العنوان الوضع العربي الراهن: انكشاف الأبعاد المتعددة للاستلاب
الكاتب محمد شاويش
تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1522
نشر في الصفحة 42
السبت 12-أكتوبر-2002
لا توجد حالة من اغتراب المواطن عن المؤسسة السياسية في بلاده تزيد في حدتها عن تلك الموجودة عند العرب.
الاستلاب الأخلاقي يجبرنا على إنكار حقائق تاريخية ثابتة.
لماذا نريد شيئًا ثم نسلك سلوكًا يتناقض مع ما نريده؟ نحس بذلك، ولكن نجد أنفسنا عاجزين عن تبديل السلوك أو إزالة التناقض.
لماذا نعجز عن العمل الجماعي؟ ولماذا نقسو على بعضنا البعض فيما نرى البعض على استعداد للمساومة المذلة مع عدو خارجي؟
الإسلام يعبر عن الذات الحقيقة للبشر، والدعوة للإسلام هي دعوة للخلاص الشامل من الاستلاب.
حاز مفهوم «الاستلاب» على استعمال واسع في الفكر الغربي (والكلمة إحدى ترجمتين عربيتين لكلمة Alienation الإنجليزية ومعادلها الألماني Entfremdung، والترجمة الثانية هي "الاغتراب"، وأنا أميل إلى الترجمة الأولى، لأن من الأفضل عند تحويل كلمة إلى مصطلح اختيار كلمة نادرة الاستعمال ليست متداولة بمعانٍ أعم، ومن هنا لم يكن "الاغتراب" هو المصطلح المناسب).
ويبدو أن هذا المصطلح جذاب لكل مفكر يريد دراسة مشكلة فقدان الإنسان لانسجام مع ذاته أو مع المجتمع، وقد استعمل المصطلح بكيفيات عديدة لا يكاد يكون بينها علاقة إلى درجة أن أي مؤلف جديد يستطيع استعمال هذا المصطلح بمفهومه الخاص دون أن يعترض عليه إلا من يجهل الاستعمالات العديدة غير المترابطة التي استعمل فيها في الفكر الغربي الحديث.
الكاتب الذي درس هذه الاستعمالات دراسة دقيقة وهو ريتشارد شاخت يشبه المصطلح بمصطلح وجودي عند سارتر الذي قال عنه: "إن هذه الكلمة أصبحت تطلق على العديد من الأشياء بتوسع بالغ إلى حد أنها لم تعد تعني شيئًا على الإطلاق". ويضيف شاخت معلقًا: "ويمكن أن يقال ذلك عن مصطلح الاستلاب (استعمل المترجم كلمة «الاغتراب») وإن يكن المبرر في الحالة الأخيرة أقوى، لا يعني ذلك أن ننكر أن الظواهر التي توصف؛ لأنها كذلك على يد من يستخدمون هذا الاصطلاح هي ظواهر مهمة، بل الأمر على العكس، فالعديد من هذه الظواهر لها أهميتها ومغزاها، وتستدعي الحد الأقصى من الاهتمام، إلا أنه بسبب استخدام هذا الاصطلاح فيما يتعلق بالعديد من الظواهر المتباينة؛ أصبح لا يتمتع بأي ارتباط خاص بأي منها، ولا يعني استخدام اصطلاح الاستلاب اليوم دون مزيد من الإيضاح لما يقصده المرء ما يتجاوز قيام المرء بطرق كوبه الزجاجي بملعقته في إحدى المآدب، إن كلا الأمرين لا يسفر إلا عن جذب الانتباه."
هذا التشكيك بوجود معنى محدد، ولو كان عامًا للمصطلح يفيد إذا أردنا سلفًا أن نغلق الباب على من يأتي ليتهمنا بأننا استعملنا المصطلح خطأ، فشاخت يرى أن هذا الاعتراض غير منطقي، ولكنني سأفيد منه استنتاجًا منطقيًا في ظني، وهو أن على الكاتب أن يحدد ما يعنيه بالضبط من هذا الاصطلاح.
ومن جهة أخرى فإنني أعتقد أن هناك جوًا عامًا -إن صح التعبير- تندرج فيه أغلب استعمالات هذا المفهوم، وإنني الآن -وأنا بصدد التعليق على انكشاف ظواهر نفسية اجتماعية للجماعة المعنية- سأستعمل هذا الجو العام لأرصد أبعاد هذه الظواهر، وأحدد في كل حالة مفهومي للاستلاب الذي أصفه، وإنه لمصطلح فرض نفسه عليَّ بشكل غريب، فكأنني لم أجد كلمة تجمع هذه الظواهر غير الاستلاب، وآمل ألا يرى القارئ بعد أن ينتهي من المقال أنني جانبت الصواب، أو أن الحدس اللغوي لدي قد خانني.
وقد استعملت هذا المصطلح فيما مضى في توصيف وضع نفسي خاص يعادي فيه الإنسان مكونات ذاته الحقيقية، ويتبنى إزاءها موقفًا هو موقف مرجع له معادٍ.
والكاتب العربي الذي ينطبق عليه في أغلب الحالات ما قاله ذات مرة الألماني فيلهلم رايش: «من يستطيع كتابة أبحاث جمالية عن معنى اللون عند الصراصير في بيت يحترق، لا يمكنه أن يبعد التحديات المصيرية التي يواجهها شعبه من رأسه حين يكتب حتى في المواضيع الفكرية الأكثر تجريدًا، بل إن هذه التحديات قد تفرض عليه موضوع الكتابة أصلًا».
فما دفعني لكتابة هذا المقال الوضع المأساوي الذي يجد فيه كل عربي نفسه: إنه يشهد خطر موت هذه الثقافة العظيمة، وقد ملأه الشعور بالعجز، وانعدام القدرة على التأثير في مسار الأحداث.
هذا الشعور بالعجز سيخطر ببالي أولًا أن أرى فيه واحدًا من تجليات ما أسميته «الاستلاب التغلبي»، وهو قناعة الفرد بأنه مهزوم بصورة حتمية في أي صراع يخوضه، أو بتعبير آخر قناعته بصفرية قوة المغالبة عنده.
ولكنني حين أمعن التفكير في عناصر هذا الوضع، أجد أن الوضع استلابي حقًا، غير أنه متعدد الجوانب، وهذا المقال يهدف إلى تركيز الانتباه على بعض هذه الجوانب.
استعمل مصطلح «الاستلاب» بمعنى إنكار مكونات الذات الحقيقية، واستبدال ذات مثالية بها، والاقتناع بأن هذه الذات الزائفة هي الحقيقية، فهي إذن عملية تزييف مكتملة لنظرة المرء إلى ذاته.
والذات الحقيقية هي مفهوم حركي أو (كما يقولون "ديناميكي")، فهي واقع الشخص الموضوعي (الجسدي، النفسي، الاجتماعي). وهي أيضًا نمط السلوك الناتج عن الخبرة والتعلم وعن الموروث الثقافي، معنى هذا أن الذات الحقيقية لا تتضمن فقط صفات موضوعية يصعب التخلص منها ولو أراد صاحبها (فتاة تتمنى لو كانت أطول أو أقصر، أو لو كانت عيناها من لون آخر، أو شاب يتمنى لو كان أذكى، أو رجل يتمنى لو كان أغنى إلى آخره)، بل تتضمن أيضًا قناعات ونمطًا سلوكيًا.
أريد أولًا التطرق إلى مظاهر الاستلابية، وهذا القسم الثاني هو مجرد تلخيص ورؤوس نقاط لموضوع حيوي.
مظاهر الاستلاب العربي الشامل:
1. الاستلاب السياسي: اغتراب المؤسسة السياسية عن المواطن كان واحد من أكبر فلاسفة السياسة وهو الفيلسوف الألماني هيجل يرى أن المؤسسة الاجتماعية وتعبيرها السياسي هي من إنتاج الإنسان، غير أنها تبدو له في حالة الاستلاب غريبة عنه، بل معادية وتقف في مواجهته، ولا أظن أن في العالم حالة من اغتراب المواطن عن المؤسسة السياسية في بلاده تزيد في حدتها عن تلك الموجودة في بلاد العرب؛ إذ إن هذه المؤسسة لم تأخذ شرعية من أي شكل من القاعدة الاجتماعية التي يفترض أنها تمثلها وتعبر عنها.
إنه لا يرى أن السلطة تعبر عنه، أو أن إرادتها جزء من إرادته، وإنما يرى أن إرادة السلطة هي أساس تتوجه نحو كسر إرادته، ومنعه من التعبير عنها، بل هو يحس أحيانًا أن إرادة السلطة تتعمد التناقض مع إرادته وطموحاته، وأهدافه، ومثله العليا الدينية ومصالحه الدنيوية.
والموقف العاجز كليًا الذي وقفته أكثر الأنظمة العربية حيال العربدة الصهيونية التي كانت دومًا موجودة، ولكنها بلغت على عهد شارون مرتبة نوعية جديدة جعلت المواطن العربي يحس بالسخط، وساد الشعور بأن سلوك المؤسسة السياسية الرسمية متخاذل، ولكن المواطن لم يجد طريقة لتغيير هذا السلوك الذي يبدو للملايين معيبًا، ولم يجد المواطن إلا التعبير عن الغضب العاجز الذي لا يتحول إلى طاقة دافعة تنجز مشروعًا بديلًا، لماذا؟ لأن هذا المشروع ببساطة غير موجود، تبدأ الشعوب في العمل حين يظهر في الأفق برنامج عملي واقعي واضح، وهذا البرنامج في اعتقادي غير موجود إلى الآن.
2. الاستلاب الأخلاقي: وأعرفه ببساطة بأنه فقدان الشعور بالحق مع وجوده الحق، هنا لا أفصله عن الحقيقة، ففي هذا البعد من الاستلاب يجبر الفرد أو تجبر الجماعة على إنكار حقائق تاريخية ثابتة تحت ظل إكراه مرجعي دولي، ويبدأ الاستلاب منذ أن تقر الجماعة وتستبطن المفاهيم المزيفة التي يراد لها أن تحملها عن واقع كانت تعرفه في الأصل حق المعرفة.
لا يوجد مثال محزن على هذا الاستلاب أكثر من المثال العربي الذي أجبر على إخراس الصوت الداخلي الذي يقول له: إن فلسطين مغتصبة، وأكره على النطق بلغة «الشرعية الدولية» ثم أكره على تقبل التغير المطرد في مفاهيم هذه الشرعية الدولية عن التاريخ باتجاه التنازل المستمر، لا عن الحق، بل عن الحقيقة كما نرى الآن استعمالنا الطبيعي لمفهوم "الأراضي المحتلة" لوصف الجزء المحتل في عام 1967، واستعمال مفهوم السلام العادل، لتسوية تتضمن التنازل عن حقيقة الاغتصاب وهنا تكمن الواقعة الاستلابية.
وفي النقاش الدائر حول مياه نهر الحاصباني، يعتبر من البدهي أن ثمة جزءًا من المياه من حق "إسرائيل"، ولا يتذكر العرب أن هذه المياه هي من حق أربعة ملايين لاجئ ممنوعين من العودة إلى ديارهم.
3. فقدان السيطرة على الذات على الغرائز: تناقض المثل الأعلى مع السلوك، تناقض الهدف مع الوسيلة: يمكن القول إن الشخص مستلب، أي هو مغترب عن ذاته، حين تتناقض أهدافه العملية والأخلاقية مع سلوكه، شرط أن يكون مؤمنًا حقًا بهذه الأهداف، ولا يكون التناقض تعبيرًا عن نفاق نألفه في بعض حالات السياسة.
والعربي في وقتنا هذا مثال على هذه الحالة، فهو يريد شيئًا، ولكنه يسلك سلوكًا يتناقض مع ما يريده وهو يحس بهذا التناقض، ولكنه يجد نفسه عاجزًا، أو هو مقتنع بأنه عاجز عن تبديل سلوكه، وإزالة هذا التناقض.
ولو بحثنا في التعبير التحليلي عن هذا الموقف النفسي فسنجد أن الفرد في هذا الوضع قد فقد السيطرة على غرائزه؛ إذ هي التي تحرك سلوكه المتناقض مع أهدافه التي تبناها الأنا الأعلى عنده، إن شئنا أن نطلق على المراقب الأخلاقي المعياري للذات هذا الاسم الذي تبنته مدرسة التحليل النفسي.
وأعني بمصطلح "الغرائز" هنا ما هو أوسع بكثير من معناها الموجود في المدرسة المذكورة، إذ أطابقها مع ما دعوته سابقًا بالدوافع الاستلابية.
ما الدوافع التي تدفع العربي في اتجاه يتناقض مع الأهداف الكبرى التي تطرحها المرحلة الراهنة، وهي النهضة الشاملة التي تكفل الحياة الكريمة، ورد كيد الأعداء، والقدرة على مقاومة التحدي المصيري الذي يفرضونه؟
إنها دوافع من نوع: الأنانية، الميل الذي لا يقاوم لتغليب التناقض الثانوي مع الأخ على التناقض الرئيس مع العدو الغريب، الميل الفردي الذي يجعل العربي غير قادر على العمل الجماعي، ولا يستطيع القبول بمبدأ تقسيم العمل، ولا يستطيع التنازل ولو قليلًا عن كرامته الزائفة حيال أقل خدش لها جاء من أخيه فيشعلها حربًا طاحنة (في مقابل استعداد للمساومة المذلة مع العدو الخارجي، أما حين لا تكون هذه المساومة مقبولة، نجد لا يقبل توحيد الجهد مع رفقاء الخندق الواحد، ويستمر في خوض الحرب معهم في الوقت الذي يخوض فيه حربه مع العدو الغريب فتكون النتيجة هزيمة نكراء).
الإسلام كنقيض للاستلاب:
ما ذكرناه يقودنا إلى السؤال عن موقف الإسلام من الظاهرة الاستلابية، وهو بحث جدير بدراسة طويلة، ولكنني في هذا المقال القصير أكتفي برؤوس أقلام.
أولًا- توكيد الذات الأصيلة المستقلة ومحاربة التقليد:
صادقت الفلسفة الغربية الحديثة في اتجاهها الأكثر تأثيرًا على أن ماهية الإنسان هي ماهية مادية، الفرويدية ترى أنها ماهية غريزية حسية أساسًا، والماركسية ترى أنها ماهية اقتصادية، والفلسفة الوضعية المنطقية لا تكاد تخرج عن السرب؛ إذ هي تنكر كل ميتافيزيقا، ولا تقر بما لا يمكن التحقق من صحته بالمعنى المباشر لكلمة «تحقق». وقد أنكر سارتر أن يكون للإنسان ماهية ما، ورأى أن الوجود يسبق الماهية، وأن الإنسان حر، ولكنه قد يخفي عن نفسه حريته، وينسب إليها أنها مجبرة خاضعة للحتمية، وهو في هذا يذهب إلى الجانب الأقصى الآخر، فلا يجد داخل الإنسان شيئًا مستقرًا ثابتًا في أعماقه سابقًا على وجوده.
أما النظرة الإسلامية فترى أن ثمة ماهية مختبئة في أعماق الإنسان، وهي قوة قادرة على توجيهه وتعريفه بالصواب والخطأ هي «الفطرة»، ولكنه مع وجود الفطرة حر في سلوك طريق الضلال والابتعاد عنها.
والإسلام ليس دينًا طارئًا على البشرية، بل هو الدين الذي احتوى الحقائق الثابتة للإنسان في علاقته مع خالقه ومع الكون؛ إذ الإسلام هو دين الفطرة الذي لم يزل يدعو إليه الأنبياء من عهد آدم إلى آخر الأنبياء -عليه وعليهم السلام- هو الدين القيم الذي أخذ الله العهد من البشر، وهم في ظهر أبيهم آدم على اتباعه.
وبهذا المعنى فإن الإسلام يعبر عن الذات الحقيقية للبشر التي يمكن أن يغتربوا عنها بتأثير التربية والنظام الاجتماعي الفاسد، والدعوة للإسلام بهذا المعنى هي دعوة للخلاص الشامل من الاستلاب الذي عرفناه تعريفًا عامًا، بأنه وضع ذات زائفة في مكان الذات الحقيقية، وأضيف الآن أن المستلب (اسم المفعول) ينطق بلسان هذه الذات الزائفة على حين تكمن ذاته الحقيقية مكبوتة، لا تكاد تنطق إلا بأشكال غير مباشرة وغير واعية، يقول -عز وجل-: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: ١٤٣).
إذًا فالمسلم الحقيقي هو الإنسان المتبع لدين الفطرة التي هي الذات الحقيقية للبشر، ومثلها الأعلى هو النبي ﷺ، وهذه الأمة هي المقياس لوجود استلاب في عالم البشر، والنبي ﷺ هو المعيار لكل فرد من هذه الأمة.
ومن هنا كان على المسلم أن يبتعد عن التقليد في كل النواحي التي لا تنسجم مع الفطرة البشرية، وفي المقابل أبيح له، بل ندب وفرض فرض كفاية أن يبحث عن الحكمة عند غير المسلمين، ويعتبرها ضالته؛ إذ إن من تجرد من الإسلام دينًا فهو ليس بالضرورة متجردًا من الفطرة وتجلياتها، وهذا ما يمكن أن نضرب عليه مثالًا في وجود بعض الأنظمة السياسية والاجتماعية العادلة عند بعض الشعوب غير المسلمة، على حين وجد الظلم عند كثير من المسلمين حين ابتعدوا عن جوهر الإسلام، وبالمثل توجد قيم فطرية عند غير المسلمين كالنظافة والنظام قيم دعا إليها الإسلام، وتخلى عنها أتباعه المفترضون، وكل هذا عبر عنه محمد عبده -يرحمه الله- حين لخص الفرق بين ما رآه في أوروبا، وما رآه في بلاده قائلًا: إنه رأى في أوروبا إسلامًا، ولم ير مسلمين، ورأى في العالم الإسلامي مسلمين، ولم ير إسلامًا، ورغم بعض المبالغة في هذا القول، وما يمكن أن يساق من نقد على الجملتين، إلا أن ثمة جزءًا من المعنى صحيح.
وقد حرص الإسلام على تأكيد التميز في المضمون وفي الشكل، في المعنى القلبي وفي الشعائر الظاهرة المعبرة عنه، ومن هنا وجدنا الأذان يشرع منبهًا للصلاة، ولا يؤخذ بالناقوس.
وقد تنبأ النبي للمسلمين بأنهم سيقعون في حبائل نزعة التقليد، حتى لو دخل الآخرون جحر ضب لدخل المسلمون، وهذا ما يراه حتى الأعمى عندنا في هذا الزمان، وهذا واحد من آثار كثيرة تنبأت بحالة الانحطاط الحضاري التي حدثت وما زالت مستمرة.
ثانيًا- الثقة بالنفس والوقوف ضد اختلالها:
1. أخبر النبي ﷺ أصحابه أنه النبي الذي أنزلت عليه شريعة صدقت ما قبلها من شرائع ونسختها، ومن هنا انعدمت ضرورة أن يقلد المسلم الشرائع السابقة، ولا سيما أنها قد حرفت وبدلت، وقد قال: «لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي»
2. ظهرت هذه الثقة بالنفس واضحة في عهد الخلفاء الراشدين، والقارئ يعرف قصة ربعي بن عامر الذي لم يبالِ بكل زخرف الفرس ومظاهر حضارتهم المترفة الفاسدة، معلنًا قوة العقيدة الجديدة القائلة بالانتقال من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ومن ذلك أيضًا إصرار الخليفة العظيم عمر -رضي الله عنه- على التمسك بمظهره المتواضع، ونزعته إلى المساواة بين الرعية وبينه، وعدم قبوله بنصح من نصحه بتغيير هذا المظهر الإسلامي الأصيل بمظهر استعبادي يناسب الأقوام الذين وفد عليهم لعقد العهدة العمرية قائلًا: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نعتز بغيرها.
وثمة ثقة هي في غاية الأهمية تخص ما أسميته في مكان آخر "الاستلاب التغلبي"، وهي الثقة بالقدرة على التغلب على الخصوم وعدم الخوف منهم، ويظهر هذا في قوله -تعالى- مادحًا المؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ (سورة آل عمران: 173).
وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 139)، وبالتأكيد كانت هذه الثقة المعنوية الهائلة مطلوب دعمها بإعداد القوة المادية المستطاعة: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ (سورة الأنفال: 60).
ثالثًا- السيطرة على الغرائز والشهوات: هذه إحدى النقاط الحاسمة التي تجعل الإنسان يسيطر على ذاته، ويفعل ما تمليه مبادئه، ولا ينغمس في الدنيا، تسيره في نهرها الجارف كالغثاء.
هذه الحالة الغثائية نتجت -كما يحللها الحديث المشهور- عن حب الدنيا وكراهية الموت، والحال أن الرؤية الإسلامية تقول: إن الدنيا سلم للآخرة تجب عمارتها بحكمة، وفقًا لما يرضي الله، وبالتحكم الكامل بالهوى، وعدم إرخاء الزمام للشهوات، قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (سورة التوبة: 24).
ولذلك كان الترف الزائد والانسياق وراء الشهوات علامة انهيار الحضارة، كما أخبرنا -عز وجل-: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)﴾ (سورة الإسراء: 16).
ومن هنا كانت الخشونة مطلوبة كما في قول الفاروق: اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم. وفي سبيل السيطرة على الشهوات فرضت عبادات كالصلاة التي تنهي عن الفحشاء والمنكر، والصيام والزكاة والحج الذي لا يخلو من مشقة، ومن الأحاديث التي لم تدرس معانيها دراسة وافية الحديث عن الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، ففي أوضاعنا الراهنة نرى أن المسلمين والعرب منهم خصوصًا، هم أقدر على الجهاد الأصغر منهم على الجهاد الأكبر، وأعتقد أنه لم يقصد فقط بجهاد النفس الجهاد ضد الشهوات الفردية الحسية الصغيرة، بل قصد مكافحة تلك العيوب النفسية الخطيرة التي تحول دون تماسك المجتمع وتعاضده، وتقود إلى تفكيكه، وهذه العيوب نراها في مجتمعنا اليوم.
جهاد النفس يتضمن -في اعتقادي- إعادة بناء الذات الجماعية السياسية القادرة على الفعل؛ إذ إن ذاتنا الحالية تمتاز بفقدان القدرة على العمل الجماعي، ولنا في الحالة المزرية للجامعة العربية أوضح مثال وأبعثه على الأسى.
جهاد النفس -في اعتقادي- وبهذا المعنى الذي ذكرته هو الطريق للخلاص من الاستلاب المرير الذي يتبدى في فقدان السيطرة على المصير عبر فقدان القدرة على الوحدة مع الآخرين لبناء كتلة قوية ذات إرادة موحدة، تستطيع الوقوف بصلابة أمام تحديات العالم، وأمام الأخطار المحدقة، وفي اعتقادي أن إنهاء هذا النوع من الاستلاب هو الطريق المنطقي الموضوعي لإنهاء ظاهرة الفصام بين المجتمع والسلطة؛ لأن المجتمع الموحد المتماسك سيفرض سلطة تعبر عنه، وإنما تغترب السلطة عن المجتمع حين يكون المجتمع نفسه مفككًا منقسمًا، ولا أدل على ذلك من المثال الواضح الذي تقدمه المجتمعات الغربية التي لا يوجد فيها فصام بين الحاكم والمحكوم وبين إرادة الحكومة وإرادة الشعب.
هوامش:
(1) انظر الاغتراب، ريتشارد شاخت، ترجمة كامل يوسف حسين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 1980م، انظر مناقشته الختامية في الفصل السابع – ص299- 331.
(2) م. ن - ص 299.
(3) نشرت ذلك بعنوان: «النظرية العامة للاستلاب» في كتاب هو «حول الحب والاستلاب - دراسات في التحليل النفسي للشخصية المستلبة» دار الكنوز الأدبية- بيروت- 1995م. ص 25-69.