; بانفصال رأس الأمة عن جسدها تتعطل طاقات الحياة فيها | مجلة المجتمع

العنوان بانفصال رأس الأمة عن جسدها تتعطل طاقات الحياة فيها

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1972

مشاهدات 141

نشر في العدد 118

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 19-سبتمبر-1972

بينما كانت الدولة العباسية تستجمع قواها وتلتقط أنفاسها بعد تخليصها من حركات الانشقاق في خراسان ومصر أخريات القرن الثالث للهجرة، بينما هذا كانت  الدولة تنتقل بسرعة لتدخل في طور جديد ذي معالم جديدة لم تشهدها من قبــل وبدخولها هذا الطور شهدت انفصالًا ضخمٍا بين رأسها وجسدها، ظل هو السمة العامة المسيطرة عليها لحين زوالها رسميًا من محاضـر التاريخ سنة ٦٥٦ هـ.                                                إن الأمر لم يكن مجرد حركة انشقاق هذه المرة، كما لم يكن الأمر مجرد الاستئثار بحكم جزء من الدولة، مع رفـــع راية الدولة، كما أنه لم يكن ثورة انفعالية مذهبية أو سياسية، لقد كان الأمر أعمق من ذلك بكثير، لقد كان أسلوبًا جديدًا في التعامل مع الدولة العباسية الجامعة، لقد كان احتواء لها أو بتعبير آخر سيطرة عليها وفرض نوع من الوصاية على خلفائها، ولأول مرة فـي تاريخ الدولة الإسلامية نرى بعض الخلفاء - على نحـو واضح وعنيف - لعبة في يد بعض المغامرين ونرى بعض الخلفاء يعزلون ويولون دون أن يكون لهم من الأمر شيء، يفعل باسمهم كل شيء ويخطب لهم على كل منبر  وتعلن باسمهم الحروب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل وليس هذا وحسب بل لأول مرة تصبح الخلافة عبئًا يهرب منه الخلفاء وينأى عنه المحترمون لأنفسهم  لأن مصير الخليفة – غالبًا – الجر من قدمين أو الجوع الشديد.. وبدأ العالم الإسلامي يترنح منذ هذا الحدث الضخم الذي انفصل فيه رأس الأمة عن جسدها.                                                     * وقد حمل كبر هذا الأمر الخطير، أو التحول السيئ، الأتراك من الجند، الذين كانوا يمرون آخر القرن الثالث بفترة تمزق داخلي، وانقلاب ضد الخلفاء الذين أتوا بهم، بادئ الأمر، لحمايتهم منذ أن سنت هذه السنة السيئة.                                                         *                                                   فلما وصل «أحمد بن بويه» المؤسس الحقيقي للدولة البويهية «٣٣٤ - ٤٤٧ هـ» إلى بغداد، بعد أن كاتـب الخليفة المستكفي، ووافق الأخير على دخوله بغداد، فدخلها في يسر ودون مشقة وفتحت له أبواب بغداد، واستقبله الخليفة «المستكفي» ولقبه بمعز الدولة وفرح الناس به لينقذهم من الفوضى التي أحدثها الجند من الأتراك في جهاز الدولة وبين الشعب، لما تم هذا الدخول وتحولت به الدولة إلى حماية البويهيين الرسمية، بعد أن كان خضوعها للأتراك مجرد نشاز أو انقلاب في داخــل السلطة يعتقد الناس أنه طارئ لا بد أن يزول. لما تم هذا كانت الخلفية التاريخية في ذهن البويهيين واضحة، وكان دخولهم بغداد بمثابة تقلد صريح لقي الخلافة وقيادة المسلمين وقد فهم الخلفاء أنفسهم هذا، فلم يحاولوا منافسة البويهيين في السلطة التنفيذية والسياسية. بيد أن الأمر لم يقف عند هذه الحدود بالنسبة للبويهيين فلقد تمادوا في الأمر، وقد زعموا لأنفسهم نسبا ساسانيا فارسيًا، وبما أنهم كانوا يعتنقون المذهب الشيعي الزيدي فقد حاولوا فرض المناخ الشيعي على الناس ، بل إن أحمد بن بويه المذكور حاول تغيير الخلافة العباسية الى خلافة شيعية لولا نصيحة أصحابه له بأن يتجنب ذلك خشية العواقب. ولم يعد للخليفة في ظلهم حتى حق تعیین كتابه ووزرائه، وقد منع وارد الخليفة عنه، ولم يعد يصله إلا مرتب شهري استبدل به مرتب سنوي، ثم اقتطع منه بعد ذلك بحجج واهية، وقد بلغ إذلال بعض الخلفاء مبلغه في عهدهم وبطريقة غير إنسانية عزل الخليفة المستكفي عن الخلافة وعزل الخليفة الطائع وعزل غيرهما وقد عزل المطيع لله نفسه بعد أن رأى أنه لا قيمة له. وقد وقع البويهيون فيما وقع فيه الأتراك، فقد أحدثوا الفوضى في البلاد، وصادروا الأموال، ودخلوا مع الناس في صراع عنيف من أجل الحصول على الأموال.                                                         * وعبر أكثر من قرن ظل البويهيون مسيطرين على خلافة العباسيين، لم يفعلوا فيها شيئا ذا بال سوى أن يضيفوا الى صورة الجند الأتراك مزيدًا من ملامح الطيش والرعونة. وكما هي العادة في أمثال هذه الأسر المتسلطة، إنها سريعة الانقسام على نفسها. شديدة التنافس فيما بينها، وهكذا سقطت الأسرة البويهية الى حضيض الانقسام و التناطح وعانى المسلمون من وراء تناطهم وتسلطهم الشيء الكثير.                                                     * إن سيطرة عنصر مــن العناصر المتعصبة قوميًا أو المتأثرة بخلفية تاريخية لم تتخلص من شوائبها، هو أبرز ما واجهه ركب مسيرتنا الحضارية والتاريخية والقومية المتعصبة، وأصحاب النزعات المشبوهة وذوى الولاء لحضارات معاكسة لنا ولخطنا الحضاري، بهؤلاء تمت عملية سقوطها المتكرر في مراحل تاريخنا. لكن تاريخنا الذي تتدخل فيه إرادة الله بحفظ هذا الدين كي يظل المعلم الثابت المضيء في ليل البشرية الطويل المظلم.  هذا التاريخ  يجد مع كل نكبة تاريخية أو فترة من فترات التداعي والهبوط من يعيد الى الجسم حيويته، ويمنع عنه السقوط القاتل وهكذا انبعث - من جديد - من بين الأتراك انفسهم عنصر إسلامي مجاهد، أعـاد للخلافة شبابها ونجح قائد الأتراك السلاجقة «طغرلبك» سنة ٤٤٧ هـ في أن يقضي على دولة البويهيين. وبين عشية وضحاها سقط البويهيون الذين أثبت تاريخهم أنهم غير أهل لتحمل أمانات التاريخ وقد تعبت الأمة من جراء سياستهم أشد التعب لأن التاريخ يعلمنا دائمًا أنه «بانفصال رأس الأمة عن جسدها تتعطل طاقات الحياة فيها».
الرابط المختصر :