العنوان باكستان حركة «المهاجر» القومية
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997
مشاهدات 86
نشر في العدد 1264
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 26-أغسطس-1997
بقلم: الدكتور مجيب أفضل
باحث بمعهد الدراسات الاستراتيجية في إسلام آباد
ترجمة عمر ديوب
- المهاجرون يرون أنفسهم سلالة الأجداد الذين ضحوا بكل غالٍ في سبيل استقلال باكستان، واليوم تتجاهلهم كل مؤسسات البلاد
- أخطأت حركة «مهاجر» القومية باللجوء إلى العنق، ولكنها مارست أيضًا – ولا تزال – التحالفات السياسية وصولًا إلى المشاركة في السلطة
يعكس ظهور حركة المهاجر القومية الخلل الموجود في عملية بناء الدولة الباكستانية، ذلك أن الدولة قد عجزت عن إيجاد هوية وطنية تتيح لمختلف الجماعات التي يتكون منها الشعب الباكستاني العيش في انسجام ووئام وتقاسم الموارد الوطنية. كما أن هيكل الدولة الذي يسيطر عليه الطابع العسكري والبيروقراطي والإقطاعي لا يتناسب وتطلعات الطبقة الوسطى الصاعدة من سكان المدن المثقفين.
وتتألف حركة المهاجر من أحفاد المسلمين المهاجرين إلى باكستان في أعقاب استقلالها قادمين من دلهي وأوتار براديش وبيهار ومناطق أخرى من جنوب شبه القارة الهندية، وكان هؤلاء المهاجرون منحدرين من المناطق الحضرية التي تقطنها الطبقة الوسطى المثقفة، وقد استقر أكثر من مليون مسلم منهم في مدينة كراتشي التي كانت آنذاك العاصمة الفيدرالية لباكستان، الأمر الذي أدى إلى حدوث تغير في وتيرة نموها السكاني؛ لتتحول إلى أكبر مدينة باكستانية على الإطلاق، وكانت الثقافة السائدة في كراتشي عند مجيء المهاجرين قد اتسمت بالطابع الإقطاعي والقبلي على عكس ثقافة المهاجرين الذين استفادوا من الفرص التعليمية والاقتصادية التي توافرت في العاصمة؛ حيث كونوا العمالة الإدارية والفنية والمهنية المدربة التي كانت الدولة الوليدة بأمس الحاجة إليها، بل كانوا يسيطرون على الوظائف الحكومية إلى وقت قيام الانقلاب الأول في عام 1958م.
وإثر هذا الانقلاب، تم نقل العاصمة الفيدرالية إلى إسلام آباد، ومن ثم أصبح أفراد الجيش والبيروقراطيون والإقطاعيون مسيطرين على الساحة الوطنية، وفجأة وجد المهاجرون أنفسهم في مواجهة مع هذا الثلاثي.
وفي عام 1971م أصبح ذو الفقار علي بوتو وهو إقطاعي من السند، أول رئيس للوزراء، وانحاز في الحكم الصالح إقليم السند الريفي، وشعر المهاجرون آنذاك بالعزلة السياسية والثقافية التي فرضها عليهم الساسة الباكستانيون والمجتمع الباكستاني كذلك.
ويتسم المهاجرون بتمسكهم القوي بالهوية الإسلامية، لكن لم يكن من الممكن أن يستمروا في البقاء بمعزل عن الآخرين بحجة التمسك بهذه الهوية، وتضم باكستان خمسة أقاليم هي: البنجاب، والسند، والحدود الشمالية الغربية، ويلوشيستان، وشرق الباكستان بنجلاديش حاليًا؛ حيث النزعات الإقليمية قوية أيضًا، وتوجد في بعض الأقاليم حركات عرقية، وقد تمكن سكان بنجلاديش في عام 1971م من إقامة دولة مستقلة لهم باسم بنجلاديش بمساعدة الهند.
وفيما بعد طالب الساسة في مختلف الأقاليم بأن يقسم حصر الجماعات العرقية في أربع جماعات إثنية فقط، ثم مارسوا ضغوطًا على المهاجرين لدفعهم إلى إذابة هويتهم في قالب الثقافة السائدة في إقليم السند، الأمر الذي رفض المهاجرون قبوله، وعلاوة على ذلك، فقد ساهم القرار الذي اتخذ في عام 1973م، والذي يقضي باعتبار اللغة السندية اللغة الرسمية في إقليم السند، بالإضافة إلى قرار آخر بشأن تحديد الحصص في الوظائف الحكومية والمؤسسات التعليمية بين المناطق الحضرية والريفية بنسبة 60 إلى 40% ساهما في إضعاف نفوذ المهاجرين على الصعيد الفيدرالي والإقليمي.
ويشكل المهاجرون في الوقت الراهن 60% من سكان مدينة كراتشي حسب ما يؤكده غير المنتمين إلى المهاجرين و80% حسب ما يؤكده المهاجرون أنفسهم، في حين تتألف النسبة المتبقية من المنحدرين من أصول بنجابية وباثانية وبلوشستانية وسندية إلى جانب عدد قليل ينحدرون من أصول أفغانية وسنغالية وبورمية، ويواجه المهاجرون اليوم منافسة شديدة في فرص العمل والأعمال التجارية، ويسيطر الباثانيون على مجال النقل والمواصلات، في حين يسيطر البنجابيون على قطاعي التجارة والصناعة، أما البنغاليون والبورميون فمن نصيبهم الوظائف المتدنية، وكان المهاجرون الذين يعتبرون كراتشي دار هجرة لهم رافضين تدفق الوافدين إلى هذه المدينة، وقد شهد عام 1986م اندلاع أعمال عدائية عنيفة تسببت فيها جماعة من المهاجرين الذين قاموا بإضرام النار في باص دهس فتاة تنتمي إلى المهاجرين، وكان يقوده شخص ينتمي إلى الباثان، كما أدى وجود عصابات المخدرات والسرقة إلى تأزم الوضع في المدينة، وبالتالي أدى وقوع عمليات الاقتتال ما بين الأقليات العرقية والتنظيمات الطائفية إلى تصاعد أعمال العنف.
وقد شهدت الثمانينيات تنامي شعور المهاجرين بالحرمان، مما أدى إلى تبني نزعة إقليمية للتعبير عن شكواهم؛ حيث قاموا بإنشاء حركة أطلقوا عليها حركة المهاجر القومية بزعامة السيد ألطاف حسين الذي سبق أن كان ناشطًا في حركات طلابية.
وقد تحولت حركة المهاجر القومية في البداية إلى منظمة ينضوي تحت لوائها كافة الطلبة المهاجرين في باكستان، وتم تأسيسها في جامعة كراتشي في عام 1978م، وكان ضمن مطالبها اعتبار المهاجرين قومية مستقلة من بين الأقليات الإقليمية الموجودة في شبه القارة الهندية، كما طالبت أيضًا بأن يشكل كافة المسلمين المهاجرين إلى باكستان من أقاليم أخرى في شبه القارة الهندية غير مجاورة لباكستان جماعة عرقية مستقلة.
وقد أصدرت حركة المهاجر القومية بيانًا رسميًّا مكونًا من 25 نقطة تطالب فيه بإيجاد حلول للمعضلات التي يواجهها المهاجرون، وجسد هذا البيان الأفكار التي ينادي بها المهاجرون:
أولًا: الحد من تدفق سيل الوافدين الجدد إلى كراتشي من خلال المطالبة بقصر منح شهادتي إثبات السكن والهوية على من سبق لهم الإقامة في المدينة طوال فترة لا تقل عن عشرين عامًا.
ثانيًا: تلبية احتياجات الشباب المهاجرين من خلال المطالبة بحصر الأحقية في شغل الوظائف المحلية عليهم، وعدم توظيف غير الساكنين في كراتشي للعمل في الوظائف الحكومية في المدينة، وإعادتهم إلى الأقاليم التي قدموا منها، كما طالبت الحركة بأن يقتصر حق شغل الوظائف المتوافرة لدى الوحدات الصناعية الموجودة في المدينة على السكان المحليين فقط، وإعطاء الأولوية للمتقدمين لطلب العمل في المؤسسات التعليمية لأبناء المهاجرين، كما طالبت أيضًا بعدم منح الوافدين حق التصويت في كراتشي.
ثالثًا: طالبت الحركة بأن يتم التأكيد من خلال نتيجة الإحصائيات الحديثة على نسبة السكان المهاجرين مقابل نسبة السكان من القومية السندية.
رابعًا: أن يتم اعتبار المهاجرين كقومية مستقلة في شبه القارة الهندية. خامسًا: أن تعطى للحكومة المحلية صلاحية رفع الضرائب.
وأخيرًا بما أن الحركة حريصة على تخليد أبطالها القوميين، فقد طالبت بأن يتم الاحتفال على المستوى الوطني بالذكرى السنوية لرحيل زعيم حركة الحرية الباكستانية الذي ينتمي إلى المهاجرين.
وتقوم الاستراتيجية السياسية لحركة «مهاجر» القومية على أربع ركائز:
أولًا: اعتبار المهاجرين ضحايا للتفرقة، وقد اتسمت الحملة التي قامت بها الحركة بالتنظيم الجيد والفعالية؛ حيث ركزت على التأكيد على أن المهاجرين هم سليلو الأجداد المسلمين الذين ضحوا بالغالي والنفيس أكثر من أي طائفة أخرى من أجل إقامة الدولة الباكستانية. وأصبحوا محرومين من نصيبهم من النفوذ الاقتصادي والسياسي.
ثانيًا: حاولت الحركة أن تضم إلى صفوفها القوميين من السند من أجل التصدي لنفوذ البنجابيين والباثان في السند، وأعلنت نفسها المدافع عن حقوق كافة سكان السند، لكنها أخفقت في تلك المحاولة نتيجة عدم رغبة القوميين السنديين في قبولهم كقومية مستقلة.
ثالثًا: سعت الحركة إلى كسب تأييد المؤسستين المدنية والعسكرية اللتين كانتا بحاجة إلى كسب تأييد الحركة لهما أثناء فترة حكم الجنرال ضياء الحق لمواجهة القاعدة الشعبية لحزب الشعب الباكستاني «حزب بوتو» والنزاعات القومية للقوميين السنديين، وهناك من يزعم بأن وكالة الاستخبارات العسكرية ووكالة الاستخبارات المشتركة «ISI» قد قدمتا لحركة المهاجر القومية مبالغ طائلة من أجل دعمها في حملتها.
رابعًا: مارست الحركة أساليب العنف من أجل كسر شوكة مناوئيها والمحافظة على النظام داخل صفوفها.
وقد تمكنت الحركة من تنظيم حملة انتخابية على نحو فعال؛ حيث رفعت شعارات جذابة مكنتها من تحقيق فوز كاسح في كل انتخابات تجرى منذ عام 1988م باستثناء الانتخابات الأخيرة التي أجريت في عام 1997م الحالي.
وقد شكل المهاجرون حكومة ائتلافية مع كل من حزب الشعب الباكستاني، ورابطة المسلمين الباكستانيين، لكن لم يساعدها تقاسم السلطة مع هذين الحزبين في تنفيذ ما ورد في بيانها الرسمي، كما تحالفت الحركة في عام 1988م مع الحكومة المؤلفة من أعضاء حزب الشعب الباكستاني في وسط باكستان وفي إقليم السند. لكنه لم يكتب لهذا التحالف النجاح نظرًا لعدم اكتراث الأعضاء من القوميين السنديين المتطرفين، بزملائهم من المهاجرين، ولم تلبث الحركة أن انضمت إلى الائتلاف المكون من تسعة أحزاب، وسيطر عليه حزبي رابطة المسلمين الباكستانيين والاتحاد الجمهوري الإسلامي بزعامة نواز شريف، وقد تمكنت الحركة من الدخول في الحكومة الائتلافية التي شكلت في أعقاب الانتخابات التي أجريت في عام 1990م، والمؤلفة من أعضاء في حزب الاتحاد الجمهوري الإسلامي، وأعضاء من وسط الباكستان وإقليم السند، وعلى مستوى المدينة، وتمكنت الحركة من فرض سيطرتها الكاملة على مدينة كراتشي بيد أنها فشلت في إحلال السلام فيها، وقد وجهت بعض الاتهامات إلى الحركة بأنها كانت وراء أعمال العنف الموجهة ضد منافسيها، ولم ينج الضباط في القوات المسلحة من حملات الاختطاف والتنكيل حتى الموت، مما دفع رئيس الوزراء نواز شريف إلى إصدار أوامر للجيش بالتدخل من أجل التصدي لمرتكبي الأعمال الإجرامية في المناطق الحضرية والريفية في إقليم السند، وذلك استجابة لضغوطات فرضها الجيش والحكومة المحلية في إقليم السند.
وقد شن الجيش حملة تطهير واسعة في 23 مايو 1993م في المناطق الريفية وفي 19 يونيو من السنة نفسها في المناطق الحضرية في إقليم السند، وتمكن من فرض حالة السلام في المدينة بصفة مؤقتة حتى انسحابه منها في أكتوبر عام 1994م، وقد استهلت الحكومة المؤلفة من أعضاء في حزب الشعب الباكستاني عملية إعادة السلام إلى المدينة في أعقاب انتخابات عام 1993م، وذلك بمساعدة دوائر تنفيذ الأحكام المدنية وتحالف المهاجرون مع رابطة المسلمين الباكستانيين في الانتخابات الأخيرة، وأصبحوا اليوم طرفًا في السلطة الحاكمة في وسط باكستان، وفي إقليم السند، ولم تظهر بعد المكاسب التي جنوها من هذه التشكيلة الجديدة. ويعتبر ظهور النزعة القومية لدى المهاجرين نتيجة لفشل هيكل الدولة الباكستانية على التكيف مع الطبقة الوسطى الصاعدة من المثقفين المهاجرين؛ حيث باتت هذه الطبقة تؤكد على مطالبها الاقتصادية والسياسية على ضوء المكونات العرقية في إقليم السند، ومن الصعوبة بمكان استشراف توقف أعمال العنف في مدينة كراتشي، ذلك أن المعضلات متشعبة ومعقدة، وتتنافس الطبقة الوسطى والعاملة من المهاجرين مع الجماعات العرقية الأخرى على الحصول على مكاسب سياسية والاستفادة أيضًا من الموارد الاقتصادية المحدودة لمدينة كراتشي، وتتجاهلهم مختلف المؤسسات في البلاد؛ سواء الجيش أو الإدارات الحكومية أو الإقطاعيين، وتعمد هذه المؤسسات في بعض الأحيان إلى ممارسة أساليب القمع ضدهم من أجل إحكام قبضتها على زمام السلطة.
إن مستقبل مدينة كراتشي ملبد بالغيوم ما لم تفكر كافة القوى المعنية بالأمر في الجلوس معًا لإيجاد نظام حكم عادل وجامع، تتساوى فيه كافة طبقات الشعب الباكستاني من حيث الاستفادة من موارد البلاد.