; اين كانت الكنيسة | مجلة المجتمع

العنوان اين كانت الكنيسة

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 2

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 02-يناير-1973

« إن مسألة علاقة الفكر بالكائن أو علاقة العقل بالطبيعة هي المسالة العليا في كل فلسفة وكان الفلاسفة تبعا الإجابة على المصالة ينقسمون إلى الرتين كبيرين فأولئك الذين كانوا ؤكدون تقدم المقل على الطبيعة ينتمون إلى مختلف مدارس المادية» .. وتتابعت اقوال ماركس في هذا الاتجاه فراه يقول «ان الافكار لا يبتدعها دماغ الإنسان وهذا الدماغ ليس إلا مادة»  دقيقة التركيب وهو جزء من الجسم يعكس مؤثرات العالم الخارجي يقول « أن وحدة العالم لا تقوم على جوده بل وحدته الحقيقية تقوم على اديته فان قيل وما شأن الفكر الشعور ومن أين جاءا ؟! قلنا إنهما صرة المخ وأن الإنسان نفسه ثمرة الطبيعة » .. ومن بعد ماركس قال ينين  «إن لوحة العالم هي لوحة تبين يف تتحرك المادة وكيف تفكر المادة»

     هذا هو الجو الفكري والاجتماعي عاصف الذي انزوت فيه الكنيسة وسقط قطاع وفشلت الاتجاهات المثالية نتشرت الفلسفات المادية التي كان رزها المادية الجدلية على يد ماركس

     ولقد شاهد ماركس نهاية عصر لوء بالأسى وبداية عصر متفتح بالامل واختار أسلحة العصر التقليدية على رأسها المادية ، وقد تأثر بمادية ورباخ وجدل هيجل وصاغ منهما فلسفة حية متماسكة ولذلك يقولون : لو لم يجد هيجل وفيورباخ لما وجد ماركس ومن ثم فلسفته المادية لم تخرج الصورة الفكرية الشائعة في عصره .. ورغم أن ماركس حاول في بادىء صر أن يطرح عن الفلسفة مهمة التفسير مهمتها كمذهب يعالج مجموعة من قضايا حول الإنسان والعالم والمصير وأن يقصر وظيفتها على التغيير أي على قيامها بمهمتها كمنهج يرسم طريقا للتفكير والعمل فقط إلا أنه لم يستطع وراح يدلي بفلسفة قائمة على التفسير حيث أدلى بمجموعة أقوال عن الانسان والعام والمصير . وهذا يؤكد القول القائل بان الانسان لا يملك أن ينعزل عن أن يكون له نوع اعتقاد في الحياة من حوله .

وكون ماركس لم يخرج في مجموع فلسفته عن الصورة الفكرية الشائعة في عصره يكشف عن نقطة ضعف كامنة في شخصيته لأنه لم يبعد في نظرته للأمور عن الفهم الجزئي .. وكان في استطاعته أن يكون أكبر من ذلك شمولا وأكثر عمقا لو تخير الصواب أني وجده سواء أكان في جانب المثالية أم في جانب المادية .. وكان هذا الصواب يتمثل في أن مع المثالية نقطة بدء صحيحة وسليمة وهي الاعتقاد في وجود الخالق جل وعلا ، وما عدا هذه الحقيقة المجردة فقد تنكبت فيه بالفعل سواء السبيل .. كما أن المادية دلفت من نقطة بدء صحيحة وسليمة وهي الاعتماد على المنهج التجريبي وبين هاتين النقطتين الصحيحتين تأخذ مختلف الحقائق العلمية وضعا جديدا .. وياخذ علاج القضايا الانسانية نهجا جديدا لا ينافي حقا ولا يضيع مصلحة ولكن ماركس لم يفعل بل لم يستطع فكان في مجموعة ممثلا لروح العوام الساخطة لا لروح العلماء المدققة المنصفة المرتفعة على الظروف الوقتية ولذلك فان علة الأمر تكمن في وجوب دراسة نفسيته التي دفعته الى هذا الاختيار الابتر ... ..

والفصل الذي خصصه الأستاذ العقاد في كتابه « الشيوعية والإنسانية » عن حياة ماركس وأخلاقه عظيم القيمة لأنه يفسر لنا نقطة الضعف هذه التي تلبست بعبقريته فأخرجت هذا المولود المشوه :

الشيوعية على أساس من المادية تلك المادية التي نجدها مبعثرة بين كتب « فقر الفلسفة » فيوبارخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية «جدل الطبيعة»  « الرد على دورنج » 

     بيئة... وبيئة

واليوم تتحمل البشرية كلها أوزار هذه الاتجاهات المنحرفة والقاصرة في المثالية والمادية على سواء والذي يدعو الى الدهش أن البيئة الاسلامية قبل موجات الاستعمار قد برئت من هذه الصورة القاسية من الصراع الفكري والاجتماعي الذي عاشت فيه أوروبا .. رغم أنها أرسخ منها قدما في جميع ميادين العلم ولا غرابة في ذلك فالمفضل يعود لوجود الكتاب والسنة معينا العقيدة الواضحة والشريعة العادلة مما أعطى المسلمين هداية عصمتهم من نهايات أليمة من الشطط والانحراف .. فقد كانوا دائما على ذكر بالمدى الذي يبلغه الإنسان بوسائله العلمية في أمور العقيدة و بالمدى الذي يبلغه من المعرفة عن طريق الوحى على رسول أمين ولا تعارض بين الوسيلتين ومن هنا عاشت الشخصية المسلمة في مأمن من هذه المتاهة الفكرية التي تعكس أثرها على الأوضاع الاجتماعية. ..

ولا يؤثر في نصاحة هذه الصورة ما حدث من تأثير جزئي نتيجة ترجمة الفلسفة اليونانية على بعض الاتجاهات الفكرية التي بدأت تفكر بالمقلية المثالية في أمر الخالق وصفاته وأفعاله وأمر الروح والبعث والجزاء .. ولكن هذه التيارات ظلت ضعيفة في خضم التفكير الاسلامى المتزن وفي ظل يقظة العلماء والفقهاء الذين نبهوا الى نقطة الخطر ونقطة الأمان في هذا اللون من التفكير الذي لم يجرف إلا قلة لم تترك أثرا وفيما على سطح الحياة الإسلامية كتبه الإمام الغزالي وابن القيم وغيرهما تذكير بأن محنة الفلسفة جاءت من ولوجها الى موضوع الإلهيات بلا عاصم من وحي .. وبفضل ذلك كله لم تجد البيئة الإسلامية نفسها في احتياج إلى قضايا الفلسفة المثالية في أمر عقيدتها كما لم تجد نفسها متبعة لاسلوبها الوصفي أو النظري في علوم الطبيعة والكيمياء والطب وغيرها .. فهى لم تصدر عنه تعصبا وإنما لم يعش بينها لأنه لم يجد فراغا يملؤه ويفرض بعده سلطانه على الحياة..

                 ومن هنا لم تكن البيئة الاسلامية محتاجة في أمور عقيدتها حتى الى اصطلاح الفلسفة فهي غنية بموضوعها وباصطلاحاتها التي تولدت على أصولها الايمانية ولم تكن كلمة الفلسفة من بينها وإنما كانت دائما للإشارة إلى فكر السابقين من الأمم التي حرمت نعمة الوحي.

                 ولم تكد نفس قضايا الفلسفة اليونانية تنتقل إلى أوروبا عن طريق علماء المسلمين حتى صادفت جسما عليلا متقبلا للمرض وصادفت فراغا راحت تملؤه فاضرت أكثر مما أفادت لأنها عملت في اوروبا كتيارات فكرية أصيلة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة ، فأفسدت من حيث ظنت انها تصلح وكان لها رد فعل قاس في صورة الاتجاهات المادية على ما سبق ذكره الأمر الذي برئت منه البيئة الإسلامية.

                 واليوم ونحن في القرن العشرين .. وموجة الإيمان بالله تتصاعد يوما بعد يوم وعشرات الكتب التي تبحث في العقيدة على ضوء التقدم العلمي تصدر تباعا نجد أن الدائرة بدأت تدور على الفكر المادي الذي أخذ يتوارى في خجل أمام نور الحقائق..

 فهل معنى ذلك أن الخطر في طريقه الى الزوال حتى لو وصل الامر الى انقراض التفكير المادي كلية تجارب التاريخ الطويل تقول لا ؟! لأن الاعتقاد في وجود الله مجردا لا يفى ولا يعصم من الزلل لان ابليس نفسه لم يكن يجهل وجود الله ولكنه لم يكن يطيعه .. كما أن علمنا بهذه الحقيقة سيحرك في النفوس كل الاسئلة السابقة عن الله وصفاته وصلته بخلقه وعن الحياة والموت والحسابات وعن ما تستلزمه الأوضاع من تغيير.. فهل سنترك أنفسنا للتخمينات والظنون وتعود للمثاليات سيرتها الأولى ويعود للحياة ضلالها القديم ؟! ام سنسله طريق الهدى بمعرفة دور العقل وضرورة الوحي.. لنا من ردود الأفعال .. والآن هل الوجود مادة فقط ؟! وكيا نشأت الحياة ؟! 

الرابط المختصر :