العنوان باكستان إلى أين؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1979
مشاهدات 99
نشر في العدد 440
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 10-أبريل-1979
في الآونة الأخيرة وعلى خريطة العالم الإسلامي نلاحظ الانتفاضات الإسلامية التي غيرت مجرى الأحداث في العالم، فالمد الإسلامي في أفغانستان الذي أثبت حقيقة وجوده وأصالته، وانتفاضة المسلمين في تشاد ضد السيطرة الصليبية الحاقدة المدعومة من الغرب الصليبي.
أما في باكستان المسلمة، فإن ردتها الأخيرة إلى الإسلام لم يأت عفو الخاطر، ولا بسبب نخوة فائرة، بل الأمر له جذوره المتأصلة.
فمنذ أن برز المفكر الإسلامي الكبير العلامة أبو الأعلى المودودي عام ١٩٢٦م رافعًا الراية الإسلامية، وقد أصدر حينذاك مؤلفه «الجهاد في الإسلام»، وكان عمره آنذاك ٢٣ عامًا، الذي رد فيه على «المهاتما غاندي»، الذي قال إن الإسلام لم ينتشر إلا بقوة السيف، ومنذ ذلك الوقت بدأ الأستاذ المودودي يدعو الناس إلى الإسلام كنظام شامل للحياة، فأصدر عام ۱۹۳۳م مجلة ترجمان القرآن، فكانت ذات أثر فعال في إرساء مفاهيم الإسلام وتكوين فكرة صحيحة عن الإسلام، وكان المسلمون في باكستان منقسمين على أنفسهم، قسم يتبع سياسة المؤتمر الوطني الهندي تحت زعامة غاندي، وقسم آخر يؤيد الرابطة الإسلامية بزعامة محمد علي جناح، التي حملت للناس فكرة إنشاء باكستان على أساس القومية الإسلامية.
والجدير بالذكر أن القائد محمد علي جناح كان إسماعليًّا، ومؤيدوه كانوا جماعة مثقفة ثقافة عصرية، ولم يكن في أذهانهم فكرة واضحة وصحيحة عن الإسلام، وهنا رأى الأستاذ المودودي أن الوقت قد حان لتكوين جماعة إسلامية تعمل على تربية المسلمين على الإسلام، والعودة بهم إلى الإسلام كما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، وفي شهر اب من سنة ١٩٤١م أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، وانتخب أميرًا لها.
فالجماعة الإسلامية ليست جماعة تستهدف القومية أو الوطنية، ولا تقتصر دعوتها على أمة ووطن، بل الدعوة دعوة عالمية مكانها الأرض ومجالها الإنسان، فواصلت الجماعة الإسلامية مجهودها بالمطالبة بالحكومة الإسلامية، وتطبيق الدستور الإسلامي، وإعداد جيل إسلامي مستقيم في سلوكه وسليم في معتقده، وفي سنة ١٩٤٩م أصدرت الجمعية التأسيسية قرارًا عرف «بقرار المبادئ» ينص أن الحاكمية في باكستان ليست إلا لله -عز وجل-، وأن الحكومة واجبها أن تجعل المسلمين يعيشون حياة إسلامية يرتضيها الله ورسوله، وكان من المفروض أن يوضع قانون إسلامی لباكستان لتطبيقه، وخاصة بعد إعلان قرار المبادئ، بيد أن الفئة الحاكمة ما كانت لتستسيغ الحكم الإسلامي، وبقيت منغمسة في حياة البذخ والترف، وظلت مأسورة للتغريب، وسالكة سياسة المراوغة والتسويف، ولكن الجماعة ظلت تمارس الضغط والعمل الدائم لوضع القانون الإسلامي موضع التنفيذ، وفعلًا تم وضع دستور إسلامي سنة ١٩٥٦م، وفرح الشعب الباكستاني المسلم، وانتظر العهد الجديد بفرح إلا أن الفئة الحاكمة من القاديانيين والإقطاعيين والشيوعيين وأصحاب الشعارات والفضوليين، أصبحت عقبة في وجه الدستور الإسلامي، وبينما كان الناس ينتظرون تنفيذ الدستور وإجراء الانتخاب العام، إذ بحاكم باكستان إسکندر مرزا وقائد الجيش الباكستاني أيوب خان يعلنان قيام انقلاب عسكري وإلغاء الدستور، والوضع أصبح مظلمًا حالكًا، والجماعة الإسلامية لم تيأس بل ضاعفت جهودها واستأنفت جهادها، وأعلن أیوب خان وضع دستور جديد للبلاد سنة ١٩٦٣م، ثم جلا الحاكم العسكري الجديد يحيى خان وألغى دستور من سبقه، وهو رجل شيعي سكير صريع الغواني، وفي عهده تم انفصال باکستان الشرقية عن باكستان الأم، ثم تولى الحكم ذو الفقار علي بوتو، وغير وجهتها الإسلامية إلى الاشتراكية والدكتاتورية، فوضع دستورًا لباكستان سنة ۱۹۷۳م، وكان له ولحزبه «حزب الشعب» الأغلبية الساحقة في البرلمان، وقرر أن يجعل الدستور اشتراكيًّا علمانيًّا، بل طرح مشروعًا دستوريًّا ينص بصراحة على أن دولة باكستان اشتراكية تقدمية، ولكن بفعل مجهود الجماعة الإسلامية والجماعات الدينية الأخرى التي استنكرت المشروع بشدة، وأصرت إلا أن يجعل الدستور الباكستاني ينص على أن دين الدولة الإسلام وفقًا لقرار المبادئ، وفعلًا تم ذلك ولكن على مضض من رئيس وزراء باكستان بوتو، وفي عهده فتحت الخمارات للشباب الباكستاني، وقامت الجماعة الإسلامية بانتفاضة قوية، وأغلقت الخمارات جميعها، واتسم عهد بوتو بالقتل السياسي والاغتيالات الواسعة والفساد، وسوء استعمال أموال الدولة بشكل واسع، واتسم بسياسة القمع، وتخويف الناس، وإسكات الأصوات المخالفة، ومسح واجهة باكستان الإسلامية.
ولعبت الجماعة الإسلامية دورًا هامًّا وبارزًا في الحفاظ على واجهة باكستان الإسلامية، وفي التصدي للحركات الهدامة التي نشأت وترعرعت، مثل القاديانية وهي حركة مثل الماسونية، وقادت الجماعة الثورة سنة ١٩٥٣م ضد القاديانية، وأصدر الأستاذ المودودي مؤلفه الشهير «المسألة القاديانية» الذي كشف فيه عن حقيقة القاديانية، وبسببه قدم للمحاكمة وحكم عليه بالإعدام، واستقبل الأستاذ المودودي القرار برحابة الصدر، وبقوة المؤمن وبعزة المسلم، إلا أنه خفف إلى المؤبد وبقى في السجن ۱۸ شهرًا، وللجماعة دور هام في الدفاع عن باكستان الشرقية ضد العدوان الهندي، وقدمت عشرة آلاف شاب من شباب الجماعة الإسلامية شهداء من أجل الحفاظ على باكستان والدفاع عن حقوقها.
وللجماعة الإسلامية ٤٤١ فرعًا في جميع أنحاء باكستان، وأقامت الدوائر الإسلامية في مختلف المدن والقرى، وبلغ عددها جميعًا ٣٤١٧ دائرة، وأقامت ٥٨٨ دارًا للمطالعة، و ۱۷۳۹ مكتبة توزع منها الكتب، وبنت ۷۸۷ معهدًا دينيًّا ومدرسة عصرية، وأقامت ١٥٣ مستشفى ومستوصف و ١٥١٧ مسجدًا يشرف عليه أعضاء الجماعة الإسلامية، ولها ۲۱5 فرعًا خاصًا بالسيدات.
كل هذا من أجل إذكاء الروح الإسلامية، وإرساء المفاهيم الإسلامية، وغرس القيم الإسلامية بين الشعب الباكستاني.
وفي سنة ۱۹۷۷م شاركت الجماعة الإسلامية في التحالف الوطني الذي كان هدفه توحيد الجمعيات والمنظمات الإسلامية، ودخلوا الانتخابات وكانوا جميعًا متفقين على تطبيق الدستور الإسلامي، ولكن علي بوتو عندما رأى فشله المحتوم لجأ إلى تزوير الانتخابات، وقامت الجماعة الإسلامية وقادت المعارضة ضد بوتو، والتي أسفرت عن استلام زمام الحكم الجنرال محمد ضياء الحق الذي أعلن عن عزمه لتطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، واشتركت الجماعة الإسلامية بالحكومة بأربع وزارات مع التحالف الوطني من أجل إرساء القواعد الإسلامية، وفعلًا تم ذلك، وأعلن الجنرال ضياء الحق في ١٢ربيع الأول بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف عن تطبيق قانون الحدود والزكاة والسفور، وإقامة المحاكم الإسلامية.
وقدم علي بوتو المخلوع عن الحكم إلى المحكمة بتهمة قتله أحد خصومه السياسيين، والتي حكمت المحكمة عليهم بالإعدام أمام محكمة لاهور العليا، وخلال وجود بوتو في السجن كان يتمتع بحرية، فمنامه وأكله من بيته، وكانت محاكمته محاكمة علنية، وسمح لرجال الصحافة المحليين والأجانب بمتابعة سير المحاكمة وحرية الكتابة عن سير المحاكمة، واتصف الحكم بالنزاهة والعدل، حيث سمحت له -المحكمة- للمثول شخصيًّا، وإعطائه فرصه طويلة لتبرئة نفسه، وقد صادق رجال القانون الدوليون على نزاهة وعدالة القضاء الباكستاني.. وأخيرًا رفض الاسترحام الذي قدم بشأنه.
وقد أصدرت الحكومة الباكستانية الكتاب الأبيض الذي يحمل كل الشواهد بتوقيعات بوتو، والوثائق التي تثبت أن عهد بوتو كان دكتاتوريًّا مظلمًا، تميز بالاغتيالات السياسية والخطف والتعذيب.
ولقد تحققت أحلام وتطلعات وأماني الشعب الباكستاني المسلم من انتهاء لعهد الظلام، ودخول إلى حظيرة العدل والسلام، إنها من ثمرة مؤسس الجماعة الإسلامية السيد أبو الأعلى المودودي، الذي عاش طيلة حياته مجاهدًا جهادًا متصلًا لم يساوره الملل ولا الكلل، ولم تأخذه بالحق لومة لائم، وهذا اليوم الذي استبشر فيه الشعب الباكستاني بدخوله حظيرة الإسلام بعد جهاد ثلاثين سنة من الكد المتواصل، والجهاد الطويل؛ لإعلاء كلمة الحق وتحكيم شرع الله في الأرض.
وستعقد الانتخابات كما أعلن ذلك الجنرال ضياء الحق في 17- 11 من هذا العام، والذي سيكون النصر فيه حتميًّا ومؤكدًا للتحالف الإسلامي، وأن المستقبل لهذا الدين: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (سورة الصف: 9) ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج: 40) صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل