العنوان برنامج ريغان في المنطقة العربية «١» الوجه المغربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1983
مشاهدات 62
نشر في العدد 639
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 04-أكتوبر-1983
• هل تستغني أمريكا عن النظر بالعيون الإسرائيلية؟
• أمريكا وإسرائيل: فراق غير منتظر
• زيارة بوش الأخيرة للمغرب العربي... ما وراءها؟
• علاقات الثوريين بالإمبرياليين ومحاولة للفهم!
• هل تنتقل أمريكا من التغرير بالأفراد إلى الجموع؟
• هل تسير ليبيا على خطى جاراتها؟
لا يحتاج الرئيس ريغان إلى مزيد تعريف بعد أن يقال: إنه أمريكي! ذلك أن هذه الصفة بالنسبة للموجودين في منطقتنا العربية الإسلامية تعني وبالضرورة النظرات الاستعلائية ومعاني الصلف والاستبداد الزائد والتمادي في الاستغلال والاستنزاف لموارد المنطقة، وترسيخ العجز في أوساطها، بحيث لا تستطيع حراكًا أو إشارة إلا بعد استئذان من هناك.
هذه المعاني والمدارك تطرأ على الذهن بمجرد الذكر لأمريكا واستحضار صور رؤسائها المتعاقبين. ومن هنا فإن ذكر رئيس أمريكي يعني هذه الصفات والمعاني دائمًا، نعم قد تختلف درجات الطغيان وتتفاوت، وقد يحدث الاختلاف في بعض التفاصيل، ولكن تبقى السمات العامة والتقاسيم المعلومة صفات مشتركة بين جمهور المتعاقبين على سدة الرئاسة الأمريكية.
وريغان!
على أن الذي يميز ريغان عن هؤلاء أنه سافر الوجه، واضح المقاصد والأفعال، لا يرهق العقول المحللة والأنظار المراقبة بحركات مراوغة أو دبلوماسيات تخفي رءوس الخطط والمؤامرات وتسترها بهذا الدثار أو ذاك؛ بل على العكس تمامًا يبالغ الرجل في وضوحه حتى ليشكو البعض من افتقاره إلى أصول اللياقة والدبلوماسية التقليدية التي يتم تلقينها من جانب المختصين لهذا الرئيس أو ذاك.
وهذه ولا شك «حسنة» محمودة على كل حال تغنينا عن الإجهاد وتقليب النظر الكثير في السطور والكلمات مئولين، أو مفسرين، أو رابطين بين مجموع نقاط، فكلمات الرجل واضحة بينة فيما يتصل بخطته فى المنطقة، والعيون الصهيونية التي يستخدمها في نظرته إلى بلادنا وإلى مصالح أمريكا فيها، والتي تعني بالمفهوم الأمريكي مصالح إسرائيل، أمر لا يقبل جدالًا ولا نقاشًا لديه.
والتفرقات المطلقة عن إسرائيل التي تفصلها آلاف الأميال جغرافيًّا عن أمريكا، هي تفرقة قائمة في أذهاننا فقط؛ فلا الإسرائيليون ولا الأمريكيون تقوم في أذهانهم هذه «الأسطورة» المعشعشة في عقولنا، والتي يظن البعض أن في الإمكان البناء عليها وإقناع «الحليف» الأمريكي بها. بل لعلها لا تخطر على ذهن الساسة الأمريكان على الأقل، وإن خطرت ففي حدود ضيقة جدًّا سرعان ما يمحو أثرها برهان التفوق الذي يملكه الحليف الإسرائيلي دائمًا ولا يحتاج لإبرازه إلا قليلًا.
هذا فضلًا عن الأصول العقدية المشتركة بين جمهرة النصارى واليهود بالانتماء إلى عهد قديم وجديد يعتبران أصلًا وامتدادًا لبعضهما. ولعل «المتدينين» من النصارى يرون في اليهود نوعًا من الأبوة والسمو الروحي والمصدرية الأولى التي يصدر عنها. وحتى إن أعرض الأمريكان أو غيرهم عن الدين والتدين فقد أخذت هذه المفاهيم طريقها متغلغلة في البناء الفكري والثقافي لعموم المنتمين إلى النصرانية، وساهمت من ثم في تكوين الذهنية الأمريكية بوجه أخص، وصبغت منازعها النفسية بصبغة لا تكاد تتحول أو تزول.
فلا غرابة إذن أن يقرأ ريغان وغيره من الأمريكان مصالحهم في المنطقة، مستعينين بنظارات ووسائل إيضاح صهيونية. وقد بدا ذلك عند ريغان من خلال اختياره لمساعديه ومستشاريه، ولو اكتفينا مثلًا بألكسندر هيغ وزير خارجيته الأسبق، واستحضرنا تصريحاته العلنية التي كان يذيعها على الملأ، ومبالغاته في إظهار ولائه لإسرائيل واستحقاره للعرب، لوضحت الصورة تمامًا، حتى لقد كان بعض الصهاينة يلومه على سفوره الزائد الذي قد يضر أكثر مما ينفع، ولعل ذلك كان سببًا أساسيًّا في استبداله. والصهاينة يريدون ولاء منضبطًا على كل حال، وليس «مبهولًا» كذلك الذي كان يمارسه هيغ.
منافعهم
نقول هذا ونذكر به لو ينفع حتى نقتنع بأنه لا سبيل للأمريكان أن ينظروا إلى مصالحهم في منطقتنا مستغنين عن هذه العيون الإسرائيلية، بل نكاد نقول: إنهم يفقدون القدرة على الإبصار تمامًا حينما تغيب عنهم هذه العيون! ذلك أنها هي الأكثر دقة في تجديد مواضع الضعف التي نسميها «مصالح» في منطقتنا. وهي الأدرى والأخبر بالمواقع الموجعة والمقاتل التي يحسن نحوها التصويب. ومن ثم فإن تصور الاستغناء عن إسرائيل بالنسبة لأمريكا ضرب من الأماني التي تبالغ في الوهم والخيال.
ما نحن بصدده اليوم
وندرج الآن نحو موضوعنا الذي أردنا طرحه وتبيينه وهو متصل بخطة ريغان في المنطقة العربية ووسائل تحقيقها. أما خطة الرجل فيمكن تلخيصها في التمكين الدائم المطمئن لإسرائيل، والمحافظة على حالة تفوقها ودفعها إلى الأمام بحيث تكون المسافة الفاصلة بينها وبين المجموعة العربية في العالم الإسلامي مسافة محفوظة، إن لم تكن متسعة بتوالي الأيام.
والوسائل
وأما الوسائل فهي القوة ولا شيء سواه. وللقوة الأمريكية وجه معروف واضح متمثل في ترسانة أسلحتها العائمة والثابتة وقراراتها العسكرية المنتظرة، وأما وجهها الآخر فهو الأسلوب الدبلوماسي والسياسي، وهو غير مفصول عن السابق، ولكنه هو السلاح الأول الذي يستخدم دائمًا، فإذا دعت الحاجة أتى بأخيه المتقدم الذكر.
وقد تتواكب الوسيلتان في وقت معًا بحيث تتكامل مهامهما وتتكافل في أداء الدور المطلوب وتحقيق الغرض المبتغى. وبودنا أن نركز على إيضاح هذه المسألة من خلال التذكير بدور القوات الأمريكية في لبنان الآن مثلًا. وإذ لا تعوز القارئ المتابعة لهذه المسألة وأمثالها فلنلقي النظر على الجانب الآخر الذي قد يمل الإنسان من تتبعه أو يغفل عنه بدرجة ما؛ وهو الدور الدبلوماسي، ونستعين في إيضاحه بزيارة نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى الشمال الإفريقي أو المغرب العربي في الأسابيع القليلة الماضية.
معالم الزيارة
علاقات أمريكا بالمغرب العربي كانت مركزة أساسًا في المغرب وتونس، أما ليبيا فالظاهر أن هناك عداء معها يصعده ريغان -الممثل سابقًا- إلى درجة وصف القذافي بأنه أخطر رجل في العالم. ثم هناك الجزائر التي تسجل علاقات اقتصادية جيدة مع أمريكا مع اختلاف في السياسة وتوجيهاتها، وتبقى موريتانيا التي تأتي في درجة تالية في الأهمية، ولكنها أهمية معتبرة على كل حال.
أهم المعالم
ولعل أهم محطة توقف فيها نائب الرئيس الأمريكي هي الجزائر؛ ذلك أن الوجهة السياسية لهذا البلد تبدو متناقضة مع الخطة والوجهة الأمريكية، أو هذا هو الظاهر... ولكن يبدو أن الدبلوماسية الأمريكية لا تيأس بمجرد رؤية الشعار الاشتراكي حتى تخبره وتحيط بما لديه.
ولقد جربت الدبلوماسية الأمريكية الجزائر في إبان أزمة الرهائن الأمريكان الذين احتجزتهم إیران، وتشهد أمريكا أن دور الجزائر كان أساسيًّا وفعالًا في حل تلك الأزمة، ولولاه لما تم ذلك الأمر.
وقد كانت تلك المبادرة الجزائرية أمرًا استرعى أذهان المراقبين، فكيف تتوسط دولة عدوة أولى للإمبريالية الأمريكية من أجلها؟ وكيف تبذل جهدها وتوفره لهذا الأمر الذي عجز عن إتيانه أقرب الحلفاء وأقوى الأصدقاء؟
ومع المسوغات الإنسانية التي سيقت في تبرير المبادرة الجزائرية، والتي تعلو على المسوغات المبدئية والعقدية، أو قد تفهم تلك الأمور من خلالها، فقد ظلت الحيرة طابعة لأذهان الناس عن مغزى هذا الالتقاء. في وقت لم تتغير فيه معالم السياسة الأمريكية في المنطقة، بل كان ذلك يتم بعيد كامب ديفيد وذيولها. على كل ومنذ ذلك الحين أخذ المراقبون يحصون في أمارات الانفراج وعلامات التحسن الطارئ على العلاقات بين أمريكا والجزائر، ولكن الزيارة الأخيرة كانت معلمًا بارزًا من هذه المعالم.
كيف؟
قيل: إنه ومنذ عشرين عامًا لم يزر مسئول أمريكي على هذه الدرجة من الأهمية العاصمة الجزائرية. كما وأن توقيت هذه الزيارة أتى في وقت حرج ومنعطف هام وخطير تمر به المنطقة العربية جمعاء. فقد سبقت الزيارة مناورات النجم الساطع في مصر والسودان وعمان والصومال، ووافقت فراغ ماكفرلين من جولته أو مهمته، واستقدام المزيد من القوات الأمريكية للمنطقة، وتدخل أمريكا المباشر في ضرب لبنان انتصارًا للقوى المارونية على المسلمين هناك.
ثم إن ذيول أزمة انخفاض أسعار الزيت وما يرتبط به من غاز تترافق أيضًا وهذا الميعاد، ولذلك معنى آخر ومدلول جديد، فلا شك أن الوضعية الاقتصادية الثابتة تساعد على المواقف المتينة والعكس صحيح إلى حد ما. وهذا المقتل ليس غائبًا عن فطنة الأمريكان لا سيما وهم من أهم الزبائن للغاز الجزائري، وارتباط التنمية الاقتصادية بهم أمر مشاهد ومعلوم في ذلك القطر.
ولا شك أن هذا المجموع من العوامل يحشد محله في صعيد واحد «حساب استغلاله» من أجل تحقيق الخطة الأمريكية في المنطقة وما يتصل بالجانب الجزائري منها.
نغمة تقليدية
ولفت الأنظار في خطاب بوش في الجزائر تلك المقارنة التي ساقها بين حرب الاستقلال الجزائرية وحرب الاستقلال الأمريكية، ومحاولة استخراجه لأوجه التشابه بينهما، وكيف أنهما يعبران عن تجربة واحدة وما إليه. وبالطبع هذه صورة من محاولات الاستغفال والتخدير التي تمارسها الدبلوماسية الأمريكية للتذكير بتاريخ صارف عن حاضر مريع. محاولة تثبيت صورة معاناة تاريخية مشتركة الملامح تلهي عن حقيقة كبرى مبددة لكل هذه الخرافات. ولكنه الأمريكي، ويكفي أن نقول ذلك!
تنبيه!
وجدير بالتنويه أن أسلوب التمجيد وتعلية المقام أسلوب مارسته السياسة الأمريكية مع السادات وأفلحت في الإفادة منه أيما فائدة. وعن طریقه ساقته إلى الدهليز الذي أرادت حتى صار أمريكيًّا لا يدركه الأمريكان أنفسهم. ولئن أجدى ذلك في صورة فردية وحقق مقاصده فلا بأس من استخدامه في شكل آخر يتلقى عواطف المجموع، فلعله يغرس ولاء جماعيًّا للعدو الأمريكي. وقد يبدو هذا القول مبالغًا فيه؛ ولكنه أسلوب يستحق التنبيه إليه على كل حال.
ماذا بعد هذا؟
لا شك أن في هذه النقلات التي شهدتها وتشهدها العلاقات الأمريكية الجزائرية ليست بالأمر السهل، ولا هي بذات المدلول الهين اليسير؛ إذ إن أمر المغرب وتونس في متانة علاقتهما مع أمريكا شيء مدرك ومشهور، واستغلال ظرفهما الاقتصادي كذلك ومساومتهما عليه ليس بالغرض المستبعد، وانتماؤهما ووجهتهما لا تجعلنا ندهش لمتانة علاقتهما مع أمريكا.
ولكن الأمر مختلف تمامًا بالنسبة للجزائر؛ فإضافة إلى وجهتها المباينة للمغرب وتونس تشكل الجزائر ضلعًا هامًّا من أضلاع جبهة الصمود والتصدي، والتي تشملها مع ليبيا وسوريا بصورة خاصة، وما زالت علاقتها بسوريا على وجه التحديد في أوج متانتها وقوتها. فإذا استطاعت أمريكا سوق الجزائر إلى جبهتها أو حتى ضمان تحييدها ولو بدرجة ما، فإن ذلك يعتبر نصرًا كبيرًا للخطة الأمريكية في المنطقة بتدجين الجزء الأكبر من المغرب العربي.
وتبقى ليبيا التي لا يعسر عزلها إن شدت على أن دلائل الأحوال تنبئ بأن ليبيا في طريقها إلى الإقلاع عن المعاداة العملية لأمريكا إن لم تكن هي فعلًا كذلك! ولو أغضينا عن الفرقعات الإعلامية بينها وبين أمريكا ونظرنا في هدوء تبين لنا ذلك غاية البيان.
دليل واضح
وقد شهدت الأيام الماضية بعثًا لشعار وحدة المغرب وتوطيد العلائق بين شعوبه وما إليه من أمثال هذه الكلمات، وقد كان أمرًا مستبعدًا غاية الاستبعاد أن يجلس القذافي مع الحسن الثاني في مائدة واحدة، وأن يتبادلا الأحاديث الودية والتصريحات التي تلهج بالتقارب وتناسي العداء.
وإن الذي لا يساعدنا على تبين ملامح الأحداث هو عزلها عن ظرفها وسياقها الحاكم، فلو تم هذا التقارب -مثلًا- بين ليبيا والمغرب في غير هذا الوقت لكان أمرًا عاديًّا ومفهومًا. أما أن يبادر عدو أمريكا الأول -القذافي «على ذمة ريغان»- بمد اليد البيضاء إلى المغرب الذي يجسد -بمقاييسه- أكبر درجات الولاء لأمريكا ومدخلًا لكل خططها في المنطقة العربية، أن يقدم القذافي على التقارب في هذا الوقت شيء محير للأذهان ويحتاج إلى تفسير وشرح طويل، وإلا فإنه سواء درى الناس أو تغابوا فإن هذه الجهود «التقاربية» أو «الوحدوية» وفي هذا الوقت بالتحديد تصب في مجرى المصلحة الأمريكية، وهذا مما لا يحتاج لتقرير!
لماذا المغرب العربي؟
لقد تركزت الجهود الأمريكية في الفترة الأخيرة في المغرب العربي، وشهدت اهتمامًا متزايدًا من جانبها، وعبرت عن كثير من خططه الأخيرة عبره؛ فمذكرات حسن التهامي تقول مثلًا: إن الخطوات الأولى للقاء العربي الإسرائيلي تمت هناك، والمقاتلون الفلسطينيون ينفون إلى هناك، والجامعة العربية تنقل إلى هناك، وغير هذا من الأمور الهامة.
إننا إذا جزأنا الأحداث وفصلناها عن بعضها لا تبدو لنا أمرًا غريبًا، ولكن الجمع بين الأشياء هو الذي يلفت النظر، فلو تمت واحدة من المسائل التي أسلفنا ذكرها لما تطرقنا له بذكر ولصنفناه تصنيفًا عاديًّا دون إضفاء شيء عليه. ولكن أليس محيرًا فعلًا أن تحشد كل هذه الأمور والأحداث في المغرب العربي وفي هذا الظرف الهام ثم لا يلفت ذلك انتباهنا ولا يبعثنا على التأمل والتفكير.
فهل أدرك العدو الأمريكي بأنه أثقل كثيرًا على حلفائه المشارقة ولفت الأنظار كثيرًا بما حمله لها فآثر أن ينقل جزءًا من ذلك إلى المغرب العربي؟ أم أنه يستثمر البعد والانقطاع النسبي بين مشرق العالم العربي ومغربه بتمرير خططه المركزة في المشرق عبر البوابة المغربية؟ سؤال ستفصح الأيام عن حقيقة إجابته، وإن وضحت معالمها الآن؛ ولكن ترداده مهم، وتذكره أهم!