العنوان قراءة جديدة لواقع الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى «2 من 6»- انهيار مشروع حزب النهضة الإسلامي في طاجكيستان
الكاتب عاطف عبدالحميد
تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006
مشاهدات 77
نشر في العدد 1684
نشر في الصفحة 34
السبت 07-يناير-2006
كان هدف الحزب إعادة الروح إلى مسلمي الاتحاد السوفييتي بعد عقود طويلة من «السفيتة» التي شوهت فيها التقاليد والمبادئ الإسلامية
كثير من الدراسات يعود بجذور الحرب إلى السبعينيات من القرن الماضي وتنسبه إلى الشيخ محمد رستموف الهندستاني صاحب الفكر الإصلاحي التجديدي
الانخراط في الحرب الأهلية وخلط الأوراق في المنطقة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان أوقع الحزب تحت طائلة الاتهام بالإرهاب
هناك ثلاث حركات إسلامية أثرت في التطور السياسي لمنطقة آسيا الوسطى، ارتبطت بظروفها الإقليمية وأثرت في علاقاتها الدولية، وهي حركات - رغم تشابهها في الهدف والمسعى - تختلف في مشاربها ومنابع تغذيتها، وكذلك في المصير الذي آلت إليه، هذه الحركات هي حزب النهضة الإسلامي، والحركة الإسلامية الأوزبكية، وحزب التحرير الإسلامي.
ظهر حزب النهضة الإسلامي Renaissance Party Islamic «IRP» في مطلع التسعينيات متخذًا أبعادًا جذرية في المنطقة ومتنوعًا في أطيافه الفكرية ومشاركته السياسية واعتدال رؤيته، وهو ما جعله يبدو في بداية ظهوره مختلفًا عن بقية أطياف الحركات الإسلامية التي تنتهج القوة وسيلة لتحقيق أهدافها، وحينما ظهرت البدايات الأولى لتكوين الحزب قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات، كان المشاركون في الحزب من أطياف متعددة من شيوخ مستقلين، وعلماء دين تابعين لإشراف الدولة ومنسجمين مع أهدافهاـ ومنتمين للحركات الصوفية، بل ومتحمسين قوميين، ولقد جمع الحزب كل هذه الأطياف في دلالة على الرغبة في صياغة استقلال الدولة من منظور الإحياء الإسلامي، مؤكدًا على التفاهم بين المسلمين السوفييت وتعاونهم مع النظام السياسي في الدولة.
وينتمي حزب النهضة في آسيا الوسطى إلى الحزب الأب الذي كان قد أعلن عن تشكيله في أستراخان بجنوبي روسيا «على حدود شمال القوقاز» في يونيو 1990م، وأقام فروعًا له في كل من داغستان وطاجيكستان وأوزبکستان وقرغيزيا، وكان هدف الحزب إعادة الروح الإسلامية إلى مسلمي الاتحاد السوفيتي بعد عقود طويلة من «السفيتة» التي شوهت فيها التقاليد والمبادئ الإسلامية، ومن هنا جاء اسم النهضة، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991م أعلنت الفروع استقلالها.
الصحوة الإسلامية
وعلى الرغم من شهرة الحزب في النصف الأول من التسعينيات في آسيا الوسطى، إلا أن كثيرًا من الدراسات يعود بجذور الحزب إلى السبعينيات فينسبه للشيخ «محمد رستموف» الهندستاني الذي درس في مدارس ديوباندي الهندية وجمع من هناك أفكارًا إسلامية عربية وباكستانية، وبعد عودته افتتح مدرسة دينية لنشر أفكار الصحوة الإسلامية ضمت مجموعة من الشباب أطلقوا على أنفسهم اسم «الملالي الشبان».
وكانت أفكار الهندستاني وأتباعه أكثر نزوعًا تجاه الفكر الإصلاحي التجديدي منه إلى الفكر الأصولي، وكانت أبرز سلوكياتهم انتقاد رجال الدين الموالين للدولة، ومن ثم حاولوا السيطرة على بعض المساجد التابعة لهؤلاء الموظفين في الدولة، وهو ما أدى إلى حالات من الصدام بين الملالي الشبان ورجال الدين الرسميين، كان أكثرها حدة ما وقع للسيطرة على المساجد الرئيسية بطاجكستان (1).
ورغم موت الهندستاني في أحد سجون سيبيريا «عقابًا لنشاطه الإسلامي» إلا أن أفكاره قد حملها أحد تلامذته من بعده ويدعى عبد الله سيدوف «والشهير بسيد عبد الله نوري» في نشاط سري حتى عام 1987م حينما قاد تظاهرة لدعم المجاهدين الأفغان في مقاومتهم للغزو السوفييتي، أودع الرجل السحر أيضًا، وبعد خروجه في نهاية الثمانينيات أسس مع محمد همت زاده فرعًا لحزب النهضة الذي كان قد تشكل للتو في روسيا (2).
وكانت أفكار حزب النهضة في بداياتها الأولى قريبة من أفكار جماعة الإخوان المسلمين، وعرف لدى المراقبين الروس كحركة سلفية، وإن كان قادة الحزب في القوقاز اعتبروا أنفسهم مصلحين دينيين مهتدين بأفكار السلف.
وبدأ حزب النهضة في طاجيكستان بنقص العادات الاجتماعية المرهقة للمسلم، كالمهور المغالى فيها، وحفلات الزواج الباهظة النفقة التي ترهق الشباب، وإن كان الأمر قد تطور بهم إلى مطالبة المائلات بمنع عزف الموسيقى في حفلات الزواج وهو ما كان من السهل على رجال الدين الرسميين نعته بالتعصب والتشدد (3).
وبنفس القدر لم تكن الأفكار الأولى للحزب ذات نزعة انفصالية، ويؤكد «ماليشنكو» أن زعماء الحزب منذ البداية قد تجنبوا الصدام مع النظم الحاكمة وفضلوا في المقابل الحديث عن إعادة إحياء الإسلام في المجالات الثقافية والروسية والتعليم الإسلامي، وإن أكدوا في نفس الوقت على الترابط المباشر بين الإسلام والسياسة.
جناح راديكالي
وحينما قام الحزب في يونيو 1990م بالإعلان عن نفسه، سعى في المقام الأول إلى توحيد مسلمي الاتحاد السوفييتي تحت مظلته باعتباره «حزب الاتحاد» مع المناداة بالمحافظة على كيان الاتحاد السوفييتي ورفض تفكيكه.
ولكن هذا لم يمنع من ظهور جناح راديكالي داعي إلى إقامة دولة الشريعة الإسلامية، ووقعت تناقضات مشابهة داخل قيادة الحزب بين أصحاب النزعة التترية الذين يقودون الحزب وأصحاب الرؤية «فوق القومية» التي لا ترى الحزب مرتبطًا بتتر أو ترك أو غيرهم، بل هو حزب كل المسلمين، ومن ثم بدأت انشقاقات في الحزب بعد فترة قصيرة من ظهوره (4).
ورغم أن الحكومة الشيوعية الطاجيكية قد حظرت حزب النهضة «رغم قبوله كحزب سياسي في روسيا» إلا أن نشاطًا للحزب قد تم دفعه من خلال تمويل قبلي في منطقة وادي فخش Vakhsh، حيث اختير همت زاده رئيسًا للحزب واتفق على إصدار صحيفة للحزب، واختير لأعضائه رداء مميز وعلم، كما أعلنت دعوة الحزب الساعية لنشر أفكار الإحياء الإسلامي، ودعم الاستقلال السياسي والاقتصادي لطاجيكستان.
وأكد همت زاده أن الحزب يسعى إلى دعم إقامة دولة قانون ديمقراطية أكثر منها دولة إسلامية، وهكذا زاوج الحزب في مظاهراته بين المطالبة ببناء مزيد من المساجد وتحريم بيع لحم الخنزير والخمور وبين المطالب القومية، كأن تعاد تسمية الشوارع الطاجيكية بأسماء وطنية بدلًا من أسماء روسية.
ثم كانت النقلة النوعية حينما قاد الحزب الثورة الشعبية في نهاية 1991م اعتراضًا على اختيار البرلمان الرحمن نابييف رئيسًا للبلاد وهو ما أجبر الحكومة على الخضوع بالتفاوض معه وبدا للناس في طاجيكستان - ولأول مرة منذ عقود - أن حركة سياسية ذات شعار ديني قادرة على التأثير على مجريات الأمور السياسية في الدولة، فانضم 20 ألفًا كأعضاء جدد للحزب في بضعة أيام من ديسمبر 1999م (5).
ومع إعادة الانتخابات الرئاسية أمام الضغط الشعبي على الرئيس نابييف، فاز الأخير بفارق ضئيل على مرشح المعارضة، وهو ما زاد من شكوك حركات المعارضة من إمكانية وقوع تزييف في النتائج، فقام حزب النهضة الإسلامي مع حركات المعارضة القومية والليبرالية بمظاهرات شاملة في مارس 1992م قابلتها الحكومة بقمع شديد وهو ما أسقط كثيرًا من القتلى، فكانت الشرارة الأولى للقتال البيني الذي بدأ في العاصمة دوشانبيه بفوضى عارمة اختلطت فيها عمليات الخطف والاغتيال والقتل العشوائي.
وكان لحزب النهضة الدور البارز في القتال مستعينًا بخلفيته القبلية في شرقي البلاد، وتعرض أنصار الحزب لقتل واعتقال من قبل الجيش الحكومي في منطقة قوليب وتافيلدارا شمال العاصمة دوشانبيه، وكان رد الحزب عنيفًا بالمثل على القوات الحكومية، وبدأت عديد من المناطق تعمل على الانفصال عن جسد الدولة الطاجيكية حديثة الاستقلال، واضطر نابييف إلى الاستقالة في سبتمبر من نفس العام، وسقط بعد ستة أشهر من الحرب 40 ألف قتيل، وفي أكتوبر تم اختيار إمام على رحمانوف رئيسًا للبلاد (6) ولا يزال حتى تاریخ كتابة هذه السطور.
فر كثير من أتباع حزب النهضة إلى باكستان، وروسيا، وأفغانستان، وفي النهاية أقاموا قواعد في قدر وطالوقان في شمال شرق البلاد بسماح من الحكومة الأفغانية، بزعامة القادة الأفغان الطاجيك أمثال الرئيس برهان الدين رباني ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود، وتواصل قادة الحزب مع باقي أطراف المعارضة خلال الحرب الأهلية.
غير أن الصورة تغيرت مع استيلاء طالبان على العاصمة كابول وطردت منها الحكومة الأفغانية ذات الأصل الطاجيكي، حينذاك بدا للحكومة الطاجيكية وتكتل المعارضة الذي يشارك فيه حزب النهضة أن طالبان هي الخطر الإقليمي الأكبر، ومع الانهيار الاقتصادي في الدولة، والتردي الأمني والاجتماعي، بدأت الأطراف في التفاوض لإيقاف الحرب الأهلية في طاجيكستان (7).
انتقادات لاذعة
وهكذا تم تشكيل حكومة ائتلافية وأدمج جزء كبير من الجناح العسكري لحزب النهضة ضمن الجيش الحكومي، وإن لم يجر الأمر دون انتكاسة فنشب في عام 1999م قتال بين الجيش الحكومي وقوات الحزب أعيدت فيه عمليات الاغتيال والخطف، ثم أجريت انتخابات في فبراير 2000م حصل فيها حزب النهضة على 7.5% بعد أن تعرض لانقسامات بين صفوفه أفضت به إلى التشتت وانحلال بعض عناصره إلى صورة عصابات وانضمام البعض إلى الحركة الإسلامية الأزبكية وفرار البعض إلى أفغانستان، كما انفصل الحزب عن زعيمه السابق القاضي تورغان زاده رغم فضل الأخير الكبير على الحزب، ولقد أحسن الرئيس رحمانوف استغلال هذه الانقسامات لصالحه (8).
وفي كثير من الأحيان كان الرئيس رحمانوف يوجه في خطبه انتقادات لاذعة لحزب النهضة، مشددًا على الدور الذي تقوم به الحكومة في نشر المساجد والتعاليم الإسلامية بطريقة سلمية آمنة عكس الصورة العنيفة التي ينتهجها الحزب (9)، ثم اتحدت الدولة أحدث مواقفها «بتاريخ 13 يناير 2004م» تجاه زعماء الحزب، فحكمت بالسجن على زعيمه خلال الحرب الأهلية شمس الدين شمس الدينوف بالسجن 16 سنة بتهم قيادة جماعات إجرامية (10)، ومع وقوع تفجيرات مفخخة في فبراير 2005م في العاصمة دوشانبيه عادت أصابع الاتهام مرة أخرى إلى الفصائل المنشقة عن الحزب (11).
وهكذا، فإن الانخراط في الحرب الأهلية في طاجيكستان، وخلط الأوراق في المنطقة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان، قد أوقع حزب النهضة الإسلامي تحت طائلة الاتهام بالإرهاب، بل واتهم زعيمه عبد الله نوري بالارتباط بزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن (12)، على الرغم من أن الحزب ما زال الوحيد الباقي كحرب ديني في آسيا الوسطى (13)، وله اليوم تمثيل في البرلمان الطاجيكي.
وعلى مستوى العلاقات الدولية، فإن إشارات قد صدرت في السنوات الأولى لظهور الحزب إبان استقلال طاجيكستان تعبر عن تأييد الحزب لأفكار ومناهج الثورة الإسلامية الإيرانية، ورغم سيادة اللغة الفارسية في طاجيكستان إلا أن الدور الإيراني في التواصل مع الحزب قد أعاقه الاختلاف المذهبي بين سنية حزب النهضة، واقترابه أكثر من مفاهيم الحركات السنية العالمية، وأيديولوجية المذهب الشيعي الذي لا توجد له جذور عميقة في التربة الطاجيكية، وفي المقابل فقد وجدت إشارات للتضامن مع جبهة الإنقاذ الجزائرية واعتبر البعض أن هناك تطابقًا في التركيب الأيديولوجي للحزب مع نظيره لدى حركة الإخوان المسلمين المصرية والجماعة الإسلامية الباكستانية، وخاصة في استقطاب الفئات الشابة المتعلمة والمثقفة (14).
وفي النهاية، فإن المحللين مختلفون حول دور حزب النهضة في التطور السياسي لطاجيكستان وخاصة في فترة الحرب الأهلية «1992- 1997م» تلك الحرب التي يراها البعض حربًا قاتل فيها الإسلاميون أمام العلمانيين، بينما يرى فيها آخرون حربًا طائفية قبلية سياسية دينية، تختط فيها كل الأوراق (15)، غير أن خبرة من تابعوا الحرب الأهلية في طاجيكستان عن قرب تخلص بأن أهم نتيجة تركها الصراع في طاجيكستان هو تلاشي مشروع حزب النهضة وتشتت جهوده وتمزقه إلى فصائل غير مترابطة لم يعد لها تأثير اليوم في طاجيكستان أو في المنطقة بشكل أوسع.
وتكاد تكون الصورة قد عادت أدراجها إلى ما قبل الاستقلال حينما كان هناك تعاطف مع الدين، لكن لا حماسة للثورة من أجله، فقد أكلت الحرب الأهلية كل ما تبقى ولم يعد هناك من مستقبل الحزب النهضة على المستوى المحلي أو الإقليمي في ظل الأوضاع الراهنة وميراث السنوات الماضية منذ الاستقلال.
المراجع
(1) Mullojonov.P (2001) The Islamic cler- gy in Tajikstan since the end of Soviet period, In Dudoignon.S & Hisao.K «eds» Islam in politics in Russia and Central Asia, carly eighteenth to late twentieth centu- ries- Kegan Paul, New York.
(2) The journal of Turkish weekly (2005) Islam in Tajikistan, Inter- view with Abdullo Hakim Rah- namo, 10/02/2005
(3) Mullojonov.P op. cit p. 229
(4) Malashenko.A (1995) Does Is- lam fundamentalism exist in Russia, In Roy-Y(ed) Muslim Eurasia; Conflicting legacies, Frank Cass, London
(5) Rashid. A(2002) Jihad; The Rise of Militant Islam in Central Asia, Orient Longman; India
(6) راجع في ذلك:
Mirahmadi-H (1999) The Islamic Renaissance of Uzbekistan, «The Muslim»? 1& 2 Winter/ Spring 1999
(7) Rashid,A, op cit
(8) Rashid, A Ibid
(9) راجع في ذلك ما نشرته جريدة برافدا الروسية بتاريخ 13/7/2002م.
(10) Radio Free Europe (2004) Tajikistan; Islamic Renaissance Party Leader Sen- tenced To 16 Years In Prison.
(11) The Jamestown Foundation (2005) Terrorist strikes on Tajikistan, Volume 2, Issue 3 February 03, 2005.
(12) راجع في ذلك حوارًا أجرته شبكة أوراسيا - نت مع سيد عبد الله نوري بتاريخ 13/2/2002م وموقع الحوار على الإنترنت:
www.eurasianet.org/departmentsa/qanda/articles/cav021302.shtml
(13) الحزب محظور في باقي دول آسيا الوسطى رغم وجوده القوي في دولة مثل أوزبكستان، راجع في ذلك تقرير مؤسسة بيت الحرية عن حظر الحزب وغيره من المجموعات الدينية الأخرى في تقرير المؤسسة لمراقبة الحرية الديمقراطية في آسيا الوسطى في:
www.freedomhouse.org/research/freeworld/2002/countryratings/ uzbekistan.htm
(14) Roy.O (2000) The Foreign Policy of the Central Asian Islamic Renaissance Party, council on foreign relations. New York.
(15) The journal of Turkish weekly. Op cit.
(*) باحث في شؤون الأقليات الإسلامية.