العنوان باكستان .. عام على حكم العسكر: بين النجاح والفشل
الكاتب محمد ناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
مشاهدات 60
نشر في العدد 1419
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 26-سبتمبر-2000
باكستان
● محاولة إعادة توزيع الثروة بين فئات الشعب وإبعاد الشرذمة المتحكمة.. هل يتحقق الإنجاز؟
● لم تكن الحكومة ناجحة للحد المطلوب في ضبط الأمن الداخلي وإن تقلصت نشاطات العنف قليلًا.
● ما زالت قضية كشمير إحدى ثلاث قضايا شائكة تواجه العسكر.
بعد عام من تولي العسكر بزعامة الجنرال برويز مشرف الحكم في باكستان، يجد الجنرال نفسه أمام تحديات عديدة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ومن ثم فإنه وضع أجندة وصفها السياسيون بأنها ثقيلة، ليأخذ بناصية البلد إلى وضع محفوف بالأخطار وحافل بالتحديات بعد مضي عام كم كان نجاح برويز أو فشله، وكيف كان موقفه تجاه قضايا مصيرية، كالقضية النووية، وكشمير وأفغانستان؟
من الصعب معرفة ماذا حققت الحكومة العسكرية من مزايا، ولاسيما أنها تولت مهمة الحكم والبلد تعايش زوبعة من العواصف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا إذا قارناها بالحكومات المدنية التي سبقتها والتي استمرت لمدة ١١ عامًا، بدءًا بمجيء حكومة بنازير بوتو عام ۱۹۸۸ م ومن بعدها نواز شريف اللذان تناوبا السلطة بينهما لأكتوبر عام ۱۹۹۹ م ليصل الفساد درجة هيأت أسباب إطاحة الحكومة، وبرغم كون العسكر غير مختصين بالسياسة، نجد أن حكومتهم كانت حاسمة في قراراتها التي أتت بدرجة من الاستبداد، وهو أمر لا مفر منه بالنسبة لباكستان التي كان اقتصادها على وشك الانهيار التام، كما كانت تعاني من مشكلات سياسية واجتماعية عديدة، ومن هذا المنطلق فإن مزايا تلك الحكومة العسكرية تعد معقولة إلى حد كبير بالمقارنة بالحكومات المدنية التي سبقتها.
تحليل الأجندة الثقيلة:
وضعت الحكومة العسكرية في أولى أيام مجيئها إلى الحكم أجندة ذات نقاط سبع، الأمر الذي كان يعتبر تحديًّا عسير المنال، تتناول هنا مدى ما أنجز بشأنها ونختار أهمها:
أولًا- إعادة بناء الثقة الوطنية:
كانت تلك من أولى المسائل التي أثارتها الحكومة ضمن أجندتها، والتي كانت مبهمة عند الكثير في بداية الأمر شأنها شأن العديد من الشعارات التي رفعت، ولعل ما دفع العسكر لتبني هذا الشعار ما كان عليه الشعب آنذاك من فقدان متصاعد للثقة بولاة أمورهم على سبيل المثال كان من ضمن دعايات حكومة نواز شريف في المعركة الانتخابية عام ۱۹۹۸م، شعار قرض سنارو، ملك بجاوه «سدد الديون أنقذ البلد»، بهدف التخلص من الديون الخارجية التي أثقلت كاهل الاقتصاد والتخلص من الفساد البيروقراطي فأقام شريف محاكم الاحتساب لمحاكمة المتورطين في نهب الأموال العامة ثم ثبت بعد ذلك أن حكومته كانت أكثر الحكومات حصولًا على الديون من صندوق النقد الدولي، وأكبر نهابي الأموال العامة، ناهيك عن أن نواز شريف نفسه تجاهل كثيرًا من الوعود التي كان قد وعد بها لصالح المصالح الفردية والحزبية، وللأسف كان نظام الاحتساب يثير السخرية، وإلى حد كبير كان الهدف منه النيل من المنافسين السياسيين من حزب الشعب، أما حكومة بنازير بوتو فلم تكن أحسن حالًا قط.
إن فقدان الثقة الوطنية إذن كان ناتجًا عن سوء تصرفات الحكومات المدنية وما ارتكبته من فساد يحق الوطن والشعب كما أن السياسيين الذين تولوا الأمور أفسدوا أكثر مما أصلحوا، ودمروا أكثر مما بنوا، ثم إن فقدان الثقة كان رد فعل طبيعيًّا كان يظهر تارة على غرار العنف الذي ضرب البلاد، ولاسيما ذلك العنف المذهبي الذي كان قد قسم المجتمع إلى فئات متشتتة.
ولا نستطيع القول إن البلد قد نجا من هذه الظواهر ووصل بر الأمان فلاتزال الأرقام تتكلم عن نفسها خمس حالات تفجير أسبوعيًّا، تصاعد حالات السرقة في كبرى المدن.
وبرغم ذلك فإنه قد بدا للكثير أن الحكومة العسكرية جادة في تنفيذ قراراتها، وأنها لا تكتفي بمجرد الكلام المعسول واللعب بالوعود والعواطف وقد بلغت درجة التنفيذ حدًا أن الحكومة لم تبال بالإضرابات الواسعة التي ضربت البلاد، واستمرت القرابة ثلاثة أشهر، وخسر البلد فيها بلايين الدولارات، وفي الأخير اضطر المضربون للرضوخ أمام موقف الحكومة، وأن كانت الحكومة في الأخير تنازلت بدورها عن مطالبتها بنسبة عالية من الضرائب، إذ تنازلت من ٢.٦ ضريبة على المبيعات العامة لتصل. هذا الأمر أعاد نوعًا من ثقة الشعب في الحكومة.
ثانيًا- تعزيز النظام الفيدرالي وإزالة العوائق:
بتاريخ ١٤ أغسطس الماضي، المصادف يوم استقلال باكستان، أعلن الجنرال مشرف عن خطة تعزيز النظام الفيدرالي الأمر الذي كان يعتبر مجرد شعار بلا مضمون في أول الأمر، إذ لم تظهر للعيان أي محاولة تشكل خطورة على النظام الفيدرالي اللهم إلا النعرات الطائفية. من حين لآخر، أو التداعيات الناتجة عن هذه الظاهرة، تلك التي تبرز في أشكال العصيان المدني كالإضراب أو العنف أو الوقوف ضد مشروعات يكون قد جرى التخطيط لتنفيذها في إقليم فتحول لتنفع بها إقليم آخر ولم يتضح الأمر حتى قام برويز مشرف بكشف الستار عن مخطط نقل السلطة إلى الدوائر الصغيرة، وهو ما له صلة عميقة بتعزيز النظام الفيدرالي، ويكاد يجمع المحللون على أن هذا الانتقال الذي يدل بظاهره على اللامركزية، ما هو إلا نوع من سلب صلاحيات البرلمانات المحلية لتحول إلى البرلمان المركزي، ومن ثم إلى رئيس السلطة العسكرية في غياب البرلمان المركزي، كما أن الحكومة شنت حربًا ضد النعرات الطائفية في إقليمي السند وسرحد وتكلمت في أكثر من مناسبة عن حقوق البشتون، مما أغضب الأفغان الذين اعتبروا تصريحات مشرف تخرج عن نطاق صلاحية حكومة باكستان التدخل في شؤون أفغانستان الداخلية التي يشكل البشتون أغلبية فيها.
ثالثًا- إعادة الاقتصاد إلى مساره الصحيح:
كان من أكبر التحديات أمام الحكومة العسكرية إعادة الاقتصاد إلى مساره الصحيح وعلى حسب مراعاة سنة التدرج التي تعني ترتيب الأمر في خطوات متعددة كانت باكستان قد شهدت في فترة الثمانينيات تطورًا إيجابيًّا على المسار الاقتصادي، ثم بدأ العد التنازلي إثر انتهاء الجهاد الأفغاني وخروج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، واندلاع الجهاد الكشميري عام ۱۹۸۹م الذي بموجبه واجهت باكستان ضغوطًا عالمية لوقف الجهاد، وزاد الطين بلة أن تناوب حكمان فاسدان على السلطة ليلحقا بالبلد مزيدًا من الأضرار، فازداد الفقر باطراد، وكان الأداء الاقتصادي عمومًا مترديًّا خلال العام الماضي. ولاسيما في ظل الإضرابات التي عصفت بالبلد، مما جعل الأوضاع الاقتصادية أكثر اضطرابًا من ذي قبل، فأثقل كاهل البلد بالديون الخارجية التي وصلت ۲۸ مليار دولار، وفشلت مشاريع اقتصادية كثيرة تحت ضغط الضرائب وأغلق بعض الملحقات التجارية بالخارج، ومنها مكتب الملحق التجاري الباكستاني في موسكو وبعض الدول الخليجية، ويتوقع الاقتصاديون إغلاق مزيد من الملحقات التجارية في بعض الدول إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه الآن، وبالطبع لا يقع وزر ذلك جميعًا على العسكر الذين كانوا منشغلين بالحرب على جبهات أخرى، منها جبهة الإقطاعيين والمتهربين من تأدية الضرائب.
الحرب على الإقطاع:
من الخطوات المهمة التي أخذها العسكر لترتيب البيت من الداخل محاولة إعادة توزيع الثروة بين شتى فئات الشعب لإبعاد الشرذمة المتحكمة التي وضعت مصائر الشعب والحكومة تحت رحمتها. ويقال إن خمسين أسرة ثرية، وهم رؤوس الإقطاعيين والصناعيين الأثرياء- تحكم باكستان وتتولى مصير البلاد بيديها، وتخلصًا من هؤلاء أعلن برويز مشرف في فبراير الماضي عزمه بدء مشروع إصلاح الأراضي والذي يعني توزيعها. تقطيع أوصال هؤلاء الإقطاعيين، لتنمو بدلًا منهم طبقة متوسطة تقدر على دفع الضرائب وتستطيع الحكومة تطويعها. وقد تكهن الاقتصاديون أن لو استمرت الظروف على ما هي عليه الآن، فسوف تنمحي تدريجيًّا الطبقة المتوسطة، لتحل محلها الطبقتان الفقيرة والثرية.
رابعًا- ضمان الأمن الداخلي:
لم تكن الحكومة ناجحة للحد المطلوب في هذا المجال، وإن تقلصت النشاطات التخريبية إلى حد ما، وبهذا الصدد قررت الحكومة إصلاح الشرطة. وطرد الكوادر الفاسدة، فالشرطة عاجزة عن وضع حد للجرائم، كما أنها محل شبهات كثيرة، ولم تستطع الحكومة بدورها إنجاز الكثير من الأجندة من أجل إصلاحها وإعادة تأهيلها، وإن لم تكن هي أي الحكومة المسؤول الرئيس عن ذلك، ولعل ما يزيد التعقيد في الوضع الأمني الاضطرابات التي تشوب أجواء من حين لآخر، ناهيك عن أن هناك أسبابًا داخلية وأخرى خارجية.
خامسًا- العدالة السريعة وضمان المحاسبة:
أما العدالة السريعة التي وعد بها العسكر فلم يدخل منها شيء حيز التنفيذ فيما يتعلق بالمواطن. اللهم إلا محاكم المحاسبة، التي وضع حجر أساسها في العهد الأول من حكم نواز شريف، ثم جرى بعض التغيير والتعديل فيها في عهد بنازير ومن بعدها في زمن العسكر، وقد حول إليها بشكل سريع بعض السياسيين الفاسدين بمن فيهم نواز شريف نفسه واصف علي زرداري زوج بنازير يوتو هذا هو جل ما جرى في موضوع العدالة السريعة، وقد وعدت الحكومة بإقامة محاكم في المديريات في المستقبل القريب.
الديمقراطية العسكرية:
لا تزال عضوية باكستان في الكومنولث البريطاني معلقة. كما أن المعارضة نشطة. والضغوط العالمية مستمرة، كل ذلك من أجل الضغط للعودة للديمقراطية، وتحديد موعد الانتخابات العامة، الأمر الذي يرفضه العسكر وعلى الصعيد الداخلي، لم يتشدد العسكر في التعاطي مع الأحزاب السياسية التي اجتمعت حديثًا تحت اسم الائتلاف الديمقراطي الكبير، لكنها لم تأخذ هذا الموقف مأخذًا حسنًا، وإن من الصعوبات التي عرفتها باكستان منذ أول يوم في تكوينها انعدام التعاون بين الأحزاب السياسية التي تعودت على الصراع والتناحر واستغلال السلطة والسياسة لكسب المصالح الحزبية والفردية، وإن سيطرة هذه الأجواء لم تخدم البلد يومًا ما بقدر ما وفرت المناخ لنمو شتى المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذا الصراع لم ينته حتى في ظل الحكومات العسكرية، ولا يزال الصراع نفسه بين الأحزاب التي توحدت تحت راية واحدة في مواجهة الحكومات العسكرية، بينما الظروف تتطلب من الجيش والسياسيين أن يعملوا سويًّا لمواجهة التحديات الاستراتيجية مثل قضية اتفاقية الحظر الشامل على التجارب النووية وقضية كشمير ولا يتم ذلك إلا من خلال توافر انسجام كامل وإقامة وضع تشاوري صحيح بين الجيش والمدنيين
وبالمقابل قدم العسكر نوعًا آخر من الديمقراطية عبارة عن نقل السلطة من الحكومة المركزية لحكومات الولايات، ومن ثم للسلطات المحلية ومجالس الشورى المحلية ومنحها صلاحيات جديدة وهو ما يعرف في القانون باسم Devolution of Power ترى الحكومة إدخال مندوبين عن صغار التجار في السلطات التشريعية والتنفيذية، كي يكون لهم دور في التقنين وتقلل بالتالي من سيطرة الإقطاعيين على رقاب الناس وهذا الأمر في غاية الجرأة، إذ قد يؤدي نقل صلاحيات الدولة المركزية إلى الكيانات الجغرافية إلى ظهور مشكلات من قبيل تقوية النزاعات المناطقية.
قضايا حساسة:
ثمة قضايا حساسة ليس بوسع أحد التنازل عنها أو التلاعب بها، كما لا يحاول أحد التفاهم بشأنها إلا ويواجه تبعاتها.
أولًا- سريان النظام الإسلامي:
أصدر الجنرال مشرف مرسومًا في 15 يوليو الماضي يقضي بأن تسري المواد الإسلامية كافة في الدستور المعطل، وأن تعتبر جزءًا من النظام الدستوري المؤقت الذي أصدره يوم الرابع عشر من أكتوبر الماضي هذا المرسوم جاء حسب بيان صحفي أصدرته الأمانة العامة لرئيس السلطة التنفيذية الباكستانية. ليبدد الشكوك التي حاول البعض إثارتها حول مدى التزام الحكومة الحالية بالبنود الإسلامية في الدستور، كما اختارت الحكومة الدكتور أحمد محمود غازي وزيرًا للشؤون الدينية.
حيث اهتم بإصلاح نظام المدارس الديني وعلى صعيد آخر، حدد العسكر مشاركة المرأة: في السياسة بنسبة ٢٣% الأمر الذي تعارضه الأحزاب الإسلامية، فضلًا عن أنه يعتبر غير عملي- في المجتمع الباكستاني المتحفظ، ولا سيما في ضوء حقيقة أن نسبة الأمية بين النساء فوق ٧٤%.
ثانيًا- القضية الكشميرية:
قضية كشمير هي إحدى القضايا الثلاث الحساسة الشائكة التي تواجه الحكومة العسكرية وهي قضية اختلطت مع عواطف الشعب الباكستاني- باعتبارها قضية مزمنة يجري تدريسها في- المدارس، وباتت ذات صلة محكمة بنظرية القوميتين. «Two Nation Theory» التي على أساسها انفصلت باكستان عن الهند.
وفي الأيام الأخيرة من شهر يوليو عند ما اعترت القضية تطورات غير مترقبة تمثلت في مبادرة حزب المجاهدين الكشميري بالهدنة نسي الشعب الباكستاني الإضرابات التي كانت قد عصفت بالبلاد واستمرت لمدة ثلاثة أشهر وأخذ- الجميع يترقب الأوضاع بكل دقة هذا الأمر إذا دل على شيء فإنه يدل على أن الشعب الباكستاني: مهتم بقضية كشمير التي تعتبرها شريحة واسعة منه جزءًا لا يتجزأ من باكستان ومن هنا فإن الحكومة وبالرغم من أنها تقع في معضلات معقدة لم تع سبيل الخروج منها، إلا أنها في هذا المضمار يجب أن تكون محتاطة غاية الاحتياط وقد تضطر إلى أن تتنازل عن كثير من مصالحها الاقتصادية- من أجلها- كما فعلت طيلة خمسين عامًا الماضية ومع ذلك يرى بعض المحللين أن لباكستان دورًا. في عرض الهدنة؛ إذ لم يجدوا لبعض تصرفات العسكر في مسار القضية الكشميرية تفسيرًا معقولًا، منها مبادرة الجنرال مشرف سحب الجنود الباكستانيين الإضافيين الموجودين في خط المراقبة بين الهند وباكستان فور استلامه مقاليد الحكم في أكتوبر ۱۹۹۹ ومحاولته منع امتياز الدولة الأولى بالرعاية للهند والذي بموجبه تمنح الأولوية للهند في إطار ترسيخ وتوسيع العلاقات التجارية.
ثالثًا- اتفاقية حظر إجراء التجارب النووية (T.B.T.C):
يرى بعض المحللين الباكستانيين أن حكومة العسكر تتابع سياسة نواز شريف، وهي التربص للزمن المناسب للتوقيع على معاهدة الحظر النووي. وقد صرح عبد الستار- وزير خارجية باكستان. بأن باكستان ستوقع الاتفاقية، والسؤال هو متى سيكون ذلك بينما يرى الآخرون أن انتهاج سياسة باكستان تجاه القضايا الحساسة كانت دومًا على هذا الغرار؛ حيث إن التصريح بالقول لا يدل على الفعل بالضرورة.
وتعاني باكستان من ضغوط عالمية لتوقيع اتفاقية حظر إجراء التجارب النووية والتي تؤثر سلبًا في الاقتصاد الباكستاني، ولا سيما أن المساعدات المالية والعسكرية الأمريكية قطعت بموجب تعديل بريسلر عام ١٩٩٠م، مما خلف أثارًا سيئة على القوة الجوية الباكستانية ومن إيجابيات عدم اعتماد باكستان على المساعدات الأمريكية منذ ذلك العام، أنها لا ترضخ ولا تستجيب للضغوط الأمريكية، مما دفع الولايات المتحدة للبحث عن سبل أخرى للضغط، فتوسلت إلى اليابان أكبر دولة مانحة المساعدات منذ عام ١٩٩٠م بعد انقطاع المساعدات الأمريكية والتي كانت تستمر في: توفير المساعدات، بقيمة ٨٠٠ مليون دولار سنويًّا إلى. مايو عام ۱۹۹۸م عند ما قامت باكستان بالتجربة النووية ومنذ شهر نوفمبر ۱۹۹۹م زار عديد من المسؤولين اليابانيين رفيعي المستوى إسلام آباد للضغط عليها بشأن توقيع المعاهدة، كان آخرها قيام يوشي موري بزيارة قصيرة الإسلام آباد في شهر أغسطس.
مجالات المناورة:
هل تملك باكستان مجالًا واسعًا للمناورة بشأن المسألة النووية؟
إن قبول باكستان بالضغوط يعني جلب المعونات الاقتصادية والقروض التي هي بحاجة ماسة إليها؛ حيث إنه سيحل زمن تسديد مبلغ ٤.٢ بلايين دولار لناديي باريس ولندن في ديسمبر من هذا العام وهي بحاجة إلى إعادة جدولة تلك الديون، حيث إن الحكومة عاجزة عن تسديدها. وبذلك فإن باكستان تقف أمام معضلة اقتصادية «شريحة واسعة من المحللين يرون أنه يجب على باكستان البحث عن طرق أخرى لتوفير السيولة. فبغض النظر عن الضغوط والظروف، فإن الديون الخارجية تجلب الويلات، ولاسيما في ضوء حقيقة أن دول الثماني الغنية رفضت إلغاء إعفاء فوائد الديون في اجتماع قادتها في طوكيو هذا العام». إن توقيع الاتفاقية نافع للأمد القريب؛ حيث تحل المشكلات الاقتصادية، ولكن في المدى البعيد سوف تضع البلد في مهب العواصف السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
رابعًا- القضية الأفغانية:
كانت الاستراتيجية الباكستانية تجاه هذه القضية الحساسة دومًا غامضة، بل مجهولة فبينما تشكو باكستان من المشكلات الناتجة من الحرب الأهلية الأفغانية تبدي قليلًا من الاهتمام عندما يشرع الأفغان بأنفسهم مشروعًا للسلام، كما حدث في مشروع «لويه جركه» الذي طرحه الملك الأفغاني السابق محمد ظاهر شاه، الذي يتوقع فشله! إذا لم تدعمه باكستان. ومما لا شكّ فيه أنه كلما طال أمد الحرب في أفغانستان تعسر تشكيل الحكومة في أفغانستان وأضر ذلك باكستان ويتفق المحللون الأفغان والباكستانيون على أن باكستان والمخابرات الباكستانية «ISI» وحتى الأحزاب السياسية والأفراد سيستمرون بحماية طالبان بالسلاح والمال وعلى صعيد آخر يرى رأي آخر أن باكستان لاتزال تعاني من فقدان موقف سياسي واضح حيال القضية الأفغانية، مما تسبب بالفعل في شطر المجتمع الأفغاني وتحولت أفغانستان إلى ولاية خامسة لباكستان تتكئ عليها في كل شيء.
وعلى العكس من القضية الكشميرية، فإن الرأي العام الباكستاني يتماشى مع البحث عن حل للقضية الأفغانية في أسرع وقت ممكن والتخلص من عبء الأفغان والغريب أن أفراد الشعب الأفغاني بالرغم من إقامتهم في باكستان قرابة عقدين من الزمن لايزال عندهم الانتماء الوطني قويًّا، وهم يكنون الكره للسياسيين الباكستانيين ويعتبرونهم امتدادًا للمستعمرين الأجانب.
ومن جراء استمرار الحرب في أفغانستان، لم تستطع باكستان حتى الآن الانفتاح على بلاد آسيا الوسطى، بل وبالعكس تمت عند بلاد آسيا الوسطى كراهية سياسية ضد باكستان لاعتقادهم أنها موالية لطالبان.