العنوان أمريكا والناتو يبيعان تركيا لروسيا في مباحثات تخفيض الأسلحة
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1178
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 05-ديسمبر-1995
بافل جراتشوف وزير الدفاع الروسي: الاتفاقية بوضعها الحالي تهدد الأمن القومي الروسي
يبدو أن تركيا لا تتعلم أبدًا من تجاربها مع الدول الغربية وتريد أن تظل مغمضة العينين بشكل دائم ما دامت مخدرة بهروين الوعود الغربية، وآخر الخدع الغربية لتركيا ما تم في اجتماع جنيف يوم ١٧ / ١١ / ١٩٩٥م، والتي حضرته الدول الـ ٣٠ الموقعة على اتفاقية تخفيض الأسلحة بين دول حلفي وارسو والناتو.
إذ لبت الطلب الروسي بإعادة تنظيم الاتفاقية وفق أسس جديدة تتيح لموسكو وضع الـ ١٣٠٠ دبابة في القوقاز الروسية، رغم أن الاتفاقية الموقعة عام ١٩٩٠م في باريس وكانت حجر الأساس لنظام أمني جديد في أوروبا بعد الحرب الباردة، وبدأ تنفيذها في ١٧ نوفمبر عام ۱۹۹۲م حددت عدد الدبابات الروسية في القوقاز بـ ۷۰۰ دبابة فقط على أن يتم ذلك في موعد أقصاه ۱۷ نوفمبر ۱۹۹٥م وهو مالم تلتزم به روسیا.
تطمين أمريكي
ولتهدئة روع أنقرة التي هددت بالانسحاب من الاتفاقية أعلن المسؤولون الأمريكيون على لسان كل من روبرت بيل - مدير دائرة مراقبة السلاح والسياسات الدفاعية بمجلس الأمن القومي، وجريح دون كيرلري - مسؤول الأمن الأوروبي في وزارة الخارجية - أعلن أن الولايات المتحدة والناتو كفيلا تركيا الأمني، وأن زيادة عدد الدبابات الروسية بـ ٤٠٠ مثلًا لن يؤثر على الأمن التركي المرتبط بالناتو، الذي يوفر ضمانات أمنية لها، كما أنها أي تركيا مرتبطة بالولايات المتحدة ١٠٠٪.
ولتأكيد انتصار موسكو في اجتماع جنيف قال وزير الدفاع الروسي إن تهديد تركيا بالانسحاب من الاتفاقية لن يؤثر، وأن روسيا ستحقق ما تصبو إليه بزيادة قواتها في القوقاز من خلال ملحق إضافي للمعاهدة سيتم إقراره في اجتماع ۱۹۹٦م، ولذلك على تركيا القبول بذلك الخيار، إلا أن أنقرة أعلنت رفضها لذلك وأسفت لموقف بعض الدول الغربية مؤكدة ضرورة وضع احتياجاتها الأمنية في إطار البحث لحل نقاط الخلاف.
والاتفاقية المشار إليها كان قد تم توقيعها في اجتماع عقد في باريس عام ١٩٩٠م حضره ۲۲ زعيمًا من الشرق والغرب، ودخلت حيز التنفيذ من ١٧ يوليو ۱۹۹۲م، على أن تكون نسبة التخفيض في السنة الأولى ٢٠٪ أولًا، ثم ١٠٪ كل عام، بحيث تجبر كافة الدول الموقعة عليها بإنزال قواتها طبقًا لما تم الاتفاق عليه يوم ۱۷ نوفمبر ۱۹۹٥م، ومن خلال تلك الفترة ارتفع عدد الدول إلى ٣٠ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، إذا أصبح الخلاف بين روسيا وتركيا، فبافل جراتشوف –وزير الدفاع الروسي– يرى ضرورة التعديل لأن الاتفاقية بوضعها الحالي تؤثر على الأمن القومي الروسي، إذ إن موسكو عندما وقعتها كانت في زمن الاتحاد السوفييتي كدولة واحدة والآن أصبحت ثماني دول.
وأشار إلى وجود بعض الصعوبات الفنية والاقتصادية لتنفيذها مثل بدء موسم الشتاء والبحث عن أماكن لتوطين القوات التي ستسحب من الأجنحة، هل في الفولجا، أم شرق الأورال؟ وقال إن عملية إقامة المعسكرات تحتاج إلى أموال، ولا أحد يهتم بذلك، وأكد أن شروط وظروف عام ۱۹۹۰م مختلفة عن الآن.
التأثير على تركيا
والسؤال الهام هو كيف ستتأثر تركيا من الرغبة الروسية برفع عدد قواتها؟
أولًا: فإن روسيا تمارس أنشطة وفعاليات عسكرية منذ عام ۱۹۹۲م في أرمينيا وأصبح المجال الجوي لها تحت سيطرة السلاح الجوي الروسي.
وبجانب الجيش الروسي ٥٨ في شمال القوقاز، فإن لروسيا فعاليات عسكرية في جورجيا، وتقوم بعمل تحصينات على الحدود الشرقية لتركيا، ورغم نجاح حيدر علييف الرئيس الأذربيجاني في تقييد حركة روسيا في أذربيجان حتى الآن، إلا أن الجهود والضغوط الروسية لم تتوقف وقد تؤدي إلى نتيجة.
ثانيًا: فإن روسيا تريد استعادة هيبتها من خلال السيطرة على أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ووضع العقبات أمام تركيا لمنع إقامة علاقات بينها وبين تلك الدول وإغلاق أبواب آسيا الوسطى أمام تركيا لتكون هي صاحبة النفوذ الوحيدة في القوقاز.
ثالثًا: وجهة نظر الخبراء العسكريين فإن روسيا إذا حققت أهدافها بزيادة قواتها، ومع سيطرتها على أرمينيا وجورجيا من خلال قواعدها الموجودة هناك، فإن روسيا ستصبح من جديد جارة لتركيا مثلما كان الوضع أيام الاتحاد السوفييتي، وهو ما سيهدد الأمن القومي التركي، وتكون تركيا هي الدولة الوحيدة غير المستفيدة من الاتفاقية.
عامل البترول
ووفقًا للمعلومات التي حصلت عليها «المجتمع» حول نتائج جولة المباحثات الروسية التركية التي دارت في أنقرة خلال نوفمبر ١٩٩٥م، لحل نقاط الخلاف يتضح أن عامل البترول هو سبب الموقف الروسي المتعنت، إذ تصر موسكو على إخراج منطقة كراسنوداف التي بها ميناء نوفوروسيسك على ساحل البحر الأسود، وتستهدف أن يكون مصب البترول الأذربيجاني والبترول القادم من آسيا الوسطى لتصديره إلى الخارج، وكذلك لأن منطقة القوقاز غنية بالبترول.
ويتضح أن المساومات الحالية مرتبطة بشكل كبير بالبترول، لأن روسيا بما لديها من أسلحة متقدمة لا يمكنها أن تكون مهددة من تركيا، والذي لا يحميها كلام الأمريكيين بأنهم كفلاء تركيا أو ارتباطها بالناتو الذي باع تركيا عضوه منذ أربعين سنة، إذ تشير اتفاقية الحلف التي وقعها جميع الأعضاء إلى التزام كل الدول بالوقوف مع بعضها البعض.
ولكن ما حدث يوم ١٧ نوفمبر ١٩٩٥م في جنيف هو تخلي تلك الدول عن تركيا حليفتها الأمس واليوم والغد أمام روسيا العدو الدائم للغرب، مكتفية بكلمات إنشائية فارغة المعاني فإذا كان المكتوب لم يلزم كاتبه فكيف سيكون المسموع إذًا.
فهل تفيق تركيا المخدوعة في الغرب قبل فوات الأوان؟ أم تظل مغمضة العينين، ومغلقة الأذنين، ومخدرة بسراب الحلم الأوروبي الخادع؟!