العنوان باسمك.. أيتها الحرية
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992
مشاهدات 77
نشر في العدد 1000
نشر في الصفحة 36
الأحد 10-مايو-1992
من المواضيع التي تثير مناطق الفكر في نفسي، وتستهوي
أماكن العاطفة فيها، موضوع الحرية، وأجدني كلما أغلقت فيه بابًا انفتح لي بابٌ
آخر، وكأن هذه الكلمة حوت كل معاني السمو والجمال في شكلها وفي معناها، وكأنها وهي
تعني الانطلاق تدعوك لتنطلق في أرجائها وتبحث عن مكنوناتها أولًا. وفي سبيلها مات
رجال، ومن أجلها عاشت أقوام وباسمها ارتفعت معان، وباسمها أيضًا انهدمت قيم، فهل
رأيت لفظًا حوى ما حوته هذه الكلمة! يقولون: لابد من سالب وموجب لكي تكتمل الوظائف
الكونية، وأقول: إن كان كذلك فقد حوت هذه الكلمة السالب والموجب في آن واحد فكانت
بذلك مهمة كونية متكاملة. كيف لا ونصفها يعني الانطلاق، ونصفها الآخر يعني
الانضباط! بها ينطلق فكرك وتنطلق نفسك، وبها تنضبط عواطفك وتنضبط سلوكياتك. فلو
أحسن استخدام الجزء الأول من معانيها كان السمو الفكري والراحة النفسية، والإبداع
بجميع صوره. ولو أحسن استخدام الجزء الثاني من معانيها كان السمو الأخلاقي. فبينما
يحيي الفكر الانطلاق، لا يحيي السلوك إلا الانضباط!
استكانة الفكر ذل للإنسانية واستكانة السلوك عظمة
ورفعة. انطلاق الفكر رقي، وانطلاق السلوك حيوانية. هكذا شاءت طبيعة الأشياء وهي
تقدم هذه الكلمة للبشرية، ولكن البشرية بقصورها لم تشأ إلا أن تهدم وظائف هذه
الكلمة. في ديارنا قيدت حرية الفكر فكان حالنا على ما هو عليه. وفي ديارهم أطلقت
حرية الفكر فكان هذا إبداعًا لو لم يلحقوه بإطلاق حرية السلوكيات. تحت شعار الحرية
الشخصية! وفي حماية هذه الراية المرفوعة أصبح لبنت التاسعة الحق في الوقوف أمام
أمها لتقول: أنا حرة، يعني ماذا؟؟ يعني أنني أفعل ما أريد بدون أن يمنعني أحد. ثم
وقفت الأم بدورها لتقول لزوجها: أنا حرة، يعني ماذا؟؟ يعني أنني أفعل ما أريد بدون
أن يمنعني أحد. ولحق بهما الأب ليقول: أنا أيضًا حر. ووقع الجميع عقد حماية
للرذيلة، ولكن باسمك أنت أيتها الحرية. فهل تلاعب بمعاني الحرية أحد كما تلاعب بها
إنسان هذا الزمان؟؟ وهل جعلها أحد من قبل ثوبًا جميلًا لمعنى بشع كهذا؟؟ وحين تقصد
إحدى دول الغرب حيث يقوم الناس هناك بتطبيق حريتهم الشخصية ستتقاذفك مشاعر كثيرة،
أولها إحساسك أنك ربما كنت تسير في غابة خلت من البشر. وآخرها ظنك أن الناس ربما
كانوا فاقدي البصر لا يرى أحدهم الآخر!! ولكن سرعان ما تسمع أنه لا هذا ولا ذاك
إنما هي الحرية التي قتلوا بها الفضيلة. وذبحوا بها القيم. فأصبحوا عبيدًا
لأهوائهم. لذلك قررنا نحن أن نبقى بدون هذا الشكل من أشكال الحرية. وقيودنا إن كان
فيها الشرف والفضيلة، وإن كان فيها ضمير يحاسب، وإن كان في هذه القيود الحياء الذي
يمنح الإنسان إنسانيته. فنحن نتمسك بها: لكي نحافظ على سلامة حصاناتنا الفطرية، ولكيلا
تتساوى القيم العليا بالقيم السفلى.
ابتهال قدور