العنوان برنامج ريغان في المنطقة العربية (2) «الوجه المشرقي»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
مشاهدات 57
نشر في العدد 640
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 11-أكتوبر-1983
الخطة الريغانية تقضي حشد الثوريين والاشتراكيين وذوي الميول الغربية في صعيد واحد!
أشرنا في الحلقة السابقة إلى الوجه المغربي من خطة ريغان في المنطقة العربية. وخلصنا إلى أن ظواهر الأمور تنبئ أن هناك طورًا من المهادنة -على الأقل تتطلبها شروط نجاح هذه الخطة. وأن هذا الطور يطوي تحت جناحه الثوريين والاشتراكيين والمتسمين بأسمائهما مثلما يضم المعروفين من ذوي الميول والولاءات الغربية.
وأن سياق الحديث يلزم بعكس الوجه الآخر من الصورة أي المشرق. وحديثنا منصب عليه هذه المرة.
أوجه التشابه المشتركة:
مثلما اقتضت ظروف الإخراج للخطة الريغانية مثول وجوه متناقضة في ظاهرها متحدة في الوجهة والغاية والسبيل المحقق للمقاصد الأمريكية، فإن الحال في المشرق العربي لا يختلف كثيرًا، بل لعل الحق يقضي أن نقول: إن ذلك الوجه المغربي الذي سقناه فيما مضى ما هو إلا تطبيق مكرور للمثال المشرقي الأول.
وبتصفح عابر للوجوه الماثلة على الساحة المشرقية نجد أنها لا تختلف كثيرًا عن مثيلتها في مغرب العالم العربي، فالولايات المتحدة الأمريكية المعروفة تتهادى تحيات الود وعبارات الوفاق مع مناقضاتها الثورية الاشتراكية.
وآخر الأمثلة الموضحة للصورة والمبينة لتفاصيلها الاتفاق الأخير بين دولتين من هذا المشرق إحداهما مغرقة في اشتراكيتها أو شيوعيتها وولائها للمعسكر الشرقي بالدرجة التي جعلتها تشارك بوحدات منها في مؤازرة السوفييت في غزوهم لأفغانستان!
والأخرى كان أحد وجوهها البارزة والمتصدرة يتحدث ها هنا في الكويت قبل أسابيع معدودة محاولًا إقناع من لا يقتنع بحتمية الاستسلام للسيادة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة وعدم جدوى أي مقاومة أو جهد يبذل لتغيير هذا الواقع.
هاتان الدولتان هما اليمن الديمقراطية وسلطنة عمان، جلستا أخيرًا إلى مائدة مشتركة للمفاوضات التي انتهت بهما إلى إعلان اتفاقهما وتسويتهما لخلافاتهما السابقة والتي لم تكن مقصورة على وجهات النظر فقط، بل وصلت حد حمل السلاح والسعي لتقويض أركان النظام.
مرة ثانية:
ونذكر بما أسلفناه في المرة السابقة من أن العبرة ليست بوجود توافق وإنهاء خلاف، فلسنا في حاجة لأن نقول إن هذا هو الأصل الواجب الاتباع.
وما عداه هو الطارئ المنقلب في حق دول هذا العالم الذي خلق الإسلام أغلب أجزائه وصنف بالعروبة أخيرًا. كلا ليست الغرابة أو الاستنكار لوضع مسودات الاتفاق في ذاتها وإنما لظرفها وتوقيتها، وبين نقائض من الأنظمة والأفكار والرجال.
فلماذا تخلت اليمن الديمقراطي عن عدائها «الثوري» لعمان وفي هذا الوقت بالذات؟ كيف أمنت عمان بتخلي خصمها عن عدائه التليد لها؟ استفسار حائر لا سبيل إلى الجواب القاطع عنه، ولكن أقل ما يقضي به المنطق أن نقول: إنه كحدث غير مفصول عن الطور الذي تمر به المنطقة العربية في هذا الوقت، وأنه ذو صلة ما بمجريات ما يتم من خطة المستسأسد الحالي بمصير المنطقة الولايات المتحدة الأمريكية؟
وأمر لبنان:
ولا نناقش هنا تفاصيل ما يجري فيه، وإنما عموميات ما هو متصل به مما يجري من نفاذ خطة ريغان التي لا يكاد الرأي يبصر عائقًا أمامها:
وبعيدًا عن الخوض فيما ينتظر لبنان من أمر تقسيم يكاد يجد سبيله الآن إلى التنفيذ والمثول، فإن الحدث اللبناني قد وظف عمليًا في صرف الأبصار عن القضية الأساسية قضية الفلسطينيين. فطغيان الأحداث المتصلة به جعلته محورًا أولًا للمساعي والجهود، ولو كان «أولًا» فقط لهان الخطب نوعًا ما ولكنا نرى «أوحدية» بجوار هذه الأولوية، فقد سبقت الأحداث ووظفت بطريقة جعلته الهم الشاغل الوحيد لكل جهود المنطقة ورجالاتها. وأوحى بطريقة أو أخرى أن كل أمر عداه هو أمر ثانوي غير معتبر، وقليلًا قليلًا تتقلص القضية والهم الفلسطيني من وجدان الناس، بينما يمضي المخطط الاستيطاني الاستئصالي الإسرائيلي تجاه إخوتنا الفلسطينيين في الأرض المحتلة دون أن يعني الرأي العام العربي ولو بالذكر والتنويه الواجب بذلك، فكأن مصيبة لبنان لم تحصر في إطار دفع المنطقة كلها للبلقنة والتقسيم، بل تؤدي غرضًا واسعًا لا يقل عن ذلك الغرض الأول وهو الانشغال والتلهي عن استئصال الكيان الفلسطيني، ذلك الواقع بين براثن العدو اليهودي في الضفة وإسرائيل دون أن يشعر أحد بذلك أو ينتبه إليه إلا بعد إتمامه وإكماله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ذيول تذكر:
وإن كانت معلومة لدى القارئ الفاضل فإن ذكرها في هذا المقام مما يعني على توضيح معالم الخطة الريغانية في المنطقة. وهو التصفية للوجود الفلسطيني الفعلي من خلال إجلائه عن لبنان ووضعه في تونس كملك متوج، ولكنه ليس له من الملك نصيب إلا الاسم.
وجدير بنا في هذا المقام أن نذكر فقرة من مقال لصحفي شهير يبين فيه بوضوح يشكر عليه مغزى وضع منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك المكان مسعفًا لنا بالتفسير فيما نجهد أنفسنا فيه ونحن نقوله على حياء وتردد. ولكي يبدو أن «الوضوح» الأمريكي قد انتقل إلى أحد الصحفيين العرب!!
يقول فؤاد مطر صاحب «التضامن» في عددها الخامس والعشرين معلقًا على زيارة بوش للمغرب العربي وما كان ينبغي إنجازه فيها: «إن زيارة بوش إلى تونس كانت فرصة جيدة للقاء الذي تأجل لأسباب موضوعية عندما كان مقر القيادة الفلسطينية في منطقة المشرق، وعندما كانت المقاومة الفلسطينية في أوج قوتها. لكن الأسباب لم تعد موضوعية بعدما بات مقر هذه القيادة في قوتها في منطقة المغرب وبالذات في تونس التي ينادي رئيسها بالحلول الواقعية -حلو كما يقول إخوتنا الشوام- ويستمر فؤاد مطر: «لقاء بين بوش والسيد ياسر عرفات وبرعاية الرئيس بورقيبة».
ونعتذر عن وضع هذه السطور والقادمة منها خصوصًا -لا لأنها عوراء ودميمة فقط ومتمادية في التخريف والتهريج الذي يقول «بالعرب الأمريكان» إلى هذه الدرجات الدنيئة، ولكن لأنها تبالغ في الاستخفاف بالعقول التي تخاطبها وتضعها في درجة تكون البلاهة معها شرفًا عظيمًا:
فاللقاء الذي يريده فؤاد مطر من أجل ماذا!؟ «لقاء يشكر فيه عرفات نائب الرئيس الأمريكي- علامَ؟؟ -على عملية ترحيل المقاومة الفلسطينية من لبنان بإشراف الولايات المتحدة. ومن خلال الشكر يبدأ وضع الأزمة على طريق الحل! وسواء طال الوقت الذي سيتم فيه هذا اللقاء أم قصر فإنه لا حل غيره» هكذا يجزم فؤاد مطر وهو أعلم بما قال: حاشية فؤاد مطر كان نصيرًا للشيوعية وإلى عهد قريب هذا إن لم يكن شيوعيًا حقًا!!
إذًا، ومن خلال وضوح فؤاد مطر الذي وفر علينا جهودًا كثيرة نستطيع أن نستوعب ما تم في المقاومة الفلسطينية وما يتم في حقها الآن بأبنائها وغير أبنائها من صور تفتيت وتذرية وتمزيق، ولا حاجة بنا للتكرار بأن مقتضيات الخطة أو المشروع الأمريكي المتين لدى ريغان، تقتضي هذه الممارسات والوسائل. ويتبرع أبناء الأمريكان في المنطقة من أمثال فؤاد مطر بتحويل الفجيعة فجيعة الإجلاء والإفناء للمقاومة إلى نعمة عظيمة أبطأ ياسر عرفات في شكرها حتى الآن:
وعودة مصر:
ولعل هذا الشعار الذي يزايد على رفعه الآن كثير من الأنظمة والصحف وتروج له كثير من الأقلام هو أكبر أضلاع الخطة الأمريكية في المنطقة.
ولا يعني ذلك جدوى المقاطعة العربية بحال، فالجميع على دراية تامة «بفعالية» هذه المقاطعة ولكن الأمر المقصود من وراء هذه الدعاية هو رفع الحرج عن مصر فيما ارتكبته من جرم في حق نفسها قبل حق أمتها بمصالحتها لعدو لن يتخلى عن عدائه ومهما سولت الأوهام والظنون لساسة العرب ومدعي الفكر منهم.
وحينما يتم رفع الحرج والشعور بالألم في مصر فقد عنى ذلك تلقائيًا ترويج النموذج المصري في التعامل مع إسرائيل ومن ثم تسويده أو إقراره على أقل تقدير.
ومن عجب ولا عجب -أن الثوريين أيضًا يتصدرون موكب العودة هذا مع الشقيقة مصر!! بل تتجاوز المسألة أطوارها بعض الأحيان فيهدى حسني مبارك بعض النصح إلى حافظ الأسد حاضًا على الاستجابة السريعة للمطالب الأمريكية!! دون أن يثير ذلك اشمئزاز رجل «دولة الصمود والتصدي» الأولى، مع أن نصائح مبارك تذاع وتنقل عبر المسموع والمقروء والمنظور!
ويوحي تصرف حسني مبارك هذا وردود الفعل عليه من المعنيين به، وكأن الرجل قد سلم بأمر عودة العلاقات مع بلده متجاوزًا ذلك إلى أمر أكبر هو تسويد مثاله وتعميمه في أوساط المعنيين به، وإن كانت مجريات الأحداث تنبئ بتحقق هذا بسعي «مبارك» له أو بدونه!
وبعد:
فليس في الإمكان الاستيعاب الكامل لتفاصيل الخطة الأمريكية في المنطقة ولا الإحاطة بكل أبعادها، لا سيما وأننا نستعين في التفسير والتحليل بالأمور الظاهرة دون الباطنة والتي هي أخطر وأشد. ولكن الظاهر وحده كاف في الدلالة عما نريد قوله، وهو أن هناك نوعًا من الإقرار بل الحماس والتأييد في بعض الأوساط لنفاذ وسيادة المخطط الريغاني على المنطقة -وهمنا وهم النظارة الآن:
ترى متى يسدل الستار؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل