العنوان بريطانيا.. و"إسرائيل"
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 87
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 12-يوليو-1994
في خطوة أثارت استياء المراقبين وتعجبهم، أعلن
وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد في السادس والعشرين من مايو الماضي أن
بريطانيا قررت رفع حظر السلاح الذي كانت تفرضه على إسرائيل منذ غزوها للبنان
واحتلالها لجنوبه في عام 1982م. وقال هيرد في رد جوابي مكتوب ردًا على سؤال وجه
إليه في مجلس العموم البريطاني من جون مارشال رئيس المجموعة البرلمانية البريطانية
الإسرائيلية: «إنه تقرر رفع الحظر في ضوء التطورات الإيجابية في عملية السلام في
الشرق الأوسط خصوصًا الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا، وستضع هذه الخطوة المملكة
المتحدة في موقف مماثل لشركائها في الاتحاد الأوروبي».
ورغم أن هذا القرار لا يقدم ولا يؤخر كثيرًا
بالنسبة لإسرائيل التي تحصل على التقنيات العسكرية الهائلة التي تريدها من
الولايات المتحدة دون حاجة لما أعلنه هيرد، إلا أنه يعكس النفوذ اليهودي الذي أصبح
يؤثر تأثيرًا قويًا في سياسات الدول الأوروبية ويوجهها بقوة لخدمة «إسرائيل»
ومصالحها دون وضع أي اعتبارات للعالم العربي والإسلامي وحجمه وقوته وثقله ومشاعر
شعوبه ومصالحها.
ورغم المذكرة التي رفعتها الجامعة العربية إلى
بريطانيا في أعقاب صدور هذا القرار للاستفسار عن دوافعه وأسبابه في الوقت الذي
تدعي فيه الدول الغربية أنها تدعم ما يسمى بمسيرة السلام في المنطقة، فإن بريطانيا
لم تضع أي اعتبار للدول العربية من قبل حينما أصدر بلفور قراره المشؤوم بإقامة وطن
قومي لليهود على أنقاض فلسطين المسلمة في عام 1917، وظلت بريطانيا ترعى الكيان
الصهيوني حتى أعلن قيامه رسميًا 1948م، فرفعت بريطانيا انتدابها عن فلسطين وسلمتها
لليهود، فأنّى لها أن تضع الآن اعتبارًا للرد على قرار لن يقدم أو يؤخر كثيرًا في
القوة النووية أو العسكرية لإسرائيل.
وقد نظرت إسرائيل للقرار ليس من منطلق أنها
سوف تحصل على أسلحة بريطانية تكدسها إلى جوار ترسانات الأسلحة الأمريكية التي تملأ
كل شبر في فلسطين المحتلة، ولكن من منطلق أنها سوف تتمكن من تصدير تقنياتها
العسكرية إلى بريطانيا وإلى باقي الدول الأوروبية الأخرى.
وقد جاء ذلك في تصريحات أدلى بها يوسي بيلين
-نائب وزير الخارجية الإسرائيلي- في 28 مايو الماضي حينما رحب بالقرار وقال: إنه
سوف يسهل على إسرائيل تصدير الأسلحة إلى بريطانيا وليس العكس. وأعلنت إسرائيل أنها
بصدد المنافسة على عقد بقيمة ثلاثة مليارات دولار يتعلق بتركيب صواريخ جو-أرض في
طائرات «تورنادو» الحربية البريطانية حيث يشترط في هذه الصواريخ أن تكون قادرة على
إصابة أهداف على بعد 200 كيلو متر، وقد قدمت إسرائيل عرضًا لصواريخ «بوباي» التي
تنتجها مؤسسة «رفائيل» الإسرائيلية لأبحاث وتطوير الأسلحة، وقد استخدمت القاذفات
الأمريكية من طراز بي-52 هذه الصواريخ خلال حرب الخليج، وهو صاروخ طويل المدى
بإمكانه إصابة هدف أرضي في حجم نافذة صغيرة، وهذا يؤكد أن القرار في صالح إسرائيل
وليس في صالح بريطانيا.
كما يؤكد هذا التصريح على أن القرار البريطاني
لم يكن سوى نوع من أنواع الدعاية والمزايدة لصالح إسرائيل؛ لأن السبب الذي صدر
قرار الحظر بناء عليه وهو غزو لبنان واحتلال جنوبها مازال قائمًا، بل إن التوتر
يزداد يومًا بعد يوم بين إسرائيل ولبنان منذ اختطاف إسرائيل في مايو 1994م أحد
قيادات حزب الله من منزله في البقاع، ويشرف رابين منذ بداية يوليو الجاري على
الوحدات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان تمهيدًا لقيامها بغزو جديد لجنوب
لبنان.
كما أن هذا القرار لم يكن له أدنى تأثير من
قريب أو بعيد من قبل على حصول إسرائيل على ما تشاء من تقنيات بريطانية ربما تفوق
التقنيات العسكرية، مثل حصولها من شركة «ميكو» البريطانية على نظامين متطورين من
الحاسبات الإلكترونية التي تصنفها الدوائر الإستراتيجية في خانة «السوبر كمبيوتر»
حيث تستخدمها إسرائيل في تطوير قدراتها النووية والإستراتيجية منذ ديسمبر 1991م.
وكان خبراء في شؤون الشرق الأوسط قد أكدوا على
أن القرار البريطاني لم يكن سوى استرضاء للوبي اليهودي في بريطانيا لأسباب تتعلق
بالهزائم التي تلقاها حزب المحافظين في الانتخابات المحلية والأوروبية التي تمت في
مايو ويونيو الماضيين، حيث جرت الانتخابات المحلية البريطانية في دوائر تتواجد
فيها أغلبية يهودية.
وصناعة القرار في بريطانيا مثل كثير من الدول
الغربية تخضع لجماعات الضغط التي تستطيع أن تشكل نفوذًا داخل البرلمانات والحكومات
الغربية تخولها تحقيق مصالحها، وقد بدأت صورة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة
وأساليبه تنتقل إلى معظم الدول الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا التي أصبح اليهود
رغم كونهم لا يتجاوزون نسبة الواحد في المائة من عدد السكان يؤثرون بشكل بارز في
توجهات السياسة البريطانية ودفعها للانحياز الكامل لمصلحة «إسرائيل».
حتى إن رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور أنّب
الدول العربية على استمرار مقاطعتها لإسرائيل، وقال في تصريح نشر في أغسطس 1992م:
«إنه يتوقع من الدول العربية أن ترفع المقاطعة الجائرة على التجارة مع إسرائيل».
وكانت صحيفة الأوبزرفر البريطانية قد نشرت
تقريرًا في 19/ 7/ 1992م عن النفوذ اليهودي في بريطانيا قالت فيه: «إن اليهود
الذين لا تزيد نسبتهم عن الواحد في المائة من عدد السكان قد شكلوا خمسة وعشرين في
المائة من أعضاء الوزارة في إحدى المرات، وكان هذا في عهد مارجريت تاتشر».
وأضاف التقرير بأن: «هناك حوالي خمسين يهوديًا
في مجلس اللوردات، وحوالي عشرين نائبًا في البرلمان، وعشرين مستشارًا حكوميًا
خاصًا، وثلاثين زميلًا في الجمعية الملكية، وخمسة يحملون وسام الاستحقاق، وحوالي
عشرة زملاء في «الأكاديمية البريطانية»، كما أن كبير القضاة البريطانيين يهودي».
وفيما يواصل اللوبي اليهودي تحصيل مكاسب يومية جديدة في بريطانيا، فإن الأمر لم
ولن يقف عند حد رفع حظر الأسلحة عن إسرائيل، بل إنه ذهب أبعد من ذلك حيث من
المتوقع أن يقوم فليب زوج ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية بزيارة لإسرائيل خلال
هذا العام.
وذلك وفق تقرير نشرته ديلي تلجراف في أغسطس 1993م حيث يشهد الأمير حفل تأبين سوف يقام في القدس تخليدًا لذكرى والدته اليونانية الأميرة «آن» التي كانت قد ساعدت في إيواء اللاجئين اليهود إبان الاحتلال الألماني لليونان في الحرب العالمية الثانية، وقد نقل رفات الأميرة من كاتدرائية سان جورج في وندسور إلى القدس عام 1988م بناء على وصيتها قبل وفاتها في عام 1969م. ومن هنا يتضح أن الدعم البريطاني لإسرائيل لا يقف عند حد المصالح والضغوط فقط ولكنه يصل إلى أبعد من ذلك.. إنها علاقة نسب!