها.. وفجأة تذكرت الأم أنها تُقدم طعام العشاء لوالد زوجها، وكانت قد عزلته في غرفة منفردة في فناء البيت.
عندما عادت الأم لإستئناف مساعدة أولادها.. نظرت في كراسة طفلها الصغير فوجدته قد رسم دوائر ومربعات فيما يشبه تصميم البيت، فسألته: ماذا رسمت يا حبيبي؟ فأجابها ببراءة: لقد رسمت بيتي الذي سأعيش فيه عندما أكبر وأتزوج، وهذه غرفة نوم، وذلك هو المطبخ، وتلك غرفة لإستقبال الضيوف، وأخذ يصف البيت.. فرحت الأم بطفلها، وأجالت النظر فيما رسم. فإذا بها ترى مربعًا خارج البيت الذي رسمه، فسألته: لماذا عزلت هذه الغرفة خارج البيت؟ فأجابها: سأضعك فيها تعيشين كما يعيش جدي الكبير خارج البيت!!
صعقت الأم لإجابة طفلها، ودارت في خلدها هواجس وأفكار، وسرعان ما نادت الخدم، ونقلت سريعًا سرير والد زوجها وأغراضه في أحسن غرفة في البيت ولما عاد زوجها فوجي بهذا التغيير، فسألها: لماذا هذا التغيير؟ ما الذي حدث؟ فأجابته والدموع تترقرق في عينيها: إني أختار أجمل غرفة لأعيش بها أنا وأنت عندما نكبر ونعجز عن الحركة إذا أعطانا الله عمرًا، ففهم الزوج ما قصدته زوجته، وأثنى على زوجته لما فعلته من أجل والده وهو يبتسم إبتسامة الرضا!! فبادر الطفل ومسح رسمه وهو يبتسم!!
ثمرات بر الوالدين «قصة حقيقية»
اقترض شيخ كبير السن من رجل قوي ثري أكثر من تسعين ألف ريال سعودي... وذات يوم كان المدين يجلس في بيته ومعه بعض جلسائه وابنه الشاب الذي لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره، وبينما هم جالسون إذا بالدائن يطرق الباب بقوة، فلما فُتح الباب ودخل، أمسك بتلابيب الشيخ الكبير قائلًا: أتق الله وسدد ما عليك من الديون، فقد صبرت عليك كثيرًا، ولكنك رجل مماطل، ثم أخذ يهدد الشيخ الكبير، وإذا بالشاب تدمع عيناه ألمًا وحزنًا على أبيه فأقترب من الدائن، وسأله في رفق: كم على والدي لك من المال؟ فأجابه أكثر من تسعين ألف ريال فقال الشاب ترك والدي، وأسترح وأبشر بالخير!!
دخل الشاب إلى غرفته مسرعًا، حيث كان يمتلك سبعة وعشرين ألف ريال وفرها من رواتيه الشهرية إستعدادًا لإتمام الزواج، لكنه آثر أن يُفرّج بها ضائقة والده، فأحضر المبلغ كله،، ودخل على المجلس، وقال للدائن هذه دفعة من دين الوالد قدرها سبعة وعشرون ألف ريال وسوف يسوق الله تعالى لنا الخير بإذنه، وأسدد لك بقية مالك في القريب العاجل إن شاء الله.
هنالك بكى الشيخ الصنيع ولده، متأثرًا بالموقف وطلب من الدائن أن يعيد المبلغ إلى ابنه، لأنه محتاج إليه في زواجه، ولا ذنب له فيما جرى لكن الرجل الدائن رفض دعوة الشيخ الكبير، ولم يستجب لإستعطافه، كما أن الشاب أصر -أيضًا- على أن يأخذ الدائن هذا المال، ثم تحدث الشاب إلى الدائن بكلام لين جميل، ورافقه حين خرج من الباب في أمن وسلام ورضا، ثم تقدم إلى والده، وقبّل يده وجبينه، وقال له: يا والدي، قدرك أكبر بكثير من أي مال في الدنيا، والمال يذهب ويأتي وأنا أفديك بكل ما أملك، ولا تحمل همًّا، لقد كنت أتمنى -يا أبي- أن أملك الآن هذا المبلغ كله لأدفعه لهذا الرجل حتى لا تعيش لحظة واحدة تفكر في همّ هذا الدين، ولكنني واثق -بأمر الله- أن الله عز وجل سيسوق إلينا الرزق الوفير، وسنسدد هذا المبلغ إن شاء الله في الغد القريب.. صعب عليّ يا أبي أن أرى دمعة واحدة تنحدر من عينيك على لحيتك الطاهرة، ولطالما تعبت من أجلنا وأنفقت علينا، فمهما صنعتُ لك فلن أوفيك جزءًا من حقوقك عليَّ، فهون على نفسك فالأمر بسيط، وفرجُ الله تعالى قريب!!
أحتضن الشيخ ولده وأجهش بالبكاء، وأخذ يقبله والدموع تنهمر من عينيه، وهو يدعو له بأن يوفقه الله عز وجل، ويوسِّع من رزقه ويفتح له أبواب الخير، وأن يرضى الله عنه، وأختتم الشاب ذلك المشهد المؤثر بقوله إمتنانًا وشكرًا لأبيه، إن هذه الدعوات التي دعوت لي بها لتزن عندي خير الدنيا كله، بارك الله لي فيك يا أبي.
وفي اليوم التالي، وبينما كان الابن منهمكًا في عمله.. زاره أحد أصدقائه الذي لم يره منذ فترة طويلة، وبعد الترحيب والسؤال والإطمئنان قال له صديقه: لقد كنت بالأمس مع أحد كبار رجال الأعمال، وطلب مني أن أبحث له عن شاب مخلص أمين، لديه القدرة والمهارة في إدارة العمل بنجاح، فظللت أبحث في ذاكرتي، فلم أجد أنسب منك أرشحك لهذا العمل، لأن الصفات التي طلبها الرجل تنطبق عليك تمامًا، فما رأيك في أن تقابل هذا الرجل الليلة؟
تهلل وجه الابن بالبشرى، ووافق قائلًا: أشعر بأن دعاء والدي قد أستجاب ربي له، فالحمد لله المنعم الوهاب، وفي المساء ألتقى الشاب برجل الأعمال، فأرتاح كل منهما للآخر إرتياحًا شديدًا، وشكر رجل الأعمال صديق الشاب، وقال له هذا هو الرجل الذي أبحث عنه بالفعل، ثم سأل رجل الأعمال الشاب: كم كنت تتقاضى كراتب في عملك السابق؟ فقال الشاب كنت أتقاضى ( ٤٩٧٠) أربعة آلاف وتسعمائة وسبعين ريالًا فقط لا غير، فقال رجل الأعمال: غدًا نحرر عقدًا بأمر الله تعالى وراتبك ( ١٥٠٠٠) خمسة عشر ألف ريال، ولك عمولة أرباح نسبتها 10%، وبدل سكن ثلاثة رواتب شهرية، وسيارة جديدة، وراتب ستة أشهر يصرف لك لتحسين أوضاعك.
ما إن سمع الشاب كلام رجل الأعمال هذا إلا وبكى بكاء شديدًا وهو يقول أبشر بالخير يا والدي، فسأله رجل الأعمال: عن سبب بكانه وما قاله، فحدثه بما كان قبل يومين، فأمر رجل الأعمال بتسديد ديون والد الشاب فورًا، وكانت محصلة أرباحه من العام الأول لا تقل عن نصف مليون ريال!! إنها ثمرة طيبة لبِر الوالدين وفك ضائقة والده وسداد دينه!! وصدق رب العزة إذ يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾ (سورة الطلاق: 2- 3)
فليبادر كل من يقرأ تلك القصة إلى بِر والديه، وتفريج كربهما، وطاعتهما، وإرضائهما، ومن كان أبواه على قيد الحياة فليغتنم برهما، وليسارع في الخيرات، ولا يؤجل ذلك البِر، فإنه لا يعلم متى أجله؟ ولا يعلم -أيضًا- متى أجل الوالدين، وحينها لا ينفع الندم؟!
ولقد كان لسلفنا الصالح آثار ومواقف عظيمة في البر بالأمهات، فعن عبد الله بن المبارك قال: قال محمد بن المنكدر: بات عمر -يعني أخاه- يصلي، وبتُّ أغمز رجل أمي «أي يجسها ويدلكها ويكبسها، ليذهب ما بها من ألم»، وما أحب أن ليلتي بليلته.
وتلك ثمرة أخرى لإيثار الوالد
ذكر الشيخ «عصام العويد» وفقه الله في إحدى محاضراته قصة عجيبة، قال: رجل تراكمت عليه الديون، وأقلقه همّها، وأشغله كريها، فساومه شيخ كبير السن من الأثرياء قائلًا: أسدُّ عنك دينك وتزوجني ابنتك ابنة الواحد والعشرين عامًا، ففرح المدين، ووافق دون تردد، ودخل الرجل مسرعًا، ونادي ابنته، وعرض الأمر عليها، فتغير لونها، وغابت إبتسامتها، وقالت: يا أبت أنا في شبابي، حرام أقضي عمري وشبابي مع ذلك الشايب، فظل الأب يلح على ابنته ويسترحمها، فرفضت ولم توافق، فنزلت دموع الأب على لحيته، وأختفت أماله، وعادت آلامه، وظهرت على وجهه الهموم والغموم.
كانت ابنته الصغرى تسمع حوار أبيها مع أختها الكبرى، وكان عمر الصغرى ثمانية عشر عامًا، فدخلت على أبيها، وإذا بها تشاهد دموعه على خديه، فقبلت رأس أبيها، وقالت يا أبت لا تحمل همًا، أنا موافقة على أن أتزوجه مادام ذلك سيحل مشكلة ديونك، ويفرج عنك كريبك، ويزيل همّك وغمَّك، فقام الأب فرحًا يستوضح رأي ابنته، ويتأكد منه سائلًا إياها، صحيح؟ أنت موافقة يا بنيتي؟ قالت: نعم يا أبي، فنهض الأب مسرعًا إلى ذلك المليونير الطاعن في السن، وقال له: يا أبا فلان أبشر، لقد وافقت ابنتي ذات الثمانية عشر عامًا على أن تتزوجك، فتبسم الرجل وقال: أحسن وأحسن، موافق، ثم عقد على الصغرى، وحدد وقت الدخول، وتم تسديد جميع الديون.
عادت البسمة للأب الضعيف، وظل يدعو لابنته ويرجوها أن تسامحه لإضطراره إلى ما حدث.. ولكن قبل الدخول بأيام يسيرة توفي المليونير، وأقضى إلى ربه، فكان من نصيب البنت من الميراث ما يقارب خمسة عشر مليون ريال فكان ذلك رزقًا لها، فيرت والدها بعد أن رزقها الله من حيث لا تحتسب!!
أنت ومالك لأبيك
يروى أن رجلًا كبير السن جاء إلى رسول الله ﷺ ذات يوم وهو يشكو إليه عقوق ولده، فقال: يا رسول الله، كان ضعيفًا وكنت قويًا، وكان فقيرًا وكنت غنيًا، فقدمت له كل ما يقدم الأب الحاني للابن المحتاج، ولما أصبحت ضعيفًا وهو قوي، وكان غنيًا وأنا محتاج، بخل عليّ بماله، وقصر عليّ بمعروفه، ثم ألتفت إلى ابنه منشدًا (●):
غذوتك مولودًا وعُلتك يافعًا
تعل بما أدني إليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت
بشكواك إلا ساهرًا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي
طرقت به دوني فعيناي تهمُلُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنني
لأعلم أن الموت حتم مؤّجل
فلما بلغت السن والغاية التي
إليها مدى ما كنت منك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة
كأنك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي
فعلت كما الجار المجاور يفعل
زعمت بأني قد كبرت وعبتني
لم يمض لي في السن ستون كمل
وسميتني باسم المفنّد رأيه
وفي رأيك التقنيد لو كنت تعقل
تراقب مني عشرة أو تنالها
هبلت وهذا منك رأي مضلل
وإنك إذ تُبقي الجامي مويئلًا
برأيك شابًا مرة المغفل
وما صولة الحق الضئيل وخطره
إذا خطرت يومًا قساور بُدل
تراه معدًا للخلاف كأنه
برَدّ على أهل الصواب موكل
ولكن من لَم يلق أمرًا ينوبه
بعُدته ينزل به وهو أعزل
فبكى رسول الله ﷺ وقال: «ما من حجر ولا مدر إلا بكى» ثم قال للولد: «أنت ومالك لأبيك».
وإن كان بعض العلماء يرى أن الثابت هو قول النبي ﷺ: «أنت ومالك لأبيك»، وضعفوا القصة، وكذلك الشِعر الوارد، فإن ما يهمنا هنا هو معنى الحديث وثبوته عن النبي ﷺ، فقد ورد الحديث من عدة طرق بألفاظ مختلفة.
فعن جابر رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدًا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: «أنت ومالك لأبيك» «رواه ابن ماجه، وصححه جماعة من الأئمة، كابن الملقن، والبوصيري، والألباني رحمهم الله تعالى».
وحديث: «أنت ومالك لأبيك» رواه ابن ماجه، والإمام أحمد، والحديث معضد بأحاديث أخرى، منها: حديث عائشة الذي رواه الحاكم وابن حبان في صحيحه، ولفظ أحمد أخرجه الحاكم وصححه أبو حاتم وأبو زرعة.. وقد ذكر الشوكاني ذلك في «نيل الأوطار»، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
ولفظ أحمد وأبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيًا أتى للنبي رضي الله عنه، فقال: إن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: «أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئًا»
تصحيح مفهوم خطأ
يظن كثير من عوام الناس أن الحديث يُلْغي الذمة المالية للابن، وأن معنى الحديث أن مال الابن إنما هو ملك مطلق للأب يتصرف فيه كيف يشاء ومتى شاء، بيد أن المعنى هو إكرام الأب وتجنب حرمانه.
ويعلق الإمام الشوكاني على هذا الحديث فيقول: «فيدل على أن الرجل مشارك لولده في ماله، فيجوز له الأكل منه، سواء أذن الولد أو لم يأذن، ويجوز له أن يتصرف فيه كما يتصرف في ماله ما دام محتاجًا، ولم يكن ذلك على وجه السرف والسفه. وقد ذكر الشوكاني عن العلماء قولهم: إن اللام في هذا الحديث لام الإباحة لا لام التمليك، فإن مال الولد له، وزكاته عليه، وهو موروث عنه، والله تعالى أعلم.
قال الطيبي: نفقة الولد على الوالدين واجبة إذا كانا محتاجين عاجزيْن عن السعي، عند الشافعي وغيره لا يُشترط ذلك، انتهى.
ولا يعني ذلك أن الوالد إذا كان سفيهًا يشرب الخمور مثلًا، أو يبدد المال في الشهوات والمعاصي أن يسمح له بالتصرف في مال ولده مطلقًا، وليس معنى الحديث أن مال الولد ملك مطلق للوالد يتصرف فيه كيف يشاء، ولو كان كذلك ما كان الوالد أحد الورثة في الابن، فمعلوم في الفقه أن الولد إذا مات فإن أباه يرث السدس ولا يرث المال كله، وبناًء على ذلك فيكون للأب أن يتفق من مال ابنه متى أحتاج إليه من غير سفه ولا إسراف، والله أعلم.
الهامش
(●) قيل إن هذ الشعر لأمية بن أبي الصلت، وضعف بعض العلماء نسبة الشعر إليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل