; برامج تحسين الجودة هل يمكن تطبيقها على العمل الإسلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان برامج تحسين الجودة هل يمكن تطبيقها على العمل الإسلامي؟

الكاتب د. عبد الله صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998

مشاهدات 80

نشر في العدد 1283

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 06-يناير-1998

* الميزان الإسلامي يأخذ بمعايير الجودة في تقييم الناس.. والمحاسبة والتقييم منهج قرآني.

* مبدأ التقييم والنقد الذاتي يختلف بين الحركات الإسلامية تأثرًا بالجو العام والظروف المحيطة.

تعتبر الإدارة وعلومها وفنونها من الأمور التي تقدم فيها الغرب وقطع أشواطًا بعيدة لا تقل عن تقدمه في التكنولوجيا والصناعات الحديثة، وكثير من الباحثين يعتبرون أن الإدارة هي الأساس.

وفي الوقت نفسه فإن تخلف العالم العربي والإسلامي والثالث عامة لا يقتصر على جانب التكنولوجيا بل هو في الأساس تخلف إداري بمفهوم الإدارة الواسع.

ومن الأمور التي حصل فيها إبداع وتطوير جانب التقييم والجودة بحيث أصبح هذا تخصصًا ومن أهم المميزات التي تميز أي مؤسسة مدى التزامها بمعايير الجودة وتطبيقها لبرامج تحديد النوعية، ومن التطور المهم في هذا الجانب قياس الجودة وتطبيق معايير محددة بدل الكلمات العامة مثل جيد أو سيئ.

فلماذا لا يتم تبني مثل هذا الأمر في العمل الإسلامي عامة والحركة الإسلامية خاصة؟

هذا الفن ليس جديدًا على المنهج الإسلامي

إن منهج المحاسبة والتقييم منهج قرآني وأدب نبوي فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قال في الحديث الذي يحفظه معظم الناس ولكن للأسف لا يطبقه إلا قليل منهم «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» والإتقان من غير أي تعسف ولا تكلف مرتبط بالجودة والنوعية وقد قال الله سبحانه وتعالى في الكتاب ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ (الأنعام: 154) ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (الأعراف: 145) ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: 154) والمنهج الإسلامي بشكل عام يركز على النوع لا على الكم خاصة في العمل وكذلك في الأفراد، فالعمل المنبعث من الإخلاص والإيمان أفضل من عمل كثير ولكن قليل الإخلاص «أحب العمل أدومه وإن قل أو ما داوم عليه صاحبه».

والميزان الإسلامي يأخذ بمعايير الجودة في تقييم الناس، فالتقوى وطهارة القلوب ونفع الناس للناس، إلى غير ذلك، هي المعايير المعتبرة عند الله، والسلوك والخلق وحسن المعاملة هي المعتبرة عند الناس ولا نستطيع أن نغطي هذا الجانب في هذه المقالة ولكن يستطيع الباحث أن يجد كمًّا هائلًا من الأحاديث والآيات ومن نصوص السيرة التي تدعم وجود هذا المنهج في التربية الإسلامية.

ومنهج القرآن في موضوع المحاسبة والنقد الذاتي أو التقييم منهج واضح وأصيل فجزء غير قليل في سورة آل عمران يقيم تجربة «أحد» ويناقش الأحداث والأخطاء ويخلص إلى النتائج ويقيم المواقف.

وحتى فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو المعصوم وأكمل الخلق تناوله القرآن في مواضع مثل ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (التوبة: 43) ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (عبس: 1 – 2).

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: 113).

ومبدأ المحاسبة والتقييم أيضًا كان سلوكًا عامًا في المجتمع الإسلامي يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفي منكم خافية».

ومواقف عمر مع المرأة ومع البرد اليمانية ومع سلمان، كثيرة لا يتسع المجال لذكرها وحتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلًا وأحكمهم قيادة لم يرفض فكرة التقييم «في غير الوحي» عندما يكون الاجتهاد بشريًا بل أخذها في بدر عند اختيار الموقع وفي رأي أم سلمة في الحديبية وغير ذلك مما تزخر به السيرة العطرة.

وماذا عن العمل الإسلامي؟

إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا وإخواننا، وإذا أردنا أن نبدأ ببرامج النوعية فلابد من الصراحة حيث إن أهم مقومات برامج الجودة والنوعية انتفاء المجاملة ووضع الأمور في نصابها والصدق مع النفس فنقول إن موضوع التقييم في العمل الإسلامي إما أن يكون بدائيًا أو غير موجود بشكل علمي إداري مؤسس «وأقصد بالبدائية البساطة والعفوية غير المبرمجة» وقبل الحديث عن هذا الموضوع لا بد من ذكر أمور متعلقة بالتقييم في الحركة:

إن انعكاس البيئة على أبنائها سنة من سنن المجتمعات، ولهذا رغم النقلات النوعية عند الحركة الإسلامية ورغم تفوق الحركة على صفة المجتمع العامة في جوانب كثيرة إلا أن الحركة وأبناءها بقوًا تحت تأثير المنحي العام والصفات الموروثة من ذلك المجتمع وكذلك انعكاس الحالة السياسية السائدة.

ومن هذا المنطلق فإن عنصر التقييم والنقد الذاتي يختلف بين الحركات الإسلامية تأثرًا بالجو العام والظروف المحيطة والعوامل المتداخلة من أمنية وسياسية واجتماعية، ونلاحظ أن موضوع التقييم والنقد يجد معارضة من بعض أبناء الحركة الإسلامية، وهناك حساسية خاصة من النقد عند بعض الحركات ومرت فترة كانوا يعتبرون الناقد ضعيف الولاء، أو ضعيف الانتماء والقناعة مشوشًا ولا يقبلون النقد من خارج الصف مطلقًا.

وهناك بعض الأمور لا بدّ من توضيحها حتى نستطيع أن نقول هل يمكن أن تتبنى الحركة الإسلامية برامج التحسين والجودة النوعية:

1- التفريق بين الدين الذي هو وحي لا يعتريه النقص ولا يحتاج إلى تطوير أو تحسين بل هو الكمال من ذي الجلال فاطر السموات والأرض وبين الحركة الإسلامية كتنظيم أو هيئة تعمل لأجل الدين، الخلط بين الاثنين هو المشكلة وقد كانت التربية في الحركات الإسلامية توحي أحيانًا مباشرة وأحيانًا إيماءً بالربط بين الاثنين، وكان الشباب حين يختلط عليه أمر من أمور الحركة «إداريًا، أو تنظيميًا» يبدأ الصراع في نفسه وكأنه شك في الدين أو ضعف في اليقين وبعض أبناء الحركة كانوا يستعملون العبارات غير المناسبة بحق من يضعف انتماؤه للحركة أو يعترض على مواقفها فيتهمونه بالسقوط والضعف إلى غير ذلك من العبارات التي لا يجوز استعمالها إذا كان الأمر متعلقًا بخلاف في الرأي أو القناعات.

2- هناك خلط بين التعامل الفردي الذي ينبغي أن يغلب عليه التسامح والعفو وبين الأمور العامة التي يجب أن يكون الأصل فيها المحاسبة والتدقيق.

3- هناك خلط آخر بين الاحترام والتقدير وإنزال الناس منازلهم ومعرفة سابقتهم وبين كون هذا الإنسان في موقع مسؤول ويقوم على رأس عمل يهم المجموع فهنا لا ينبغي مطلقًا أن تحول العوامل السابقة دون مساءلته ومحاسبته وتقييم عمله وتطبيق معايير الجودة على عمله أو إنتاجه.

4- لا ينبغي أن يكون هناك تقديس لغير الله فالأشخاص بشر من البشر والأسماء والأشكال والترتيبات والهيكليات والأهداف والوسائل.. إلخ كلها من وضع البشر لخدمة الدين فإذا رأى أهل الشورى أن مصلحة الدين في تطويرها وتعديلها فينبغي أن يصبح هو الرأي لا أن يتمسك بالقوالب والأسماء.

ماذا نقصد بالتقييم وتحسين الجودة

هذا الموضوع من المواضيع التخصصية بالإدارة، ولهذا لا أظن أنني أستطيع أن أغطيه في هذه المقالة ولكن لا بأس من توضيح بعض الخطوط العامة حتى يتسنى فهم الموضوع والبدء بدراسته بشكل علمي وتطبيقي وأظن أن العمل الإسلامي يزخر بأبنائه الذين يعرفون هذا الفن والذين يملكون القدرة على برمجته وتطبيقه.

إن تبني نظام الجودة يحقق المزايا التالية:

1- تحقيق التوقعات المرجوة.

2- زيادة الكفاءة والتحسن الملحوظ.

3- اكتساب التقدير والقناعة لدى العاملين والناس وزيادة الانتماء لدى العاملين.

4- خفض التبرم والشكاوى من قبل الأفراد وزيادة المعنويات.

5- توفير النظم الموثقة التي يمكن الرجوع إليها لتحديد وتنمية قدرات القطاعات والأقسام للاستجابة الفعالة للمتغيرات.

6- تحسين قنوات الاتصال.

7- المراجعة الدورية للنظام.

8- تحسين الإجراءات والإقلال من البيروقراطية.

9- تحقيق التناغم بين الأقسام.

10- التحرر من احتكار الأفراد بحيث يصبح النظام موثقًا لضمان الأداء في حالة التغيب أو ترك العمل من قبل الأفراد أو بشكل آخر القدرة المتناهية في الانضباط الداخلي للمؤسسة وتحررها من سلطة الفرد إلى هيئة النظام.

أسس التقييم

ينبغي أن نجيب عن هذه الأسئلة:

1- ماذا نعمل؟

2- ماذا يجب أن نكون؟

3- هل نظن أننا نعمل ما يجب أن نعمل؟

4- ما نتائج ما نعمل؟

5- كيف يمكن أن نحسن أو نطور هذه النتائج؟

6- نسأل أنفسنا هل تطورنا وتحسنا؟

التقييم وضبط النوعية وتطويرها يشمل عدة جوانب ولكن من أفضل النظريات المعمول بها نظرية «DONOBEDIAN» والتي تقيم أو تركز على العناصر الثلاثة التالية «الأمثلة المذكورة بما يخص الحركة»:

1- البناء والتكوين ويقصد به كل ما يمت للبناء وما يقاس عليه من تنظيم، وهيكلة، وأفراد، وإمكانات، انضباط، كفاءات، وطاقات بشرية أو مادية في الحركة أو المؤسسة.

2- العمليات والإجراءات ويقصد به كيفية الاستفادة من الإمكانات وتسخير الطاقات وضبط العمليات وتحسين الممارسات وكفاءة ومناسبة الطريقة وفعاليتها ومشاكل العمل ووسائل الاتصال وفعاليتها وباختصار كل ما يتعلق بالعمل وخططه وتطبيقه ومشاكله ونتائجه.

3- النتائج: وهي صنفان: إفرازات، ونتائج مرجوة.

الأولى: مثل عدد المنضمين للدعوة والعمل.

الثانية: نوعيات معينة أو تحقيقات وإنجازات للدعوة والحركة وبشكل عام تشمل النتائج الإفرازات والمكاسب والأرباح والخسائر ومشاكل ناتجة عن النتائج أو أوضاع جديدة نتجت عن العمل.

وهكذا نجد أنه يمكن تطبيق هذه النظرية على الحركة كبناء عمل ونتائج.

مراحل خطة تطوير النوعية:

1- تنظيم البناء بما يتناسب مع الواقع والهدف المطلوب والمرحلة والظروف والإمكانات.

2- توزيع الأدوار والسلطات والصلاحيات والمهام.

3- وضوح رسالة البناء بشكل عام ولكل قسم بشكل خاص، ووضوح الغاية المطلوبة للقسم ولكل البناء والهدف في كل مرحلة.

4- السياسات وطريقة تنفيذها.

5- نوعية الأعمال والمساحات المغطاة بالعمل.

6- مؤشرات الأداء وتعتمد على نوعية العمل والمهمة.

7- المعايير وتعتمد على المهمات والأعمال.

8- عملية الضبط والتقييم للأعمال.

9- السلامة.

10- جمع المعلومات وتحليلها.

11- الاستنتاجات ومتابعتها من أفعال وتوصيات وتقييم وتنفيذ الأفعال والتوصيات واستمرارية العمل إلى مرحلة ومستوى أفضل.

12- لا بد أن تكون هناك ميزانيات للأعمال والأقسام.

13- التقييم السنوي.

إن العمل الإسلامي من حق كل المسلمين وإن كثيرًا من المسلمين ليغار على العمل الإسلامي والحركة الإسلامية حتى ولو لم يكن منتميًا، ثم إن الحكمة ضالة المؤمن ولهذا فإنني أرفع شعار الاستفادة من النقاد وقبول النقد من الداخل والخارج من الأبناء والأحباء بل وحتى الآخرين، لأن شعار الحركة والعمل ينبغي أن يكون نحو مستوى أفضل ونوعية أجود ونحو تطوير مستمر للوصول إلى الغايات التي ترضي الله سبحانه وتعالى وتحقق نصرة دينه وإعلاء كلمته.

ومن استوى يوماه فهو مغبون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2099

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

209

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟