; باكستان - الكل يحمل نواز مسؤولية الانقلاب.. وينتظر حلا دستوريا | مجلة المجتمع

العنوان باكستان - الكل يحمل نواز مسؤولية الانقلاب.. وينتظر حلا دستوريا

الكاتب سامر علاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 55

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

  • استعدى نواز شريف الجميع فلم يحزن عليه أحد عند رحيله

  • استمرار البرلمان الحالي وعدم حله يمكن أن يمثل مخرجًا من الأزمة بأن يقوم البرلمان بانتخاب حكومة جديدة

عادت الحياة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد والمدن الأخرى إلى طبيعتها بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على الانقلاب الذي أطاح بحكومة شريف، ويترقب المواطنون- الذين عبروا عن ارتياح عام- الخطوة التالية التي سيقدم عليها قادة الانقلاب.

الفريق الأول برويز مشرف- رئيس أركان الجيش الذي أطاح بحكومة شريف- خاطب الباكستانيين في وقت مبكر من صباح الأربعاء الماضي، واتهم شريف بتعريض وحدة البلاد للخطر، وتسييس المؤسسة العسكرية، وأضاف أنه قام بخطوته لمنع المزيد من التدهور الذي تشهده البلاد على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ولم يكشف مشرف طبيعة النظام في المرحلة المقبلة، كما تجنب الحديث عن المستقبل السياسي للبلاد، وكيفية استعادة الحياة الديمقراطية وتفعيلها.

المراقبون للتغيرات في باكستان يرون في استمرار البرلمان الحالي وعدم حله مخرجًا للمأزق الراهن، ومن المتوقع أن يقوم البرلمان بانتخاب حكومة جديدة تقوم بتسيير البلاد في المرحلة المقبلة، وخاصة أن عددًا غير قليل من النواب كانوا تخلوا عن شريف في ما يشبه الانقلاب السياسي الصامت داخل الحزب الحاكم.

وفي شوارع إسلام أباد الهادئة، عكس المواطنون ارتياحًا واضحًا للتغيرات ولعودة الحياة إلى طبيعتها، باستثناء مظهر وحيد هو إقفال البنوك أبوابها بناء على أوامر البنك المركزي خوفًا من تهريب رؤوس أموال إلى الخارج. 

وقد أكدت مصادر دبلوماسية للمجتمع أن الجيش يجري اتصالات ومشاورات مع قادة سياسيين من أجل الخروج من الأزمة، كما قالت مصادر أخرى إن قادة الجيش يمارسون ضغوطًا واسعة على نواز شريف لإجباره على الاستقالة من أجل فتح المجال أمام تغيير دستوري، وهو ما يعني أن القادة الانقلابيين لا يرغبون في حكم البلاد بشكل مباشر، وأنهم يحاولون إيجاد مخرج شرعي للوضع غير الدستوري الذي خلفه الانقلاب، وذلك من خلال البرلمان الذي يمكنه انتخاب حكومة جديدة، أو حجب الثقة عن الحكومة الحالية، إلا أنه لا يمكن حل البرلمان وفقاً للتعديلات الدستورية التي أجراها شريف إلا بتوصية من رئيس الوزراء يدعو فيها رئيس الدولة لحل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة، وهو ما يرفضه نواز حتى الآن على الرغم من الضغوط التي يتعرض لها.

مصادر المعارضة الباكستانية أعربت كذلك عن ارتياحها للتغييرات الجارية في إسلام آباد، معربة عن رغبتها في تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولم تبد الأحزاب السياسية استنكارها لحركة الجيش رغم تأكيد عدم رغبتها بنظام عسكري يحكم البلاد، ورأت الجماعة الإسلامية وجمعية علماء إسلام أن خطوة الجيش ضرورية، ولم يكن بد منها بعد أن أغلق شريف جميع الأبواب أمام أي تغيير دستوري أو قضائي بعد التغييرات الدستورية والقضائية الواسعة التي أجراها.

لم تتوقف قيادة الجيش الباكستاني عن تأكيداتها المتكررة منذ بداية أزمة كارجيل في كشمير مع الهند في مايو الماضي على جاهزيتها المطلقة، وقدرتها على الحفاظ على أمن البلاد، ورد أي عدوان على الأراضي الباكستانية، وهي التأكيدات نفسها التي اختتم بها رئيس أركان الجيش الفريق أول برويز مشرف بيانه الذي أعلن فيه إسقاط حكومة نواز شريف في وقت متأخر من ليلة الأربعاء الماضي الثالث عشر من أكتوبر.

وعلى الرغم من أن التغيير المفاجئ في قيادة الجيش العليا عندما أقال رئيس الوزراء المخلوع نواز شريف رئيس أركان الجيش، وعين مكانه رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الفريق خواجة ضياء الدين الذي رقي إلى رتبة فريق أول لتسلم منصبه الجديد، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إلا أنها عكست علاقات الجيش المتأزمة مع الحكومة منذ أزمة كارجيل، حيث لم يرض الجيش بالطريقة التي عالج بها نواز الأزمة عندما أعلن في واشنطن في يوليو الماضي سحب المقاتلين الكشميريين من المناطق التي سيطروا عليها شمال كشمير وسط غضب شعبي عارم واستياء واسع من قبل ضباط الجيش وقطاعاته المختلفة، حيث كان الوضع يتفاقم يومًا بعد يوم، وخاصة أن شريف فشل في تفعيل القضية الكشميرية دوليًا، كما تعهد بذلك بعد إعلان واشنطن معتمدًا على وعد الرئيس الأمريكي له بالتدخل شخصيًا، واستخدام نفوذه لحل المشكلة، إلا أن ذلك كله لم يحدث، وعانت القضية الكشميرية مرة أخرى من الإهمال.

 وقد أكدت مصادر صحفية في العاصمة الباكستانية أن نواز شريف قرر إقالة رئيس أركان الجيش برويز مشرف قبل شهر، وهو ما دفع بقيادات الجيش وضباطه الكبار إلى البقاء في حركة دؤوب لمتابعة التطورات؛ حتى انتهى قادة قطاعات الجيش في اجتماعاتهم المتواصلة في رولبندي مع رئيس الأركان إلى عزمهم على الإحاطة بنواز لإحباط أي محاولة لإحداث انقلاب داخل المؤسسة العسكرية، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار خبرات نواز شريف السابقة في مجال التعامل مع مؤسسات الدولة القضائية والتنفيذية والعسكرية، حيث سبق له أن أطاح برئيس المحكمة الدستورية العليا، وأجرى تغييرات واسعة في سلك القضاء، كما أطاح بالرئيس السابق فاروق ليجاري ورئيس أركان الجيش السابق جهانگير كرامت، والذي حل محله برويز مشرف رئيس الأركان الحالي، رغم وجود من هو أسبق منه وأكثر أحقية في هذا المنصب كما جرى العرف في باكستان.

مصادر عليا في الاستخبارات العسكرية الباكستانية أكدت للمجتمع أن فيلق راولبندي المدينة المحاذية لإسلام أباد بقيادة الجنرال محمد عزيز هو الذي تحرك للسيطرة على أجهزة الدولة العليا في العاصمة، حيث تحرك بسرعة بعد إعلان إقالة رئيس أركان الجيش، وتمكن خلال ساعتين من السيطرة على كل مؤسسات الدولة، بما فيها مبنى التلفاز والإذاعة والمطار والاتصالات السلكية واللاسلكية، ووضع جميع الأبنية الحكومية بيد الجيش الذي قام بوضع نواز شريف وشقيقه شهباز رئيس حكومة إقليم البنجاب، ورئيس الأركان المعين خواجة ضياء الدين إضافة إلى عدد من أعضاء الحكومة الفدرالية وأعضاء البرلمان قيد الإقامة الجبرية. 

ويمكن تلخيص أسباب تفاقم الأزمة بين الجيش والحكومة، والتي انتهت بانقلاب الثلاثاء الماضي بالآتي:

۱- تعود جذور الخلافات التي أدت إلى الأزمة الأخيرة إلى أكتوبر من العام الماضي، حيث أجبر رئيس الأركان على التقاعد المبكر بعد توجيهه انتقادات لاذعة لأداء الحكومة الاقتصادي والاستراتيجي، وقال: إن البلاد في حملة انتخابية دائمة بسبب فشل سياسات الحكومة وعجزها عن حل المشكلات الحقيقية التي تواجهها البلاد، وما لبثت الأزمة أن ثارت مرة أخرى مع رئيس الأركان الجديد آنذاك برويز مشرف، بسبب تعيين خواجة ضياء الدين رئيسًا لجهاز الاستخبارات العسكرية دون استشارة الجيش، وهو ما اعتبر تجاهلاً لقيادة الجيش، وخاصة رئيس أركانه الجديد، وخاصة أن خواجة ضياء الدين معروف بعلاقاته الموالية لشريف وهو من أبناء منطقته، الأمر الذي دفع برئيس الأركان إلى تعيين ضباط جدد اختارهم بنفسه في جهاز الاستخبارات العسكرية، إضافة إلى ذلك تلكؤ شريف في تعيين مشرف قائدًا رسميًا للجيش، بعد أن كان قائدًا له بالوكالة، وهو ما أثار الشكوك في إمكان إكمال مشرف لفترة ولايته. 

2- بدا واضحًا مدى الإهانة التي تعرض لها الجيش الباكستاني بإعلان نواز سحب المقاتلين الكشميريين من كارجيل، ولم تشمل الإهانة الضباط الصغار فقط الذين كانوا يفاخرون بنشوة انتصاراتهم على القوات الهندية، وإنما شملت قيادة الجيش، وقد حمل الجيش نواز شريف المسؤولية كاملة عن معالجة الوضع في كشمير، وذلك في اجتماع لجنة الدفاع العليا قبل سفر شريف إلى واشنطن واجتماعه بالرئيس كلينتون، وقال قيادي كبير في الجيش الباكستاني: لقد أهان الجيش بركوعه أمام الإدارة الأمريكية والانسحاب من كشمير، وهو ما ركزت عليه أحزاب المعارضة الباكستانية قاطبة، والمحللون السياسيون المراقبون للأوضاع في باكستان، وشعر القادة الميدانيون في كشمير بأن الحكومة قد خانتهم فعلًا، ووردت تقارير غير مؤكدة عن وجود تمرد من قبل ضباط صغار، وعدم انصياعهم لأوامر قيادتهم، وبدلًا من الاتفاق على حل ثنائي للأزمة طار شريف إلى واشنطن ليعلن الانسحاب المهين.

3- أزمة أخرى أثارها إسقاط المقاتلات الهندية لطائرة باكستانية تابعة لسلاح البحرية، ومقتل جميع من كانوا فيها وهم ستة عشر من بينهم ستة ضباط، وقد رفض شريف مبدأ الرد بالمثل الذي تبنته القيادة العسكرية الهندية، وجاءت هذه الأزمة لتصب الزيت على النار بعد أن طفح الكيل في كارجيل.

 4- ومع تزايد حدة الأزمة بين الجيش والحكومة، جاء شريف ليذكر قادة الجيش بتعهداته- التي قطعها أمام الجمعية العمومية العام الماضي والرئيس الأمريكي- بالتوقيع على اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية، وأنه عازم على الوفاء بتعهداته من طرف واحد، والتوثيق على الاتفاقية النووية رغم معرفته بعدم موافقة الجيش مطلقًا على التوقيع من طرف واحد دون توقيع الهند، وشعور الجيش بأن التوقيع سوف يعرض البلاد للخطر، ويتسبب في خفض المعنويات الشعبية والعسكرية.

كما أن شريف أخبر الجيش أنه لم يكن مع فكرة الرد بالمثل كذلك على إطلاق الهند للصواريخ في أبريل الماضي، وأبدى قادة في الجيش عدم رضاهم المطلق عن أفكار تجميد إنتاج الصواريخ، وتبذير الأموال في مشاريع لا طائل منها، مثل مشاريع الإسكان التي يرعاها شريف، حيث ستنفق الحكومة مبلغ ملياري دولار على مشروع «بيتنا» الذي يستهدف بناء مشاريع إسكانية ضخمة بأقساط مريحة، في حين أن احتياطي باكستان من العملات الصعبة لا يتجاوز مليارًا ونصف المليار دولار.

 5- أخيرًا جاءت مسألة الإرهاب، والأزمة الطائفية، حيث ابتعث نواز رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية إلى قندهار بحجة الطلب من قيادة طالبان إغلاق معسكرات التدريب لمن وصفوا بجماعات باكستانية متطرفة، واعتبر المحللون السياسيون أن ضياء الدين يمثل التوجه الجديد للحكومة تجاه أفغانستان، والتنسيق مع وكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية، وقد صاحب شريف في زيارته الأخيرة إلى الإمارات، حيث طلب منها استخدام نفوذها لدى طالبان من أجل إغلاق معسكرات التدريب، في حين رأى محللون سياسيون أنه كان يحشد التأييد لسياسته الجديدة تجاه أفغانستان والتي تتمشى بشكل كامل مع المطالب الأمريكية، ولم يستبعد المحللون السياسيون أن تكون قضية الطائرات الأمريكية و الكوماندوز التي كانت تستهدف تنفيذ عملة في أفغانستان صحيحة. 

وأشار المحللون إلى أن بث الخبر أدى إلى إفشال عملية عسكرية ضد طالبان وأسامة بن لادن، كان الكوماندوز الأمريكيون ينوون القيام بها بتنسيق مع الحكومة الباكستانية، ويشار في هذا الصدد إلى تصريحات صدرت من البيت الأبيض مؤخرًا بأن الولايات المتحدة لن تسمح بأي تغيير غیر دستوري في باكستان، في الوقت الذي كان فيه رئيس الاستخبارات العسكرية المقرب من نواز شريف في زيارة للولايات المتحدة.

الرابط المختصر :