العنوان باكستان القنبلة النووية الباكستانية ولعبة الصراع في جنوب آسيا
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
مشاهدات 119
نشر في العدد 1115
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
في سابقة تعد الأولى من نوعها في تاريخ باكستان النووي أعلن زعيم
المعارضة الباكستانية نواز شريف أن بلاده تمتلك قنبلة نووية، وأنها لن تتردد في
تحويل منطقة جنوب آسيا إلى محرقة نووية لو أقدمت الهند على مهاجمة باكستان.
هذا الإعلان غير المسبوق في تاريخ باكستان أثار ردود أفعال واسعة
النطاق سواء على مستوى الداخل في باكستان أو خارجها، وإن كانت هذه الردود قد
تباينت داخليًا بين موقف حكومي منتقد وآخر شعبي مرحب، فإن الموقف الخارجي وكما هو
متوقع كان غاضبًا ومحذرًا خاصة من جانب الحكومة الهندوسية.
هذا الإعلان التاريخي الخطير
الذي أدلى به نواز شريف لم يكن ليمرر كما يعتقد كثير من المراقبين ما لم تكن هناك
موافقة من المؤسسة العسكرية الباكستانية النافذة في إدارة السلطة في البلاد. هذا
الإعلان أثار سؤالين رئيسيين الأول يتعلق بالدوافع التي ذهبت بنواز شريف للإدلاء
بهذا البيان، والآخر مرتبط به مباشرة ويتصل بأبعاد هذا الإعلان وتداعياته.
ما هي دوافع نواز من وراء الإعلان؟
أولًا: يكشف المكان والزمان الذي أعلن فيه تصريح نواز التاريخي الخطير
عن جانب من الدوافع التي دعته لذلك؛ فعلى بعد كيلومترات قليلة من كشمير المحتلة
التي يسيطر عليها المحتل الهندوسي منذ عام 1947 وبعد ثمانية أيام فقط من تهديدات
رئيس وزراء الهند ناراسيما راو باحتلال كشمير الحرة التي تخضع للإدارة
الباكستانية، وأمام عشرات الآلاف من أبناء الشعب الكشميري قال نواز شريف إن بلاده
مستعدة لمواجهة أي عدوان وإن القنبلة النووية التي تمتلكها ستكون رادعًا لأي هجوم.
وإذا كان نواز شريف يدرك
مثلما يدرك كثير من العسكريين أن ميزان القوى العسكري التقليدي يميل لصالح الهند
سواء بريًا أو جويًا أو بحريًا فإن الدخول في حرب مع الهند في ظل هذا الخلل في
ميزان القوى العسكري وفي ظل المقاييس المادية المحسوسة، وفي ضوء تجارب التاريخ حيث
خسرت باكستان ثلاث معارك مع الهند أفضت إحداها عام 1971 بضياع نصف باكستان
المعروفة ببنجلاديش حاليًا.
في ظل هذه المعطيات جميعًا
يصبح الخيار النووي هو البديل المطروح لمواجهة المعتدي، خاصة وأن الدافع الحقيقي
والأساسي الذي من أجله غامرت باكستان رغم كل التحديات التي واجهتها، سواء
تكنولوجيًا أو عسكريًا أو دبلوماسيًا لامتلاك سلاح نووي هو توفير مظلة أمنية تقيها
خطر عدو مجاور يمتلك نفس السلاح، وأجرى رغم الحظر الدولي المفروض منذ عام 1960
تفجيرًا نوويًا عام 1974 بالقرب من الحدود الباكستانية.
لقد جاءت تهديدات ناراسيما
راو في أعقاب تحركات عسكرية واسعة أبرزها تهديدات الجيش الهندي المتكررة بعزمه نشر
صواريخ "برزفي" على طول الحدود الباكستانية، وهي الصواريخ التي أنتجتها
الهند بالتعاون مع روسيا تستطيع حمل طن من الرؤوس النووية وبمقدورها إطالة أي هدف
حيوي باكستاني بما في ذلك المنشآت النووية الباكستانية. وشملت هذه التحركات أيضًا
نشر مزيد من قوات الجيش الهندي في داخل كشمير المحتلة ليصل عددها حاليًا ما يقارب
600 ألف من القوات العسكرية والميليشيا... وجاءت هذه الزيادة بعد الاتفاق الصيني –
الهندي الذي ترتب عليه تخفيض القوات المنتشرة على حدود الجانبين ومحاولة احتواء
عناصر التوتر في منطقة التبت المتنازع عليها، وهو ما يعني صرف الاهتمام الهندي نحو
جبهته الشمالية الموازية لباكستان بعد تأمين الجبهة الشرقية الموازية للصين العدو
التقليدي للهند منذ عام 1962.
الرادع النووي
ثانيًا: إن نظرية الردع المتبادل بين الاتحاد السوفيتي والولايات
المتحدة الأمريكية خلال سنوات الحرب الباردة أسهمت بشكل فعال في عدم اندلاع حرب
جديدة طيلة أكثر من 45 عامًا، وكان الردع النووي المعلن بين الجانبين هو مرتكز هذه
النظرية. وإذا كانت الهند قد أجرت تفجيرًا نوويًا عام 1974 فهذا يعني ضمنًا أنها
أصبحت دولة نووية قادرة على امتلاك سلاح نووي، لذا كان لزامًا على باكستان أن
تتبنى استراتيجية الردع النووي مع خصمها المجاور تفاديًا لأي مغامرة، وإن كانت
باكستان قد مارست لونًا آخر من ألوان الردع يعرف بـ "الردع بالشك" أو
غير المعلن بإعلانها المتكرر أنها تمتلك القدرة على بناء أسلحة نووية، إلا أن مثل
هذه النظرية وبعد أن أصبحت التهديدات الهندية أكثر خطورة جعل تبني استراتيجية
الردع المعلن كما يقول بعض أنصار نواز شريف هي الخيار الأمثل لوضع الهند أمام
الأمر الواقع.
تحول الموقف الأمريكي
ثالثًا: التحول الطبيعي في الموقف الأمريكي تجاه باكستان من حليف يحظى
بدعم اقتصادي وعسكري خلال أغلب سنوات الحرب الباردة وخاصة فترة الحرب الأفغانية
بحكم الدور الهام الذي لعبته باكستان في احتواء الشيوعية عبر الحلف المركزي وحلف
بغداد حينًا وعبر المجاهدين الأفغان حينًا آخر. هذه العلاقة الحميمة التي ساهمت في
تشكيلها ظروف الحرب الباردة، كان لها أن تغيب بغياب الدور الذي لعبته باكستان في
ضرب الشيوعية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وافتقاد باكستان أهميتها الاستراتيجية
في أعين الأمريكيين الذين رأوا في الهند صديق السوفيت القديم بديلًا هامًا
لاعتبارات اقتصادية وعسكرية وسياسية لا مجال للخوض فيها هنا لتعزيز المصالح
الأمريكية في المنطقة، بحيث تلعب الهند نفس الدور الذي تلعبه "إسرائيل"
في منطقة الشرق الأوسط. كان طبيعيًا والحالة هذه أن ينعكس هذا التحول في العلاقات
الهندية – الأمريكية على علاقة واشنطن بإسلام آباد، فمع مطلع عام 1990 ومع انسحاب
السوفيت من أفغانستان وقرب أفول نجم الاتحاد السوفيتي أوقفت الولايات المتحدة
مساعداتها الاقتصادية والعسكرية لباكستان بدعوى امتلاك باكستان سلاحًا نوويًا،
وربطت بين تخلي باكستان عن قدرتها النووية ورفع الحظر المفروض عليها. وكان ذلك في
شكل قانون فصل خصيصًا ليوائم الحالة الباكستانية فحسب فنص على حرمان باكستان من أي
صفقات عسكرية مع واشنطن أو تلقي مساعدات اقتصادية منها ما لم تثبت تخليها عن
البرنامج النووي، هذا القانون لم يطبق على الحالة الهندية أو "الإسرائيلية"
رغم الأشواط البعيدة التي قطعوها في مجال التصنيع النووي. ومع استمرار فعالية
قانون "برسلر" منذ عام 1990 وإلى الآن جردت باكستان من صفقة طائرات ف-16
التي دفعت أغلب أقساطها في الوقت الذي واصلت فيه الهند تعزيز قدراتها العسكرية من
مصدرها الرئيسي روسيا ومن مصادر أخرى أبرزها إسرائيل. هذا التطور أحدث خللًا
نوعيًا وكميًا في ميزان القوى العسكرية التقليدية بين الجانبين، أي الهند
وباكستان، وقد ولد هذا التطور حالة من اليأس في إمكانية إحداث تغيير في الموقف
الأمريكي لصالح باكستان، وعليه أصبح اللجوء للخيار الصعب هو البديل الوحيد
المطروح.. وهنا يقول نواز شريف إن حكومة بنازير بوتو التي كان من المقرر حسب ما
كان يتوقع أن تسهم في إحداث انفراج في العلاقات مع الولايات المتحدة وتتمكن من
الحصول على صفقة طائرات ف-16 وتحد من الضغوط الأمريكية على البرنامج النووي
الباكستاني... هذه الأماني التي كانت حلم أهم عناصر الترويكا الحاكمة والتي أسهمت
بشكل أو بآخر كما يتردد في وصول بنازير للسلطة لم تتحقق بل تضاعفت على العكس
الضغوط والتحديات وسط تهديدات وتحذيرات هندية.
رابعًا: تواصل صور الضغوط والتحرشات المختلفة بباكستان من اتهامها على
لسان السلطات الألمانية أنها حصلت على بلوتونيوم مهرب من روسيا وإثارة ضجة دولية
حول هذه القضية التي ثبت افتراؤها إلى تقارير المخابرات الأمريكية المتكررة أن
باكستان لديها أسلحة نووية وأنها مثل الهند صنعت قنابل نووية صغيرة، ولحاق الهند
بالموجة نفسها واتهامها باكستان بدعم الإرهاب في كشمير المحتلة ووقوفها –أي
باكستان– وراء حوادث التفجير في بومباي العام قبل الماضي. هذه الصور المختلفة من
الضغوط والتحرشات والتي لا تستند إلى أي موضوعية في التعامل كانت تقتضي وحسب ما
ترى المعارضة الباكستانية حتمية التأكيد على بيان باكستان وحقها في أن تملك ما
تريد دفاعًا عن أرضها طالما كان هناك تهديد خارجي يتربص بها، مع التسليم بأنه إذا
كانت الإدارة الأمريكية عبر مخابراتها وعملائها أكدوا أن باكستان تملك سلاحًا
نوويًا، فإن نفس المصادر أكدت امتلاك كل من الهند وإسرائيل أسلحة نووية وبقدرات
تفوق باكستان بمراحل عديدة، وهو ما يعني كما ترى المعارضة الباكستانية أن بيان
نواز لم يضف جديدًا إلا أنه أكد هذه الحقيقة.
خامسًا: وإذا كان العام المقبل سوف يشهد أحدث مراجعة لمعاهدة عدم
الانتشار النووي التي وقعت عام 1965 فمن المتوقع أن ينضم للنادي النووي دول جديدة
في أوروبا وغيرها، فإن الإقرار بأن باكستان تمتلك سلاحًا نوويًا سوف يضع المجتمع
الدولي في حرج إذا ما سمح بانضمام أعضاء جدد مثل "إسرائيل" أو الهند أو
غيرها من دول أوروبية أو آسيوية ما لم تكن باكستان بين هؤلاء وخاصة وأن برنامجها
النووي أسهم في بنائه عقول باكستانية وخبرات باكستانية تحت قيادة عالم الذرة
الباكستاني العظيم د. عبد القدير خان الذي يجب أن يسميه الشعب الباكستاني "بفخر
باكستان". هذه الدوافع مجتمعة فضلًا عن سياسة المواجهة بين الحكومة والمعارضة
وحرص الأخيرة على وجه الخصوص أن تثبت وطنيتها وحرصها على مستقبل البلاد.. شجع
المعارضة الباكستانية على إدلائها بهذا البيان التاريخي الخطير.
أبعاد إعلان نواز شريف
ما من شك في أن الضغوط والتحرشات بباكستان ستتضاعف وأن التنسيق
المشترك بين أعداء باكستان من قوى غربية من ناحية، والهند و"إسرائيل" من
ناحية أخرى، سوف يتضاعف أيضًا وستفتعل عراقيل وتآمرات عديدة لتركيع باكستان
وإذلالها خاصة وأنها تواجه أزمة داخلية ممثلة أساسًا في الصراع المحموم بين
الحكومة والمعارضة، وهذا يتطلب قيادة وطنية مخلصة وحازمة تستطيع مواجهة ضغوط
الخارج. وقد تفرز هذه الضغوط والتحديات -وفي ظل حالة الغليان الشعبي الذي تشهده
باكستان– فرزًا آخر قادرًا على التصدي للمؤامرات الخارجية، لكن الذي لا شك فيه أن
بيان نواز شريف الذي أدلى به بالقرب من كشمير المحتلة وبعد ثمانية أيام من تهديدات
ناراسيما راو باحتلال كشمير الحرة قد أكسبه شعبية كاسحة في معركته مع الحكومة.
وأيًا ما كانت نتيجة هذه المعركة فإن المطلوب أن يكون هناك إجماع شعبي وحزبي حول
المصالح العليا للبلاد لمواجهة خطر هندوسي محدق يستند إلى دعم صهيوني وغربي لضرب
مقدرات البلاد الاستراتيجية.