العنوان بريطانيا.. جنون البقر يثير الرعب في بريطانيا
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 76
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 02-أبريل-1996
أخيرًا وبعد مضي أكثر من عشر سنوات اعترفت الحكومة البريطانية بوجود علاقة بين مرض جنون الأبقار BSE ومرض الخرف CID، وكشف عن أن غالبية من يتناولون اللحم البقري معرضون إلى الإصابة بالمرض بما في ذلك الأطفال، وقد أثارت هذه التصريحات ضجة كبيرة تجاوزت بريطانيا إلى الدول الأوروبية وجميع الدول المستوردة للحوم الأبقار الإنجليزية.
وقد جاء الاعتراف بعد مرور عشر سنوات على ظهور الأعراض الأولية BSE ونفي الحكومة في ١٩٨٦م وجود أية علاقة بين المرض وبين أية أمراض آدمية، غير أنه وبعد ظهور ۱۰ حالات وفاة مرضية لمن هم دون الأربعين في بريطانيا بسبب داء CID، واكتشاف وجود نفس الأعراض التي تظهر في الأبقار اضطرت الحكومة إلى الاعتراف باحتمال وجود علاقة بين المرضين.
وقد سجلت أول حالة لظهور مرض جنون الأبقار في ١٩٨٥ إذ ظهرت في الأبقار أعراض الضعف وعدم القدرة على المشي وفقد الشعور بالمكان وتدهور عام في الأداء الوظيفي للمخ ثم الموت، ومع أن البياطرة لا يجزمون بذلك إلا أن هناك دلائل علمية واضحة تؤكد أن سبب المرض يرجع إلى تغذية الأبقار ببقايا لحوم الخراف، والتي اتضح فيما بعد إصابتها بمرض مُعْدٍ في المخ انتقل بدوره إلى البقر.
والذي يشير إلى وجود علاقة بين مرض «جنون البقر» وبين مرض الـ CID الخطير هو التشابه في الأعراض، إذ يصاب المريض بما يشبه الحفر الصغيرة في خلايا المخ يفقد معها توازنه العقلي، ويدخل في غيبوبة طويلة تنتهي به إلى الوفاة ولهذا فالمرض نادر وليس له علاج، وقد سجلت حتى الآن أكثر من ست حالات توفيت في بريطانيا من هذا المرض، من بينها فتاة تركية مسلمة عمرها ١٧ سنة.
هذا ويبلغ عدد الأبقار في بريطانيا حوالي 11 مليون بقرة، يقدر المصاب منها بأكثر من مليون، ولكن البياطرة يشيرون إلى أنه من المحتمل وجود المرض في عدد أكبر خاصة في الأبقار التي أصيبت في مرحلة مبكرة، ولم تظهر عليها الأعراض الأولية، وتفكر الحكومة جديًا في التخلص من الأبقار المريضة عن طريق الذبح، ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها بريطانيا إلى هذا الخيار الصعب، فقبل ٣٠ سنة ذبحت بريطانيا حوالي ٤٤٢ ألف بقرة لإصابتها بمرض الفم والقدم وكلف الحكومة ذلك حوالي ۲۷ مليون جنيه إسترليني، أما في هذه المرة فقد يكلفها هذا القرار ما يزيد على 5 بلايين جنيه إسترليني تدفعها كتعويض للمزارعين، ومن المؤكد أن يكون لهذا انعكاساته على وضع بريطانيا الاقتصادي.
▪ الإنجليز يريدون المزيد من الطمأنة
وكانت جلسة البرلمان البريطانية التي شهدتها المجتمع لمناقشة مرض «جنون البقر»، يوم الإثنين ٢٥ مارس ساخنة جدًا، حيث ألقى فيها كل من وزيري الصحة والزراعة كلمة أوضحا فيها سلامة لحوم الأبقار الموجودة في الأسواق من المرض، واعتبرت كلمة وزير الزراعة دوجلاس هوغ عائمة، لأنها لم تنفِ أو تؤكد بشكل واضح الحالة الصحية العامة للأبقار الإنجليزية ومستقبل المرض بالنسبة للناس، فلا زال هناك توجس شعبي من القضية برُمَّتِهَا، ولن يقدم أحد على المخاطرة بحياته لأن الحكومة تقول ما قالت خاصة وقد صارت الثقة شبه معدومة بين الاثنين حول هذا الموضوع.
وفي جلسة البرلمان كانت هناك انتقادات حادة للحكومة على تهاونها في القضية منذ أوائل ظهورها وكأنها لا تعبأ بحياة الشعب كما وصف أحد النواب وانتقد البعض سياسة الحكومة إطعام الأبقار بقايا حيوانات أخرى بدلًا من النباتات لأسباب تجارية، وأثر ذلك في إيجاد المشكلة من البداية، فبريطانيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تتبنى مثل هذا النظام الغذائي الغريب، وطالب البعض الحكومة بنشر تفاصيل التحقيق في قضية الأبقار حتى يطلع عليها الشعب ويطمئن على حياته، فهناك حالة ذعر واسعة جعلت الناس تحجم عن شراء لحوم البقر، وتستهلك بدلاً منه لحوم الماعز، ولأول مرة تشهد الأسواق البريطانية تدنيًا واضحًا في أسعار لحوم البقر، أما المطاعم التجارية الشهيرة مثل «ماكدونالد» و«ومبي»، فقد أوقفت تقديم لحوم البقر في شطائر الهامبورجر واستبدلته بأنواع أخرى من اللحوم.. كل هذه التدابير جعلت الموقف الحكومي هزيلًا في البرلمان، وأمام الرأي العام ولا تقويه مجرد الكلمات الدبلوماسية.
▪ الموقف الأوروبي
دول الاتحاد الأوروبي لم تعبأ هي الأخرى بكلمات الحكومة البريطانية، واتخذت قراراها يوم الإثنين «٢٥مارس» وفي توقيت الجلسة البرلمانية بمقاطعة لحوم الأبقار البريطانية ووقف استيرادها، وقد صوتت على القرار جميع الدول ما عدا إيرلندا والدانمارك، وانتقدت بريطانيا القرار الأوروبي واعتبرت أنه جاء متسرعًا وبدون دراسة علمية لنتائج البحث، غير أن هذه الدول فضلت المقاطعة ورفضت الانتظار والمخاطرة بحياة شعوبها، وكانت ألمانيا من الدول الأولى التي تقود حملة المقاطعة، إذ كشف أحد وزرائها في وقت سابق عن تفكير بلده جديًا في منع استيراد لحوم البقر البريطانية حتى يصل الاتحاد الأوروبي إلى قراره.
ومن المبكر التنبؤ بانعكاسات القرار الأوروبي على علاقة بريطانيا بهذه الدول وعما إذا كانت هناك «أجندة» سياسية صاغت القرار غير الجانب الصحي للموضوع.
ولكن من الواضح وجود استياء بريطاني من المقاطعة الأوروبية، واتهام لبعض الدول بالتحيز في اتخاذ القرار، فقد انتقد نواب الحكومة بعض الدول مؤكدين على أن «بعضها يملك نفس المرض أو أمراض أخرى خطيرة، ولكن يسميها بغير مسمياتها الحقيقية»، وهذا من شأنه أن يخدم هذه الدول في شيئين:
الأول: أنه لا يخلق لها مشاكل اقتصادية مع المزارعين والتجار، أو صحية مع المستهلك كما في بريطانيا.
والثاني: أنه فتح لها طريقًا أوسع للتصدير بعد خلو الساحة من المنافسة البريطانية.
▪ البعد السياسي في القضية
ولكن إلى جانب البعد التجاري هل هناك بعد آخر سياسي، كأن يكون القرار لعبة أوروبية للضغط على بريطانيا لتعديل سياستها نحو الاتحاد الأوروبي مستقبلًا؟ هذا ليس مستبعدًا ولكن الدكتور «كورو» من الاتحاد الأوروبي ينفي ذلك، ويفيد بأن بريطانيا هي التي اعترفت بنفسها عن وجود مرض الـ BSE في أبقارها وليس أية دولة أوروبية أخرى، وهذا الكلام صحيح، ولكن بريطانيا تعود اليوم وتؤكد سلامة اللحم البقري في الأسواق من المرض، ومع ذلك تتخذ الدول الأوروبية قرارها بالمقاطعة الفورية ودون استماع لحجج الطرف البريطاني، ومن جانب آخر انتقد «كورو» الموقف البريطاني في الإعلان عن وجود علاقة بين مرض جنون الأبقار وأمراض بشرية أخرى دون إطلاع الدول الأوروبية على ذلك مسبقًا، وقال في تصريح خاص لـ «المجتمع»: إن الدول الأوروبية فوجئت كما فوجئ الشعب البريطاني تمامًا عندما أذيع الخبر بشكل علني في ۲۰ مارس الجاري وكان من المفترض أن تطلع الدول الأوروبية على ذلك قبل الجميع، ويستطرد «كورو»، قوله بأن بريطانيا أذاعت الخبر الأربعاء قبل الماضي، وكان هناك اجتماع أوروبي قبل ذلك بيومين أي يوم الإثنين ومع ذلك لم تخبر أحدًا بموضوع اللحوم، ويضيف: «الطريف في الموضوع أن الاجتماع الأوروبي كان لاتخاذ قرار بشأن مقاطعة استيراد اللحوم التي تحقن بهرمونات لزيادة نموها، وقد صوتت على القرار ١٤ دولة أوروبية ما عدا بريطانيا، ولكن الطريف فعلًا أنها لم تفتح مطلقًا موضوع اللحوم البقرية».. ومن المتوقع أن يستمر القرار الأوروبي بالمقاطعة لمدة سنتين إلى حين ظهور نتائج جديدة.
وتثير قضية الأبقار عدة إشكاليات منها: اعتراض الكثير على سياسة بريطانيا الغذائية في إطعام الأبقار بقايا حيوانات أخرى من الخراف والأبقار الميتة بدلًا من النباتات لأسباب تجارية وما قد يترتب على ذلك من أضرار، منها هذا المرض، فهل يكون سباق البيع والتصدير ومنافسة السوق الاستهلاكية- تمامًا كسباق التسلح- على حساب حياة الإنسان ثم لماذا لا تعبأ الحكومة بتدارُك الأمر من ساعة اكتشافه في ١٩٨٥م وترك الأمر يتفشَّى لعشرة سنوات فتكون النتيجة موت الناس والملايين من الأبقار والملايين من الجنيهات وما الذي حدا بالحكومة الآن إلى الاعتراف بخطئها وما هي خطواتها المستقبلية لحل المشكلة هذه هي الأسئلة التي يسألها كل إنجليزي اليوم في بريطانيا وهو مستعد للصوم عن لحوم البقر حتى تقدم له حكومته الأجوبة الشافية على هذه الأسئلة، ولن يحل المشكلة مجرد إغراق السوق باللحوم البقرية الرخيصة الثمن كما تحاول الحكومة فعله حاليًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل