; انهم يفلسفون قتل الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان انهم يفلسفون قتل الإنسان

الكاتب عبدالقادر عبار

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989

مشاهدات 68

نشر في العدد 924

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 11-يوليو-1989

صدر قانون جديد في بريطانيا يقضي بالعمل على التخلص من الأطفال حديثي الولادة والذين يولدون مصابين بعاهات كالخلل العقلي. وصدر هذا القانون الجديد في أعقاب حالة مستعصية لطفلة ولدت ليلة ٢٥ ديسمبر الماضي ولا تزال تعاني من أعراض إعاقات خطيرة. وأجريت عليها عدة عمليات جراحية دون أمل في شفائها.

 

تقنين العاصفة

هذا الخبر المفزع الذي أوردته إحدى الصحف اليومية «1» في صفحة «صدى المحاكم» المخصص عادة لنقل وتتبع الجرائم التي يرتكبها -المواطن- نحو المجتمع والسلطة…ذكرني بمسرحية العاصفة «1» للكاتب الإنجليزي صورت موم - والتي عالج فيها مشكلة من أعوص المشاكل الاجتماعية الناجمة عن الحضارة المادية في الغرب والمعبّر عنها لدى الغربيين بالأوتانازي بمعنى: هل يسمح لأي كان بأن يقضي على حياة شخص عزيز عليه إذا أصيب ذلك الشخص بمرض لا رجاء في شفائه منه أو في أي حالة من الحالات التي لا سبيل لإخراجه منها... والمؤلف يبين لنا من سياق المسرحية وخصوصًا في خاتمتها أن السيدة تآبرت أم الضحية. قامت بعمل إنساني بطولي «!» أملاه عليها عطفها على ولدها العاجز!!! فقد جاء في الحوار الأخير الذي يدل على إثره ستار المسرحية:

السيدة تآبرت:- «في هدوء كامل» ... كنت وعدت -موريس- إثر الحادث بأنني أمكنه من التخلص من الحياة إذا أصبحت الحياة لا تطاق بالنسبة إليه... فقلت له: إذا أصبحت آلامك مبرحة وإذا طلبت إلى أن أريحك منها فإنني لن أتأخر أمام مسؤولية إعطائك السم مهما كان لتضع حدًا لحياتك الأليمة!

الممرضة: - هل أنت مستعد للتوقيع على شهادة الوفاة يا دكتور؟

الطبيب: - على أتم الاستعداد يا آنسة!

الممرضة: - وقع عليها إذن، وإذا وجه لي سؤال فأنا مستعدة لأن أقسم بأنني تركت جعبة الأقراص على المنضدة قرب فراش «موريس» «ترتمي على قدمي الأم القاتلة وتعانقها» ... عفوًا عفوًا سيدتي إنك كنت تحبينه أكثر مني!!! .... «صفحات ١٥٤ و١٥٦».

- عندما عالج صورت موم هذه المشكلة - أدبيًا... لم يكن يتصور أن يأتي اليوم الذي تتحول فيه وجهة نظره إلى قانون تتبناه الدولة ويمسي ساري المفعول، يطبق في وضع النهار باسم السلطة وتحت يافطة الرحمة» و«الشفقة» والإنسانية» و«الحضارة»!!!.... وينتقل تمثيلها. من ركح المسارح إلى واقع الناس وركح الحياة - اليومية ... وتتخلى الأم السيدة تابرت عن دورها في المسرحية ... إلى الأم السيدة السلطة - في الواقع ... ويتخلى الطبيب المستعد دائمًا للتوقيع .. عن دوره، للبرلمان.. وتتخلى الممرضة من جهتها عن دورها. للإعلام..! إنه تقنين للعاصفة!!

 

الرحمة .. على الطريق النمساوية!:

وأما الخبر العاصف الثاني فبإمضاء نمساوي وقد تناقلته الصحف الغربية وخلاصته أن أربع ممرضات بمستشفى لينز أكبر مستشفى نمساوي بالعاصمة - فيانا .. قتلن ٤٤ مريضًا في 4 سنوات، بدعوى أنهم كانوا مزعجين، وتقي الظل. مما دفع بالسيد «قوتر بوجي» رئيس شرطة فيانا إلى القول بأنها «أكبر سلسلة قتل تعرفها أوروبا.»!!

وقد جاء في اعترافات المتهمة الرئيسية «ولتراود فاقنر» «۳۰» سنة، عزباء» قولها: «نعم أحدثنا الموت لعدد من المرضى. ولكن كان ذلك بدافع الشفقة!!... كانوا عجائز أو في حالة ميئوس منها»!! وتضيف قائلة: كانت البداية سنة ١٩٨٤ مع عجوز في الرابعة والتسعين من عمرها ... كنت أقتل واحدًا كل ثلاثة أشهر ولكن هذا لم يكن كافيًا.. فأصبحت أقتل ثلاثة كل أربعة أشهر!!

 

الإنسان: قيمة أم سعر!؟

إن هذه الجرائم الحضارية القذرة النظري منها: كالقانون البريطاني الجاهلي الذي أشرنا إليه في بداية هذا المقال، أو التطبيقي، كالممارسات النمساوية، ناجمة في الحقيقة عن خلفية فكرية فلسفية متخلفة مسكونة في - الباطن الغربي والتي تلخص وجهة النظر الغربية للإنسان الذي هو عندها مجرد «سعر» لا قيمة ومجرد رقم لا ذات. والإنسان عندها أيضًا ليس أكثر من «زر» في ماكينة الإنتاج الغربي: فإذا أصابه عطب ما، وصار غير مساهم في دفع الماكينة.. استغني عنه وأُحيل على الإهمال!!

والمعاقون وأصحاب العاهات - العقلية منها خاصة... يبدو أنهم غير مرشحين للمساهمة في دفع ماكينة الإنتاج الغربي.. وبالتالي فهم قِطع غيار غير مرغوب فيها، وغير مطلوبة.. وليس لها مكان في المصنع الحضاري ولهذا تراهم يفلسفون للتخلص منها نهائيًا ولو على حساب الرحمة والشفقة!.. ذلك أن الالتزام بمبدأ البقاء للأصلح، وعقدة السبیارمان Supermen لا يمكن التنازل عنه أو التفريط فيه!!!

 

إنسانية الإنسان في حضارة الأزمة!

لقد كان الفيلسوف الأمريكي «جون ديوي» محقًا في استنتاجه الذي لخص فيه وجهة نظره النقدية، للمسار الانتحاري الذي تنتهجه الحضارة الغربية -حضارة الأزمة- والذي يقول فيه.. إن الحضارة التي تسمح للعلم بتحطيم القيم المتعارف عليها، ولا تثق بقوة هذا العلم في خلق قيم جديدة ... تدمر نفسها بنفسها!

ذلك إن الجانب الأخلاقي بالمقارنة إلى الجانب -المادي في واقع النشاط الحضاري الغربي- في أوربا كما في أمريكا ... أصبح متخلفًا كثيرًا -على حد تعبير الدكتور عبد الصبور شاهين «1» - إلى درجة أن أحدًا لم يعد يتصور أن من الممكن تحقيق أدنى تقدم في سبيل إصلاحه... لقد أصبحت الحياة أرقامًا وعلاقات حسابية خلوًا من أي قيمة أخلاقية!! ومن الممكن قطعًا أن نسلم بأن حجم المشكلة الأخلاقية على محور الحضارة الغربية قد أصبح أكبر من طاقة مصلحية وقدرتهم على مواجهته ربما لأن طابع الحضارة الغربية مادي في جوهره، ومن العسير أن تجد الأخلاق لها مكانًا في عالم يقيس كل شيء بمعيار مادي!

وهذا ما دفع رينيه دوبو: RENE DUBOS الحائز على جائزة نوبل للعلوم العام ١٩٧٦، وجائزة بولتزر PULITZER لعام ١٩٦٩ إلى القول بصراحة تشوبها مرارة وحسرة: .... نحن نشكو تجريد الإنسان من إنسانيته ويخبرنا علم الأجناس Anthropolopy أن الإنسان يكتسب مشاعره الإنسانية خلال صلاته الحميمة بالأحياء الآخرين من حوله، وأن كل أطوار نموه متكيفة دائمًا بالإثارات الاجتماعية التي يتلقاها خلال فترة حياته. فعلينا أن ننشئ الآن علمًا للرجل المعاصر لا يعتبر الإنسان مادة، وعلينا أن ندرس علاقة الإنسان بالأناس الآخرين في حالات انفعالاته العاطفية العميقة خلال لقاءاته الفردية وصلاته الاجتماعية العادية.. «٥»

 

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين:

إن هذه الشواهد المؤسفة التي سقناها ضمن هذا المقال، وغيرها كثير وأنكى... لدليل شؤم على المصير المدمر والمفزع الذي يتربص بالبشرية في حال إسلام قيادها للمنهج الغربي الوضعي واستكبارها عن إسلام الوجه لخالقها، والدخول في السلم كافة. وتبني المشروع النبوي للإصلاح والتحضر على مستوى الفرد والجماعة.

ذلك أن الوصفات الغربية المرصودة لوضع حل المشاكل البشرية وهمومها، والتخفيف من حدة المعاناة التي يكابدها الإنسان -ذكرًا وأنثى- على أكثر من مستوى وفي أكثر من مجال، لا تحمل في عمقها إلا السم والدمار... رغم الأسماء اللماعة التي توقعها والألوان البراقة التي تجملها، والأطر المصطنعة التي تظهر فيها... وأخبار الليل والنهار التي تركمنا بروائح الحروب والمجاعات والاعتداءات والانتهاكات والتدمير والإفساد.. لخير دليل على ذلك.

وهذا ما يجعلنا ننادي بدعوة الغرب إلى الاستقالة ورفع يده عن قيادة البشرية وسحب مشروعه الفاشل... وإفساح المجال أمام الصحوة الإسلامية المباركة حتى تنزل برنامجها الواعد الذي وصفه المولى سبحانه بأنه رحمة للعالمين.

 

هوامش

1.  جاء ذلك بجريدة الصباح، التونسية.

2.  العاصفة: للكاتب البريطاني: صومرت موم. تعريب حسن الزمرلي الدار التونسية للنشر.

3.  جريدة الصباح الأسبوعي الاثنين ١٧ - ٤ - ۱۹۸۹ صفحة مجتمع وقضايا.

4. انظر المقدمة الرائعة، التي صدر بها كتاب ودستور الأخلاق في القرآن للدكتور عبد الله دراز ص «كح» مؤسسة الرسالة.

5.  انظر كتاب إنسانية الإنسان: رينيه دوبو. تعريب دكتور نبيل صبحي الطويل عن مؤسسة الرسالة. ص: ٦٠

 

الرابط المختصر :