العنوان بدء سريان اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية .. أطراف تستفيد وأخرى تتضرر
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1249
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 13-مايو-1997
تحريم صناعة الأسلحة الكيماوية والتجارة بها واستخدامها، هو في مقدمة ما ينبغي أن يطالب به صاحب المنطلق الإسلامي ويعمل من أجله، مع توفير شروط أن يكون الحظر شاملًا وفعالًا ومتوازنًا... وهذا ما يسري على كل سلاح لا يميز بين صغير وكبير، ومقاتل ومدني، ومجرم وبريء، ولا بين منشآت عسكرية وأرض زراعية... فآداب الحرب الإسلامية في هذا المجال من الثوابت التي لا ثغرة فيها، ولعل الباب الوحيد الذي يمكن وضعه موضع النقاش في هذا الميدان هو ما يحدده النص القرآني ﴿فَاعْتَدُوْا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194) وهو ما يتشابه مع مبدأ الردع الذي اعتمد عليه النظام الدولي في حقبة الحرب الباردة ويُعزى إليه في الدرجة الأولى أن السلام المستقر في أوروبا لم يتحول إلى حرب طاحنة نتيجة الرعب المتبادل من نتائجها المحتملة.
الاتفاقية الدولية لحظر الأسلحة الكيماوية، التي سرى مفعولها مؤخرًا، هي كعدد من الاتفاقيات والإجراءات الدولية الأخيرة التي تقررها القوى الدولية الرئيسية المهيمنة على صناعة القرار الدولي حاليًا خارج إطار الشرعية الدولية بمعناها الأصلي، يسري عليها ما سلف ذكره من خلل ونقص لأسباب عديدة، يمكن ذكر بعضها بإيجاز.
1 – رفض الأسلحة الكيماوية وصناعتها توجه ثابت قديم تدل على الاقتناع به كثرة المحاولات لاتخاذ خطوة تحققه منذ ظهر أول سلاح كيماوي عرف بغاز «زينف عام ١٨٨٦م فتلاه عام ١٨٩٩م اتفاق دولي في لاهاي يحظر استخدام الغازات السامة في ساحة الحرب، ثم بعد استخدامها من جانب القوي الأوروبية، حاولت عصبة الأمم حظرها مجددًا في عام ١٩٢٥م، ولم ينفع الحظر. فاستخدمت الغازات السامة في الحرب العالمية الثانية... ثم كان الإنتاج العالمي لها على أوسع نطاق ودون عقبات.
٢-كان إنتاج الغازات السامة بمختلف أنواعها من جانب قوى دولية معروفة، وهي التي استخدمتها بنسبة عالية لا تقارن باستخدامها من جانب بعض الدول الأصغر، ويوجد في مخازن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حاليًا ما لا يقل عن ٩٢ ألف طن، أي أكثر من ٩٠% من سائر ما يقدر وجوده من أسلحة كيماوية في أنحاء المعمورة.
٣- لا تنقطع الدول الغربية خاصة عن القول إن هذه الدولة أو تلك من الدول الأصغر، التي صنعت أو يشتبه بأنها تصنع أسلحة كيماوية يمكن أن تستخدمها، وإن هذا ما ينبغي التركيز على مواجهته بالجهود الدولية الراهنة من مثل الاتفاقية المذكورة.. وعلى النقيض من ذلك كان استخدام الأسلحة الكيماوية فعلًا، وعلى نطاق واسع، فقد استخدمتها الولايات المتحدة في فيتنام واستخدمها الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ولا يكاد يوجد دليل ثابت بصورة مشابهة على دولة من الدول الأصغر، إلا ما كان من استخدام العراق في حربه ضد الأكراد وضد إيران.
٤- يضاف إلى ذلك وجود قرائن أقرب إلى الأدلة القاطعة ترجح أن الأمريكيين استخدموا السلاح الكيماوي في حرب الخليج الثانية، وأن ذلك هو السبب في الإصابات بين الألوف من جنودهم والتي تموه وزارة الدفاع عليها بكل وسيلة ممكنة وتطلق عليها اسم «مرض الخليج»، كذلك يوجد كثير من القرائن التي تتحدث عنها المصادر الغربية على أن القوات الروسية استخدمت أسلحة كيماوية من نوع حديث للغاية في الحرب الوحشية التي شنتها في الشيشان، وأن خمس مدن شيشانية على الأقل كانت عرضة لذلك.
٥- إذن فالسوابق التاريخية والمعطيات الراهنة تؤكد أن الخطر الأكبر على البشرية من الأسلحة الكيماوية كامن في واشنطن وموسكو أولًا، اللتين استخدمتا أسلحة الدمار الشامل كلما توفرت إمكانية استخدامها دون قوة دفاعية رادعة عند الطرف الضحية، فضلًا عن الاطمئنان إلى عدم التعرض لمجرد الإدانة الدولية، ولو شكليًا، نظرًا إلى ما نسميه الاستبداد الدولي المتمثل في أسلوب صناعة القرار أو منع صدوره في مجلس الأمن الدولي.
أليس المفروض إذن البدء بنزع السلاح الخطير وإتلافه عند من يملكونه وبادروا باستخدامه؟ نصوص الاتفاقية الأخيرة تقضي أن تسري الآن بنود الحظر، ومراقبة منع الانتشار، وإيقاع العقوبات على من يخرق ذلك، من البلدان التي لا تمتلكه حاليًا، قطعًا أو على الأرجح، بينما يفترض مرور عشرة أعوام لتنفيذ عملية الإتلاف في الولايات المتحدة التي صادقت على الاتفاقية وفي روسيا التي امتنع برلمانها عن التصديق عليها بحجة الأوضاع المالية والجدير بالذكر أن إجراءات الرقابة على الدولتين، وكذلك على الصين الشعبية تفتقر إلى الفاعلية. فقد كانت العقبة الأخيرة في المفاوضات حول الاتفاقية هي تمرير استثناءات بهذا الصدد بحجة حماية أسرار الصناع الكيماوية في البلدان الثلاثة.
وعندما أطلق بعض الإعلاميين على السلاح الكيماوي وصف سلاح الفقراء، لم ينطلقوا فقط من تكاليف إنتاجه المنخفضة نسبيًا بالمقارنة مع صناعة السلاح النووي، بل انطلقوا أيضًا من أنه يمثل قوة رادعة، ولو محدودة تجاه القوى الدولية التي تمتلك الأسلحة النووية، وقد لا تتردد في استخدامها، عند الاقتناع بعدم تعرضها هي إلى خطر حقيقي، أو بتعبير آخر إذا لم يتوافر لدى الطرف الضحية، ما يردع عن ذلك.
وما يسري على هذا الصعيد عالميًا في العولمة، يسري أيضًا على صعيد ما يراد إقامته من نظام إقليمي لكل منطقة... وهذا ما بينه مثال استثناء الكيان الإسرائيلي من أي إجراءات دولية تحد من تسلحه النووي مقابل توجيه الاتهام إلى بعض الدول العربية، ولا سيما سورية وليبيا بصناعة أسلحة كيماوية أو بالعمل على توفير أسلحة أخرى بمدى بعيد، يمكن أن تدخل في نطاق أسلحة الدمار الشامل.
يضاف إلى ما سبق أمران، أولهما أقوال تتردد في الأوساط الغربية عن أن حظر الأسلحة الكيماوية جاء بعد اقتناع الدول الرئيسية التي تمتلكها بخطر استخدامها على قواتها، مثلما حدث من إصابات الخليج، بين الأمريكيين، والأمر الثاني أنه بدأت صناعة جيل جديد من الغازات السامة، لا يشملها الحظر الحالي في الاتفاقية الدولية، لاعتماد صناعتها على مواد غير واردة في القائمة المرفقة بالاتفاقية. وأنها أخطر من الجيل السابق الذي يُحظر الآن، فالغازات السامة الجديدة التي صنعتها موسكو بعد سقوط الشيوعية، تتبخر في ساحة المعركة، فلا يبقى أثر يدل عليها، ومن المرجح أن الولايات المتحدة تمتلك هذه التقنية، أيضًا.
وبهذا تفقد الاتفاقية مغزاها، وتتحول- كاتفاقية حظر التجارب النووية- إلى مجرد أداة إضافية على المسرح الدولي، لترسيخ احتكار التسلح الفتاك في نطاق دول معدودة، جنبًا إلى جنب مع العمل على تجريد الدول الأخرى المعرضة لخطر الهيمنة العالمية، من أدنى قدر من القوة الرادعة التي تحمي بها نفسها تجعل القوى الدولية المهيمنة تتردد ولو قليلًا في ممارسة عدوان عسكري ما.