; بريد المجتمع 258 | مجلة المجتمع

العنوان بريد المجتمع 258

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1975

مشاهدات 6

نشر في العدد 258

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 15-يوليو-1975

قوة الأخلاق يا شباب

لقد خلق الله الإنسان وجعل فيه العقل واللسان وميزه عن سائر الحيوان؛ حيث جعل فيه الفكر ليتدبر شؤونه ليعيش حياة سعيدة مليئة بالسعادة والراحة والاطمئنان، حيث جعل معه من بني جنسه حتى يتعاون معهم ويبنوا لهم مجتمعًا إنسانيًا سليمًا، فما من مجتمع قام وانحط إلا وهناك خلل في نفس الإنسان الذي يعيش في هذا المجتمع؛ إما لسوء تفاهم وإما لأعمال غير أخلاقية وجعله ينفصم عن مجتمعه ويفككه، فالأديان السابقة لم تكن تخرج عن طبيعتها التي أرسلها الله لأجلها، وهي اعتبار أن النفس الصالحة هي البرنامج الفعال لكل إصلاح، والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة، فالله سبحانه وتعالى أرسل الرسل لإصلاح البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى العلم، كلٌ إلى قومه خاصة.. أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد أرسله الله للناس كافة بشيرًا ونذيرًا ومصلحًا وخبيرًا، فلما بعث صلى الله عليه وسلم رأى الناس في لهو وعبث وجهل ومرض، وفي سلب ونهب، وفي بغض وعداوة وكذب وخيانة وعصبية وعنصرية وغيرها من الفتن، فبذلك حدد -صلى الله عليه وسلم- الغاية الأولى من بعثته والنهج المبين في دعوته بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

نعم، هذه هي ميزة الفرد المسلم الذي يتمسك بشريعته وتعاليمها، فقد حث الإسلام على التخلق بالخلق الحسن ومقت الرذائل والمنكرات والعادات الفاسدة التي تجلب على الإنسان أضرارًا كثيرة، فقد كان رسولنا الكريم وصحابته من بعده على درجة كبيرة من الخلق الحسن، حتى وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (ن: 4)، حقا إنه كان على خلقٍ عظيم حيث كان خُلقه القرآن دائمًا وأبدًا، فإنه صلى الله عليه وسلم ضرب لنا أروع الأمثلة في الأخلاق وحسن المعاملة قولًا وعملًا مع الصديق والكبير، ومن هنا يتبين لنا قوة الأخلاق التي ندعو إليها شبابنا وإخواننا، فقد كان صلى الله عليه وسلم بين صحابته مصنعًا من مصانع الأخلاق، فكان يربيهم التربية الفاضلة ويعلمهم التعاليم الربانية الصالحة، فإذا جلس معهم حثهم على الأخلاق ومحاسنها، جلس يومًا مع صحابته فقال لهم: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (رواه مسلم).

وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم» (رواه أبو داود).

وقد كان ينهى عن التشبه بالآخرين بقوله: «من تشبه بقوم فهو منهم»، «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال». أما من تعاليمه التطبيقية - صلى الله عليه وسلم - التي كان يغرسها في قلوب أصحابه فذلك ما رواه أنس قال: «كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه رسول الله وضحك وأمر له بعطاء» (رواه البخاري).

ما أروع هذا المشهد من صاحب القلب الرحيم الوقور العطوف الذي كان يخالط الشيخ المسن والطفل الصغير والشاب الفتل.. ولو جمعنا أقوال وأعمال صاحب الرسالة في التحلي بالأخلاق الزاكية لخرجنا بسفر لا يعرف مثله لعظيم أئمة الإصلاح، إذن بعد هذا لماذا ابتعد الناس عن سنة رسولنا ولم يتأسوا به؟ هل هم في شك من واقعيته؟ أم في جهل وعمى من دعوته؟

والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.

أخوكم

عبد الرحيم عبد الله عبد الكريم

دولة الإمارات العربية المتحدة- معهد رأس الخيمة العلمي

من مصائب الأمة

الوقت هو الحياة:

الوقت هو الحياة، بل أكثر من ذلك، وكما يقولون: الوقت أغلى من الذهب، أقول: بل أغلى من الذهب؛ إذا نفد الذهب يمكن إرجاعه بل أكثر منه، أما الوقت فلا نستطيع إرجاعه، ولهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة»، وكما يقول الصديق في دعائه: «اللهم لا تدعنا في غمرة، ولا تأخذنا على غرة، ولا تجعلنا من الغافلين»، وقد كان عمر رضي الله عنه يدعو بأن يرزقه الله البركة في وقته وصلاح الساعات، وقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيمة الوقت وطريق الانتفاع به فيما ورد عنه في كثير من الأحاديث، مشيرًا إلى أن المؤمن بين أجلين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن شبيبته قبل هرمه، ومن الحياة قبل الموت.

آفات الفراغ:

في أحضان البطالة تولد الآفات والرذائل، وتختمر جرائم التلاشي والفناء، إذا كان العمل رسالة الحياة فإن العاطلين موتى وإن كانوا أحياء، وإذا كانت دنيانا هذه غراسًا لحياة أكبر تعقبها، فإن الفارغين أحرى الناس أن يحشروا مفلسين لا حصاد لهم إلا البوار والخسران، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى غفلة الألوف عما وهبوا من نعمة العافية والوقت فقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، ومن أصدق ما رواه الشافعي في أسس التربية هذه الكلمة الرائعة: «إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل»، إذا لم تدر في حركة سريعة في مشروعات الخير والجهاد والإنتاج المنظم لم تلبث أن تنهبها الأفكار الطائشة وأن تلفها في دوامة من الترهات والمهازل، وأفضل ما تصون به حياة إنسان أن ترسم له منهاجًا يستغرق أوقاته ولا يترك فرصة للشيطان أن يتطرق إليه بوسوسة أو ضلال.. ويشرح «ديل كارنيجي» هذا فيقول: «إننا لا نحس أثرًا للقلق عندما نعكف على عملنا، ولكن ساعات الفراغ التي تلي العمل هي أخطر الساعات طرًّا».

تجربة:

نعم تجربة لما يحيط بنا، لو تصورنا أن الإنسان الذي من دون عمل «فارغ» كالزجاجة الفارغة، حين تفتحها يدخل بها الهواء بسرعة وقد يحطمها، هكذا الفراغ وشهوات الإنسان إذا لم تملأها بما تحييها ملأتها شهواتك.

عالمنا:

أيها القارئ: إني أناجيك وأناديك باسم الأمة العربية الضائعة أقول: ما سبب ضياعك؟ لا تعجب حين أجيب وأقول: هو الفراغ وعدم استغلال الوقت، من قديم عرف المصلحون أن بطالة الغني ذريعة إلى الفسوق، وبطالة الفقراء تضيع لطاقة بشرية هائلة وبعثرة محزنة لما أودعه الله في العضلات والأعصاب والأفئدة من طاقة لو فُجرت لغيرت وجه العالم!

«اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك»

أبو قتادة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل