العنوان باكستان ترفض استقرار أفغانستان تحت النفوذ الأمريكي والهندي.. لماذا؟
الكاتب مصباح الله عبدالباقي
تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2005
مشاهدات 85
نشر في العدد 1669
نشر في الصفحة 33
السبت 17-سبتمبر-2005
المقاومة نشطت والهجمات زادت لإفشال الانتخابات البرلمانية
المقاومة بدأت في اختطاف المرشحين للانتخابات واغتيالا لعلماء المؤيدين لحكومة قرضاي
خيبة أمل باكستانية بعد توقيع أمريكا اتفاقية التعاون العسكري مع الهند
حكومة قرضاوي ترى أن لباكستان دورًا كبيرًا في تدهور الأوضاع الأمنية
تبديد أموال إعادة الإعمار على يد الشركات الأجنبية دون تخطيط مسبق من الحكومة
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أن الانتخابات البرلمانية لتشكيل البرلمان المركزي والبرلمانات الإقليمية في أفغانستان يوم ١٨ من سبتمبر الجاري وسيلة دعاية للمشروع الأمريكي في العالم الإسلامي، لأن أمريكا تقدم أفغانستان نموذجًا للنجاح الأمريكي في مشروعها للعالم الإسلامي وتحاول أن تؤكد أنها استطاعت أن تخرج أفغانستان من حالة الفوضى وتوصلها إلى حالة الاستقرار في ظل الحكومة المنتخبة.
أستاذ مساعد بالجامعة الإسلامية العالمية -إسلام آباد
قوى المعارضة الأفغانية تؤكد أن واشنطن لا هم لها سوى الدعاية لمشروعها، ولأجل ذلك لا تهتم أمريكا بإعادة تعمير البنية التحتية للاقتصاد الأفغاني، ولا تهتم بتوفير تسهيلات الحياة من العلاج والتعليم والكهرباء ومياه الشرب وغيرها للشعب الأفغاني، وتبدد الأموال من غير حساب في الأمور التي تستفيد منها في الدعاية لمشروعها، مثل الاهتمام بالأعمال التي تظهر أنها استطاعت أن تغير وضع المرأة الأفغانية ومن أوضاع الشباب، ومن هنا تريد القوى المعارضة للتواجد الأمريكي إفشال عملية الانتخابات، ومن ثم فقد ازدادت الهجمات على القوات الأمريكية المتواجدة إلى جانب تعرض الأهداف الحكومية العسكرية والمدنية لهجمات المعارضة في ثلاثة أو أربعة أشهر ماضية.
هجمات المقاومة
تنوعت تلك الهجمات، فمنها الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية ومنها الهجمات التي تتم على مراكز الجيش الوطني والشرطة الأفغانية، ومنها الهجمات التي تتعرض لها الأهداف المدنية والشخصيات القيادية في الحكومة الأفغانية.
كما تتعرض القوات الأمريكية، وقوات الدول المتحالفة معها في حربها ضد ما تسميه الإرهاب. باستمرار الهجمات صاروخية على مواقعها في ولايات قندهار، وخوست وبكينا وزابل وغيرها من الولايات الجنوبية والجنوبية الغربية المتاخمة للحدود الباكستانية، وكذلك تتعرض الشاحنات التي تحمل المواد التموينية والوقود من مختلف الموانئ الباكستانية للقوات الأمريكية وقوات الدول المتحالفة مع أمريكالهجمات مستمرة.
وقد ازدادت هذه الهجمات في الآونة الأخيرة إلى درجة أن خسائر الجيش الأمريكي ارتفعت بشكل ملحوظ جدًا، فلا يمر يوم إلا وتطلعنا وسائل الإعلام بأخبار عن الخسائر في الأرواح للجيش الأمريكي، واضطرت أمريكا.بسبب كثرة الخسائر - إلى أن تشكل لجنة لتبحث عن أسباب هذا التصعيد المفاجئ، فقد أعلن العقيد جيمز باندز الناطق الرسمي باسم القوات الأمريكية يوم ١٣ يونيو ٢٠٠٥م عن تشكيل اللجنة وأضاف: «إن من أهداف تشكيل هذه اللجنة تحديد أسباب زيادة هجمات المعارضين وأنها ستحدد من يقف وراء هذه الهجمات، وهل السبب في ذلك تدخل الجهات الخارجية والأجنبية؟ أم أن المعارضة تريد إفشال عملية الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها بعد أيام قليلة»..
وكان من أخطر هذه الهجمات الهجوم الذي نفذته المقاومة في مديرية «وته بور» بولاية كونر الشرقية يوم ١٣ يوليو ٢٠٠٥م حيث أسقطت طائرة هليكوبتر تابعة للجيش الأمريكي وقتل جميع ركابها وعددهم عشرون شخصًا، وكانت الطائرة المذكورة ضمن القوات التي أرسلت لإنقاذ مجموعة مكونة من سبعة أشخاص من الجنود الأمريكيين المفقودين في معركة مع المقاومة. وقامت الطائرات الأمريكية على إثرهابقصف عدد من قرى المنطقة وأبادتها وقتلت جميع من فيها وألقت الطائرات الأمريكية منشورات على مناطق واسعة في ولاية كوثر تهدد سكان الولاية أن يخرجوا محمد إسماعيل. الشخص الذي تعتبره القوات الأمريكية قائد المجموعة التي نفذت العمليات الأخيرة من المنطقة وإلا فسيتعرضون لعواقب وخيمة.
إلى جانب ذلك تتعرض مراكز الجيش الوطني الذي يجري تدريبه حاليًا من قبل القوات الأمريكية في الولايات الجنوبية والجنوبية الغربية مثل ولاية خوست وولاية بكتيا وولاية زابل وولاية هلمند، وغيرها من الولايات، وتتعرض قوات الشرطة أيضًا للهجمات المستمرة، وكذلك تتعرض مراكز المديريات في بعض الولايات، وقد تم اختطاف مسؤولي المديريات مع مجموعة من رجال الشرطة أكثر من مرة في أكثر من منطقة. وبدأت المقاومة الآن في اختطاف المرشحين للانتخابات، فقد اختطفت مجموعة منهم في ولاية قندهار قبل أيام، وأعلنت يوم ٢ سبتمبر الجاري أنها قتلت جميع هؤلاء، كما تعرض مجموعة منهم في ولاية غزني والولايات الجنوبية الأخرى لهجمات مماثلة، كما ركزت المقاومة في الشهور الأخيرة على اغتيال العلماء المؤيدين لحكومة حامد قرضاي، وخاصة في المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية، واغتالت خمسة منهم في الشهور الماضية.
وهناك جهات تقوم بتنفيذ الهجمات على القوات الأمريكية والقوات الحكومية الأفغانية، وهي:
1. حركة طالبان
وهي أقوى الجهات في المقاومة، وتعتبر أكبر قوة معارضة للقوات الأمريكية في أفغانستان وللحكومة الأفغانية الحالية؛ لأنها تملك إمكانات ضخمة، وقوة بشرية كبيرة. ولم يؤثر على قوتها انفصال بعض الشخصيات الضعيفة التي أعلنت انفصالها بعد سقوط حكومة طالبان، وشكلوا منظمة باسم خدام الفرقان أو الذين انفصلوا عنهم فرادى.
لكن يبدو أن عمل طالبان يقتصر في القيام بالمواجهات المكشوفة -في الغالب- مع القوات الأمريكية في ولاية قندهار، وولاية هلمند وولاية خوست وولاية بكتيا، وولاية «أرزجان» مسقط رأس الملا محمد عمر زعيم حركة طالبان، وهذه المواجهات المكشوفة توافق طبيعة جنودها؛ لأنها لا تتقن التكتيكات الحربية والفنون القتالية الأخرى، ولذلك كانت تعتمد على المشاة وعلى القتال المباشر في معاركها ضد معارضيها في عهد حكومتها.
2- تنظيم القاعدة
مازال يقوم بدور في المقاومة والعمليات المسلحة في أفغانستان، ويبدو أنه تمكن من تجنيد مجموعة كبيرة من الأفغان والباكستانيين، واستعاد عافيته بعد أن فقد مجموعة كبيرة من جنوده وأتباعه في المعارك الأولى وفي حملات الاعتقال المختلفة، والدليل على تمكنه من تجنيد مجموعة من الأفغان والباكستانيين، إن تكتيك الهجمات الانتحارية لا تتقنها الجهات الأفغانية: لا حركة طالبان ولا الحزب الإسلامي، بل الهجمات الانتحارية بعيدة كل البعد عن طبيعة الشعب الأفغاني، ولذلك لا تجد عملية استشهادية واحدة قام بها أفغاني طوال فترة الجهاد ضد القوات السوفييتية والحكومة الشيوعية.
ومن هنا يغلب على ظن المحللين أن تكون الهجمات الانتحارية التي تنفذ في أفغانستان من عمل تنظيم القاعدة، وكل من يقوم بهذه العمليات يكون من جنودها، وقد ادعت الحكومة الأفغانية أكثر من مرة أنها اعتقلت مجموعة من الأفغان والباكستانيين كانوا يحاولون القيام بالعمليات الانتحارية، بل قد نفذ بعض الأفغان بعض هذه الهجمات، فهذا يدل على أن تنظيم القاعدة تمكن من تجنيد مجموعة كبيرة من الأفغان والباكستانيين، إلى جانب هذه العمليات يبدو أن تنظيم القاعدة موجود في الولايات الجنوبية مثل «خوست و بكتيا» و«بكتيكا، وغيرها .
3- الحزب الإسلامي:
وهو الجهة الثالثة التي نشطت في عملية المقاومة بزعامة قلب الدين حكمتيار، لكن لم يعد الحزب الإسلامي بتلك القوة التي كان عليها في فترة الجهاد ضد الاتحاد السوفييتي حيث كان يعتبر أقوى الأحزاب الجهادية في تلك الفترة، وذلك لأن مجموعة كبيرة من المنتمين إلى الحزب الإسلامي لم يتبعوا حكمتيار في دعوته إلى الجهاد المسلح ضد القوات الأمريكية في أفغانستان، ويرون أن العمل السياسي هو المنهج الصحيح لإنقاذ أفغانستان، ويسعون لتسجيل حزب سياسي باسم الحزب الإسلامي، وقد رشح عدد من أعضاء الحزب الإسلامي أنفسهم المقاعد البرلمان المركزي وللبرلمانات الإقليمية. وبقي مع حكمتيار مجموعة من الشباب المخلصين له، ولذلك لا تجد له دورًا كبيرًا في المقاومة الحالية، ولكن يبدو مع ذلك أن الحزب الإسلامي يقوم ببعض العمليات النوعية مثل تفجير الشاحنات العسكرية والقوافل التموينية وقصف المراكز العسكرية ومقرات القوات الأمريكية بالصواريخ، ويقوم بتوفير المعلومات الاستخباراتية التي تحتاج إليها طالبان والجهات الأخرى، وذلك بحسب خبرة الحزب الإسلام يفي هذه المجالات.
إفشال الانتخابات:
يرى المحللون العسكريون الأمريكان والمحللون التابعون لقوات الأمن التابعة للأمم المتحدة أن سبب نشاط المقاومة وزيادة هجماتها في هذه الآونة بالذات هو إفشال عملية الانتخابات، ومن هنا زاد حلف الناتو- الذي يقود قوات الأمم المتحدة حاليًا. عدد قواته في أفغانستان، وطلب من أمريكا أن تزيد عدد قواتها حتى لا يرد الخلل في إجراء الانتخابات البرلمانية، لكن المحللين الآخرين يرون أن أسباب زيادة هجمات المقاومة لا تنحصر في إفشال عملية الانتخابات، بل هناك أسباب أخرى متنوعة ومتعددة منها عندما هاجمت أمريكا حكومة طالبان قبل أربع سنوات تقريبًا كان الهجوم مصحوبًا بدعاية كبيرة للماكينة الحربية الأمريكية، وقد شلت هذه الدعاية تفكير كثير من الناس، وفي نفس الوقت استخدمت أمريكا في القصف الجوي قمة أسلحتها التقليدية مثل قنابل «ديزي جتر».
وملأت السجون والمعتقلات بالأبرياء، فساد لدى عامة الناس التفكير بأن أمريكا لا تقاوم لكن لما تقادم العهد، وخرج الناس من المعتقلات الأمريكية بإهانات كبيرة وواجهت طالبان القوات الأمريكية ظهرت للناس حقيقة الدعاية الأمريكية، إلى جانب ذلك لما رأى الناس مقاومة الشعب العراقي وما تلقته أمريكا من ضربات موجعة على أيدي الشعب العراقي أيقظ ذلك هممهم.
وعندما سقطت حكومة طالبان، وتولت الإدارة الحالية زمام الأمور بيدها في مؤتمر «بون» كان المجتمع الدولي - وعلى رأسه أمريكا - قد وعد بأنه سيقدم مساعدات كبيرة لإعادة تعمير أفغانستان، وقد قدمت بعض المبالغ بالفعل، لكن لم يزدهر اقتصاد أفغانستان كما توقع الشعب، وذلك لأن الأموال صرفت عن طريق الشركات الأجنبية ومؤسسات غير حكومية وقد قامت تلك المؤسسات والشركات بالمشاريع التي تراها مناسبة لها دون تخطيط مسبق من قبل الحكومة ما أدى إلى تبديد الأموال دون أن يكون هناك إعادة بناء حقيقية للبنية الاقتصادية الأفغانية، وقد أدى ذلك إلى الاستياء العام، وأعطى ذلك نوعًا من المصداقية للمعارضة.
الدور الباكستاني
ترى حكومة قرضاي أن باكستان لها دوركبير في تدهور الأوضاع الأمنية، ويتهم المسؤولون الكبار في الحكومة الأفغانية حكومة باكستان بمساعدة حركة طالبان وتسليحها وإرسالها إلى أفغانستان، ويتحدثون عن إستراتيجية محددة للدول المجاورة لإثارة القلاقل والفوضى من جديد في أفغانستان.
وقد صرح، جاويد لودين، الناطق الرسمى باسم الرئيس الأفغاني حسب ما نقلته إذاعة «BBC» يوم ۲۸ يونيو الماضي: «أن الإرهابيين يتلقون السلاح والمعدات والمبالغ الكبيرة من وراء الحدود الأفغانية، وأنهم يتلقون كل أنواع المساعدات التي يحتاجون إليها من قبلهم».. في إشارة صريحة إلى باكستان.
كما تحدث «صبغة الله المجددي». أول رئيس أفغاني بعد سقوط الحكومة الشيوعية ورئيس لجنة المصالحة الأفغانية حاليًا. يوم السبت ١٦ يونيو ٢٠٠٥م حسب ما نقلته عنه إذاعة إيران عن تدخل باكستان في الشؤون الأفغانية في كلمة له ألقاها في مسجد يعقوب خان بمدينة كابول، قال فيها:«يملك الإرهابيون مراكز في باكستان»، وطلب من المجتمع الدولي أن يتعرف على هذه المراكز، وأن يقضي عليها وأضاف قائلًا: إن الأعداء يدخلون إلى افغانستان من باكستان ويدمرون المدارس ومؤسسات الدولة ومنازل سكنية للناس، وأنه يربى الإرهابيون في باكستان ويسلحون ثم يرسلون إلى أفغانستان.
ويرى المحللون الأفغان أن باكستان تريد أن تستفيد من تصعيد عمليات المعارضة الأفغانية في علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، كما تريد أن تبلغها رسالة بأنها تستطيع أن تثير لها المشكلات في أفغانستان في حالة التجاهل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لأن القيادة الباكستانية أصيبت بخيبة أمل كبيرة عندما وقعت أمريكا اتفاقية التعاون العسكري والدفاع المشترك يوم ٢٩ يونيو من العام الجاري مع الهند لمدة عشر سنوات، ووقع عليها وزراء دفاع البلدين، وقدمت بها تسهيلات كبيرة للهند في مجال الدفاع، ورفعت بها الحظر عن الهند في استيراد التقنيات العسكرية الحساسة الأمريكية، وذلك لأن القيادة الباكستانية قدمت لأمريكا كل ما في وسعها من المساعدة في حربها ضد ما تسميه بالإرهاب، لكن أمريكا تجاهلتها عند توقيعها مثل هذه الاتفاقية مع الهند التي تعتبرها باكستان عدوها الإستراتيجي.
إلى جانب ذلك يرى المحللون أن علاقات الحكومة الأفغانية وطيدة بالهند، وقد اتهمت باکستان الهند بإثارة المشكلات في إقليم بلوشستان الباكستاني منذ شهور قليلة مضت وقالت: إن السفارة الهندية في أفغانستان وقنصلياتها في مختلف المدن الأفغانية وخاصة في المدن القريبة من الحدود الباكستانية تخطط لإثارة المشكلات والاضطرابات داخل الأراضي الباكستانية، وتمول الثوار وتشتري لهم الأسلحة. ويرى هؤلاء المحللون أن الساسة الباكستانيين لا يريدون أن تستقر أفغانستان تحت النفوذ الأمريكي والهندي؛ لأنها ستهدد بذلك مصالحها الحيوية، ومن هنا تريد عن طريق مساعدة المعارضة أن تصعد العمليات العسكرية، وكانت السياسة الباكستانية تجاه افغانستان مبنية على أن يكون النظام الحاكم فيها تابعًا لها في كل الأمور، وكل من يحاول أن يستقل عنها ضرب من قبلها، وبذلك تعرضت الحكومات الأفغانية بعد سقوط الحكومة الشيوعية لاستبدالات متكررة
ومع اختلاف الأسباب حول التصعيد الحالي للمقاومة، فإن استمرار العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الأمريكي يهدف إلى أن يصيب تلك القوات باليأس والإحباط ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى إخراجها من أفغانستان، ولكن المعركة في الحقيقة هي معركة الإرادة والعزيمة، وسيغلب فيها أقوى الجهتين إرادة وأمضاهما عزيمة..