العنوان بالإسلام وحده يكون النصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1976
مشاهدات 100
نشر في العدد 293
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 30-مارس-1976
هب المسلمون في الضفة الغربية ضد قوات الاحتلال الصهيوني التي أباحت لليهود الصلاة في المسجد الأقصى.
هذه الانتفاضة الإسلامية تؤكد لنا من جديد أن معارك التحرير في البلاد الإسلامية انطلقت من المساجد.. من بيوت الله وفي سبيل الله يحمل رايتها المسلمون وحدهم كما حملوها من قبل بقيادة عمرو بن العاص ثم صلاح الدين الأيوبي.
ووزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية عممت على المساجد الخطبة التالية، وكانت هي الموضوع الذي تطرق له أئمة المساجد في الأسبوع الماضي، وركزوا على الجهاد وبذل المال والروح في سبيل الله.
وهذا هو نص الخطبة:
الحمد لله، وهب العزة للمؤمنين، وكتب النصر للمجاهدين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، جعل الجهاد في دينه فريضة، وجعل الموت في سبيله حياة، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله سيد المجاهدين والصابرين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.. أما بعد...
فيقول عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. (النساء: 76).
يعيش العرب والمسلمون في هذه الأيام لحظات ترقب وانتظار ليوم النصر، ليوم العودة، ليوم استرداد كرامتهم، ليوم استعادة حقهم المسلوب، ليوم يعود لتلك البقاع الطاهرة المشردون من أبنائها، ليوم يغسل فيه العرب عارهم، ليوم يعم هذه الأماكن قول المؤذن الله أكبر الله أكبر.
ولقد سمع العالم كله بهذا القرار الظالم الذي حكمت به محكمة العدو، وذلك بالسماح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى، وبهذا كشف العدو عن أطماعه التي يريد من ورائها الاستيلاء على ما يمكن من أرض المسلمين ومقدساتهم.. ولقد أثار هذا الحكم في نفوس المسلمين ما فيها من مرارة وأسى، فقام أبناؤنا الميامين وإخواننا الأبطال في الضفة الغربية بهذه الانتفاضة التاريخية، ليلقنوا العدو درسًا قاسيًا، وليعرفوه أن في العرين أشبالًا وأسودًا، وأن المسلمين لم يموتوا ولن تموت فيهم النخوة والكرامة ما دام فيهم نفس يتردد، وليعرّفوا العالم مدى ما وصل إليه الحقد الدفين.
إن المسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم ومهد الأنبياء، ومشرق الرسالات ومهبط الوحي والذي سجله الله في كتابه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. (الإسراء: 1).
والذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى»، أيبارك الله حوله وتدنسه الأقدام القذرة؟
ويحرم منه المسلمون إلا تحت دوي المدافع وانفجار القنابل ويشد إليه الرحال يهود العالم؟
لقد ظن العدو الغاشم أنه إذا احتل جزءًا من بلاد المسلمين في فترة من فترات ضعفهم وتفرقهم أنه يستطيع أن يقضي على دينهم ومقدساتهم إلى الأبد، ولكنه جهل أن في الإسلام من المقومات والقوى ما يحفظ على أمة الإسلام العزة والبقاء، وما يضمن لها الانطلاق في قوة وسيادة وكرامة. فها هم أبناؤنا الصغار قد أطاروا النوم من عينه، وأقضّوا مضجعه، وأضلّوا سعيه، وأفقدوه وعيه وصوابه، حتى انهال عليهم بالمدافع.. إنهم صغار ولكنهم كبار القلوب والعقول وهم ضعاف الأجسام ولكنهم أبطال مغاوير، وهم يرمون العدو بالحجارة ولكنهم يتلقون الرصاص في صدورهم بصبر وإيمان، ويقبلون على الموت في صمت وإصرار ليحفظوا لنا ولغيرنا سر الحياة.
هؤلاء صغارنا فكيف بكبارنا؟ وهؤلاء أولادنا فكيف بالشباب الناضر والقوة الكامنة في ملايين المسلمين؟
كيف استطاع أبناؤنا الصغار أن يهزوا العالم على صغرهم وحداثة سنهم؟ كيف استطاعوا أن يوقظوا العالم من غفوته؟ كيف استطاعوا أن يُسمعوا مجلس الأمن قضيتنا العادلة؟ كيف استطاعوا أن يثبتوا للدنيا روائع البطولات؟ استطاعوا ذلك لأنهم مسلمون.. لأنهم أبناء الإسلام الذي يصيح في قلوبهم منذ الولادة: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. (التوبة: 41). ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. (النساء: 95). ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. (التوبة: 111).
استطاعوا ذلك لأن الإسلام يصيح في قلوبهم منذ الولادة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها».
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى: اللون لون دم والريح ريح مسك».. استطاعوا ذلك لأنهم من سلالة الذين انتصروا في بدر بثلاثمائة وصمدوا بثلاثة آلاف في مؤتة أمام مائة ألف أو مائتي ألف، واستعادوا وطنهم السليب يوم الفتح الأكبر.. استطاعوا ذلك لأنهم من سلالة علي وخالد وأبي عبيدة.
والآن ما دوركم أنتم أيها المسلمون؟
أنظل هكذا في موقف المتفرج كأن الأمر لا يعنينا؟ أنظل هكذا نتتبع الأحداث ونتسمع الأخبار ونقرأ الصحف كأن هذا هو كل ما يطلب منا؟ أنظل هكذا ننظر إلى المرابطين في الأرض المحتلة وهم يعانون أقسى أنواع العذاب ويتساقطون في ساحة الشهداء جماعات جماعات؟ أنظل هكذا نتلقى الضربات واحدة بعد الأخرى دون أن ندافع عن أنفسنا؟
احتُلّت بلادنا منذ ثمانية وعشرين عامًا فماذا فعلنا؟ ودنست مقدساتنا منذ تسعة أعوام فماذا فعلنا؟ وأحرق المسجد الأقصى منذ سبعة أعوام فماذا فعلنا؟ وقسم المسجد الإبراهيمي فماذا فعلنا؟ وها هو العدو الآن يريد أن يقسم المسجد الأقصى تمهيدًا لاغتصابه بالمرة فماذا ننتظر؟
أيها المسلمون:
إنه لا يجوز أن ينهار المسجد الأقصى أمام عيوننا ونحن أحياء، ولا يجوز أن ننتظر من عدونا أن يخرج من بلادنا بالمقالات والخطب.. ولا يجوز أن نرضى بالهون والحياة الدون والله يقول: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. (المنافقون: 8)..
ولا يجوز أن نبقى هكذا في خلاف دائم ونزاع مستمر فيما بيننا وبين أنفسنا والله يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. (الأنفال: 46).
ولا يجوز أن نتجاهل الحقيقة وهي مرة، والأرض وهي محتلة، والمسجد الأقصى وهو في محنة، والإسلام وهو ينادي: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. (آل عمران: 110). يجب أن نكون في مستوى المسؤولية، يجب أن نخرج من هذا السجن، يجب أن نجاهد بالنفس والمال: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. (البقرة: 195).
يجب أن نرابط فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله».. يجب أن تتحول هذه الشرارة إلى حريق كبير يدمر أعداءنا، يجب أن تتحول هذه الانتفاضة إلى قوة تجتاح أمامها المؤامرة ومدبريها، والفتنة وزارعيها، إلى عمل منظم وسريع قبل أن نكون جميعًا في مهب الريح: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. (الأنفال: 25).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله مالك يوم الدين، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله أرشدنا إلى الطريق المستقيم، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
وبعد،
فإن الانتفاضة التي قام بها أبناؤنا وإخواننا من أجل المسجد الأقصى والتي روعت العدو وجعلته يتخبط، إنما هي دلیل حي على أن الإسلام وحده هو الذي يصنع العجائب. ومن تتبع انتصاراتنا على مدار التاريخ يجد أن الإسلام هو سر هذه الانتصارات. هو سر الانتصارات أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين وفي الفتوحات الإسلامية وفي حطين وفي عين جالوت. وإذا تخلى المسلمون عن الإسلام أصيبوا بالهزائم والنكسات. والذين يظنون أن النصر يمكن بدون الإسلام هم واهمون في تفكيرهم وقصيرو النظر، ولم يقرأوا التاريخ ولم يعتبروا بأحداثه. فقد طرأت على المسلمين أفكار واردة ومبادئ غريبة وظنوا فيها الخير فإذا فيها الهوان.
ومهما حاولنا أن نطلب النصر بدون الإسلام فلن نزيد إلا انكسارًا، ومهما حاولنا أن نعتز بغير الله فلن نزيد إلا ذلًّا.
فلنرجع إلى الإسلام ولنأخذ خطواتنا على الطريق من نوره، ولنفهم منه وحده معالم الطريق، طريق الحياة وطريق النصر وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.