العنوان باول والحضارة الأمريكية وذكرى قصف حلبجة
الكاتب مصطفي محمد الطحان
تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003
مشاهدات 66
نشر في العدد 1576
نشر في الصفحة 40
السبت 08-نوفمبر-2003
بول نيتش: تمتلك الولايات المتحدة قوة كونية ولهذا فمن الضروري أن يكون لها عدو كوني.
قام وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مؤخرًا بأول زيارة إلى العراق.. وعندما سئل عن رأيه في الأوضاع قال: إن الأوضاع جيدة خاصة في الجانبين السياسي والاقتصادي وهناك بعض الخلل الأمني يسببه الإرهابيون الذين قدموا من خارج العراق، يحفزهم حقدهم على القوة الأمريكية التي تنشر الحضارة في العالم. وختم الوزير جولته بزيارة مدينة حلبجة والمشاركة في إحياء ذكرى ضحايا القصف بالأسلحة الكيميائية الذي قام به جيش صدام حسين عام ١٩٨٨، وسقط فيه خمسة آلاف قتيل كردي من سكان المدينة.
ونحب أن تلفت النظر إلى بعض ما ورد على لسان وزير الخارجية الأمريكي. ونتساءل مع الآخرين:
١- ما هذه الحضارة الأمريكية التي يتحدث عنها الوزير؟
٢ - وما قصة حلبجة وما دور صدام حسين في نكبة العراق؟
(1) الحضارة الأمريكية:
تصفية ١٢٠ مليوناً من السكان الأصليين:
أول هذه الصور الحضارية الأمريكية سجلها أولئك الذين نزلوا أمريكا بلباس البوريتانية الإنجليزية وهم يحملون معهم الاعتقاد الأشد فتكًا في تاريخ الإنسانية وهو: الاعتقاد بفكرة الشعب المختار الذي أعطي الشرعية لاستئصال السكان الأصليين واغتصاب أراضيهم وكأنه أمر إلهي!
يذكر توكفيل الكاتب الفرنسي إحدى هذه الحفلات التي شاهدها قائلًا: في قلب الصحراء وفي أواسط الشتاء، حيث كان البرد قارسًا جدًا، قام ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف بمطاردة الأعراق البدوية من الوطنيين الذين كانوا يفرون أمامهم حاملين مرضاهم وجرحاهم، وأطفالًا ولدوا حديثًا، وشيوخًا على حافة الموت، ثم يقول: إن المشهد كان مثيرًا ولم يمح من ذاكرتي أبدًا.
عام ١٧٣٠م أقر البرلمان الأمريكي تشريعًا يبيح للبروتستانت «الأطهار» إبادة من تبقى من الهنود الحمر، فأصدر قرارًا بتقديم مكافأة مقدارها ٤٠ جنيهاً مقابل كل فروة مسلوخة من رأس هندي أحمر، و٤٠ جنيهًا مقابل أسر واحد منهم، وبعد خمسة عشر عامًا ارتفعت المكافأة إلى ٥٠ و ١٠٠ جنيهًا مقابل فروة رأس امرأة أو طفل.
وفي عام ١٧٦٣م أمر القائد الأمريكي «البريطاني الأصل» جفري أهرست، برمي بطانيات كانت تستخدم في مصحات علاج الجدري إلى الهنود الحمر بهدف نشر الوباء بينهم مما أدى إلى موت الملايين منهم في «أول وأكبر عملية استخدمت فيها أسلحة الدمار الشامل».
العبيد الأفارقة:
الصورة الحضارية الثانية التي تميزت بها الحضارة الغربية بقيادة بريطانيا من قبل وأمريكا بعد ذلك هي ما ارتكبته هذه الحضارة في الاستعمار الذي استنزف الثروات، واستعبد الناس فنقلوا الملايين من سكان إفريقيا عبيدًا تعساء إلى ما أسموه العالم الجديد. وفي موانئ تجارة الرقيق كان يقام أغرب حفل ديني عرفه التاريخ، حيث يجلس الأسقف على كرسي من الرخام، يحيط به عدد من كبار الموظفين، ثم يعمد الأسقف، ب «بركاته» التعساء الذين سيشحنون عبيدًا لخدمة البروتستانت «الأطهار» في العالم الجديد.
في الولايات المتحدة اليوم حوالي ٣٠ مليونًا من هؤلاء الزنوج.. هم ما تبقى من أولئك التعساء الذين مات معظمهم على يد البيض أصحاب الحضارة المتفوقة!
كان الرجال «العظماء» يبنون أمريكا من خلال منظمة «كوكلوكس كلان» التي تعاهدت على إهانة الرجل الأسود وضربه وشنقه بلا محاكمة، وجعله يفهم أنه جيء به إلى أمريكا لغرض العبودية وليس لأي غرض آخر.
في ديربان في جنوب إفريقيا عقدت الأمم المتحدة عام ۲۰۰۲ مؤتمرًا حول حقوق الإنسان، واختاروا المكان الذي امتهن فيه الإنسان الإفريقي واتخذه الأوروبي عبدًا لخدمته.. وطالب المؤتمر الدول الأوروبية بتعويضات عن فترة الاستعمار والاستعباد.. ولكن أمريكا رفضت مجرد أن يتضمن جدول الأعمال مثل هذا البند.
العولمة:
والصورة الحضارية الثالثة التي تفتق عنها الفكر الأمريكي هي العولمة.
يقول (ويلسون): انطلاقًا من حقيقة أن التجارة ليس لها حدود قومية، وانطلاقًا من أن الصناعي يريد امتلاك العالم من أجل الأسواق، فإن على علم بلاده أن يتبعه أينما ذهب، وعلى الأبواب المغلقة للأمم الأخرى أن تخلع، وعلى وزراء الولايات المتحدة أن يحملوا امتيازات أصحاب رؤوس الأموال حتى لو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة الأمم الأخرى المتمردة يجب خلق المستعمرات أو الحصول عليها، بحيث لا تهمل أو نتغاضى عن أصغر زاوية في العالم.
وهكذا طبق ويلسون عقيدته هذه عندما أصبح رئيسًا لأمريكا بغزوه المكسيك وجزيرة إسبانيولا التي تشكل هايتي وجمهورية الدومينكان «أبريل 1916».
ويقول «بول نيتش» رئيس جهاز التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية عام ١٩٥٠: تمتلك الولايات المتحدة قوة كونية، لهذا سيكون من الضروري أن نحدد لنا عدوًا كونيًا، وعلينا أن نضفي على هذا العدو كل صفات الشيطان، بحيث يصبح كل تدخل أو عدوان للولايات المتحدة مبررًا مسبقًا، وكأنه عمل دفاعي تجاه خطر يشمل الأرض كلها.
في ٦ أغسطس ١٩٤٥ أمر الرئيس الأمريكي ترومان بإلقاء القنبلة الذرية الأولى على مدينة هيروشيما اليابانية، وفي 9 أغسطس القيت القنبلة الثانية على مدينة ناجازاكي، فحصدتا أكثر من 1.5 مليون ياباني.
وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي صاغتها إدارة الرئيس بوش، وكتب هو مقدمتها، كشفت عن حقيقة الأهداف والغايات التي تسعى السياسة الأمريكية الخارجية لتحقيقها على مستوى العالم العربي والإسلامي وعلى مستوى العالم بوجه عام إنها تجسد السعي الأمريكي للهيمنة على العالم العربي والإسلامي كخطوة رئيسة وأساسية لابد من تحقيقها وصولًا لتحقيق وتأكيد هيمنتها على العالم وإدارة شؤونه.
ذكرت مجلة موثر جونز (يونيو۲۰۰۲) آن العديد من الدوائر الثقافية الأمريكية المؤثرة، اعتمد فكرة إشاعة التشكيك في القرآن الكريم من جانب المثقفين الغربيين، وانتقدت المجلة عدم قيام الإعلام الغربي عقب ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱ بالتشكيك في صحة القرآن كحل لإنهاء التعصب الإسلامي حسب قولها.
وبتواطؤ أمريكا قتل الملايين في مجازر عدة في فلسطين ولبنان وسورية ومصر والأردن وإندونيسيا ونيكاراجوا والسلفادور وهندوراس بالأسلحة الأمريكية الفتاكة.
(۲) قصة حلبجة:
القضية الثانية التي أثارها وزير الخارجية الأمريكي كولن بأول، هي حضوره الاحتفال الذي أقيم بمناسبة قصف مدينة حلبجة بالغازات السامة..
فقد قصف النظام السابق في بغداد بقيادة علي حسن المجيد المعروف عند العراقيين بعلي الكيماوي يوم ١٦ مارس ۱۹۸۸ هذه المدينة البعيدة عن الحرب الدائرة بين العراق وإيران..
واستمرت الطائرات لمدة يومين كاملين تقصف سكان المدينة الذين قتلوا عن بكرة أبيهم.. والذين تجاوز عددهم الخمسة آلاف إنسان!
كان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد يتحدث عن جرائم صدام، واستشهد بقصف حلبجة فأخرج له أحد الصحفيين صورة له مع صدام أيام الغزل الأمريكي معه.. وتلعثم الوزير واضطر للاعتراف بأن الرئيس ريجان أرسله المناقشة صدام حسين ودراسة تزويده بما يحتاجه من السلاح المتطور والغريب أن الإدارة الأمريكية التي تتأسف اليوم على سكان حلبجة التي قصفها صدام بالسلاح الكيماوي.. كانت اتهمت إيران بأنها هي التي قصفت المدينة بالغازات السامة!
(۳) دور صدام في نكبة العراق:
ليس صدام حسين وحده هو الذي خرب العراق، وشتت ثروته، وأخضعه الحروب لا تنتهي بل يشاركه غيره من الحكام الذين استجابوا لتعليمات الأمريكان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ابتداء من انقلاب حسني الزعيم في سورية في مارس ١٩٤٩ وانقلاب عبد الناصر في يوليو ١٩٥٢ وانقلاب صدام حسين وأحمد حسن البكر في العراق عام ١٩٥٨.
سلسلة من الانقلابات قضت على الحريات، وأجهضت الديمقراطي وحاربت القوى الحية، وأوصلت الأمة إلى هذا الدرك السفلي الذي أصبحنا فيه مجرد قطع شطرنج يتحكم بها العدو.
لا بأس أن تعيد قراءة كتاب «لعبة الأمم» لمايلز كوبلاند عضو الاستخبارات الأمريكية المكلف بملف الانقلابات لتعرف تفاصيل الجريمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل