العنوان تركيا وقضية الحجاب من جديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2008
مشاهدات 79
نشر في العدد 1788
نشر في الصفحة 5
السبت 09-فبراير-2008
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (سورة الأحزاب آية: 57- 58- 59).
عادت قضية حرية ارتداء الحجاب في تركيا إلى الساحة السياسية بقوة، حيث يشهد البرلمان والشارع التركي جدالًا ساخنًا حول تلك القضية، فقد أدخلت حكومة حزب العدالة والتنمية مادة في الدستور الجديد المزمع الاستفتاء عليه شعبيًّا تنص على حرية ارتداء طالبات التعليم العالي الحجاب، ورغم أن اقتراح الحكومة اقتصر على طالبات التعليم العالي دون طالبات المدارس الثانوية والمعلمات والموظفات في الدواوين الحكومية، إلا أن موقفها قوبل بمعارضة شديدة من النخبة العلمانية المتطرفة المتحكمة بمفاتيح القرار في: إدارات الجامعات، والقضاء، والمؤسسة العسكرية، حيث صدرت تهديدات من كل جهة.. كل بطريقتها وأسلوبها تحذر من الإقدام على هذه الخطوة.
فقد أعلنت المؤسسة العسكرية رفضها صراحة، وهدد عمداء ورؤساء الجامعات بالتوقف عن التدريس في حال السماح بالحجاب، كما هدد نائب رئيس محكمة النقض بتدخل محكمته قضائيًّا باسم مبدأ علمانية الدولة ضد أي إصلاح دستوري يسمح للطالبات بارتداء الحجاب، وفي الوقت نفسه تظاهر أكثر من ۱۲۰ ألف تركي -بدعوة من حزب الشعب الجمهوري- معارضين للحجاب، وتصب كل الاعتراضات في خانة واحدة إذ تتهم الحجاب بأنه رمز سياسي، وأنه يهدد العلمانية والديمقراطية، ويعود بالدولة إلى الوراء «الإسلام»!!
وكل تلك الاتهامات واهية ومردود عليها، بل إنها في حد ذاتها تتناقض مع أسس العلمانية والديمقراطية، التي تنص على احترام حقوق الإنسان في التعبير واللباس والمعتقدات، لكن العلمانية التركية شيء آخر، إذ تحمل اسم العلمانية، وترفع شعارات الديمقراطية، بينما هي في حقيقتها مشروع معادٍ للإسلام صراحة، وتجرم كل ما هو إسلامي، كبيرًا كان أو صغيرًا.. إنها مشروع يعطي الحرية لكل شيء ولكل معتقد ولكل شخص إلا الإسلام ومبادئه.
ولذا فهي تقف بالمرصاد لأية بادرة تظهر في المجتمع ولها علاقة بالإسلام، فهي العلمانية التي حلت كل الأحزاب التي اشتمت منها رائحة الإسلام، بل إن الجيش انقلب أكثر من مرة لإزاحة أحزاب إسلامية وصلت للحكم بالخيار الديمقراطي للشعب، وهي العلمانية التي سجنت رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان عام ۱۹۹۸م حينما كان رئيسًا لبلدية إسطنبول لترديده بعض أبيات من الشعر اشتم منها رائحة الإسلام.
وهي العلمانية والديمقراطية التي لا تحترم مبادئها التي تنص على أن القرار في البرلمان للأغلبية وليس للأقلية، وتنص على احترام الاختيار الشعبي الحر، فالذي تقدم باقتراح النص على حرية ارتداء الحجاب في الدستور هو حزب العدالة والتنمية، حزب الأغلبية المنتخبة ديمقراطيًّا من الشعب التركي (٣٤٠ مقعدًا)، ويؤيده حزب الحركة القومية ( ٧٠ مقعدًا) وحزب المجتمع الديمقراطي الكردي (۲۰مقعدًا) ليكون إجمالي المؤيدين من البرلماني التركي ( ٥٥٠) هم ٤٣٠ نائبًا، وهو ما يمثل شبه إجماع من البرلمان، أي شبه إجماع من الشعب التركي الذي تمثل نسبة الحجاب بين نسائه أكثر من ٦٥%.
وهنا يحتم المنطق الديمقراطي والعلماني احترام رأي الشعب وممثليه، وليس فرض قناعات ومعتقدات أقلية على الأغلبية هكذا.. لكن الذي يبدو أن الكلام عن الديمقراطية والعلمانية مجرد كلام عندما يكون الموضوع هو الإسلام ومبادئ الإسلام.
لقد تم التخويف كثيرًا من حكومة العدالة والتنمية باعتبارها تمثل حزبًا إسلاميًّا، وتمت عرقلة انتخاب عبد الله جول رئيسًا؛ لأن زوجته محجبة، لكن الشعب التركي أصر على إعطاء هذا الحزب ثقته وتأييده، بعدما رأى أفضل الإنجازات على كل الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولهذا مازال الشعب التركي متمسكًا بهذا الحزب ومؤيدًا لسياساته التي صانت الدولة التركية وحافظت عليها، وتعمل على تقدمها ورفاهيتها، فلم التخويف اليوم من الحجاب في الجامعات ونسبة كبيرة من نساء تركيا محجبات؟!
إن الذي يحدث الانهيار والتخلف في الدول هو الفساد والتبعية والتفريط في الهوية والعقيدة، وإن مصادمة رغبة النساء في ارتداء الحجاب داخل الجامعات والمدارس والدواوين الحكومية يمثل عدوانًا صارخًا على حقوق الإنسان وحريته في ارتداء ما يشاء، وإن إلزام المرأة في هذه الأماكن بارتداء زي معين يحول دون سترها رأسها وجسدها وفقًا لحريتها، هو الجور كل الجور على أبسط قواعد الحرية، وقد أحدث ذلك اضطرابًا طوال السنوات الماضية في المجتمع، وأحدث حالة من الغضب والقلق بين النساء وأسرهن، وتسبب في توقف طالبات عن الدراسة وهجرة طالبات أخريات للدراسة في دول غربية علمانية تسمح بالحجاب، ومن هنا فإن إقرار هذا الحق اليوم يمثل إعادة للم شمل الأسر، وإعادة الهدوء إليها وإتاحة حق التعليم للجميع، وهو ما يمثل في التحليل الأخير تحقيق الاستقرار والهدوء في المجتمع.
فعلى المؤسسة العلمانية التركية بكل درجاتها احترام إرادة أغلبية الشعب، واحترام قرارات البرلمان إن كانت بحق تريد الحفاظ على الدولة ومؤسساتها ومبادئها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل