العنوان انقلاب ليسوتو.. ونموذج الدولة الضعيفة في إفريقيا
الكاتب بدر حسن الشافعي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1323
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
- هل تبتلع الدول الإفريقية الكبيرة جيرانها الضعفاء؟
- الأزمة تم احتواؤها بواسطة ٨٠٠ جندى فقط من جنوب إفريقيا وبتسوانا
فجأة برز اسم مملكة ليسوتو التي لم يكد يسمع عنها الكثير، بل إن البعض لا يعرف موقع هذه المملكة ويظنها من دول جنوب شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية، لكنها إحدى الممالك في جنوب القارة الإفريقية، لا تتجاوز مساحتها ٣٠ ألف كيلو متر مربع، ويقطنها قرابة مليوني نسمة يدين الغالبية العظمى منهم بالنصرانية 49% كاثوليك – 40% بروتستانت·
السبب في بروز اسم هذه المملكة مؤخرًا، هو ذلك الانقلاب الذي قامت به المعارضة ضد الحزب الوطني الحاكم بتهمة تزوير نتائج الانتخابات التي تمت في مايو الماضي لصالحه، وإذا كان الانقلاب قد تم احتواؤه بتدخل قوات جنوب إفريقيا وبتسوانا، إلا أنه يثير عدة قضايا لعل من أهمها:
1- مدى قدرة الدولة أو النظام السياسي على اكتساب الشرعية الداخلية، وقدرته على مواجهة أي تحد داخلي أو خارجي.
2- مدى نجاح الفرضية القائلة بضعف معظم النظم الإفريقية وتركز قوة النظام في محيط العاصمة فقط، بحيث لا يقوى على مواجهة أي تمرد داخلي.
3- حدود الدور الخارجي في حسم القضايا الداخلية في دول الجوار، وهل هذا الدور ينتهي بعودة الأمور إلى نصابها، أم قد يكون البداية لفرض هيمنة خارجية بدلًا من الهيمنة الداخلية؟
الوضع السياسي في ليسوتو
يلاحظ بداية أن العلاقة بين ليسوتو وجنوب إفريقيا -تلك الدولة التي كانت تفرض هيمنتها على هذه المملكة الصغيرة بحكم الموقع الجغرافي من ناحية، والارتباط الاقتصادي من ناحية ثانية- يفسر لنا تطورات الأحداث السياسية في جنوب إفريقيا، فهذه المملكة الصغيرة تقع في قلب جنوب إفريقيا، مثلها مثل سوازيلاند، ولذلك فهي محاطة من جنوب إفريقيا، من كل الجهات ولهذا الأمر دلالاته الخطيرة، وبخاصة إذا ما عرفنا أن حجم التجارة لهذه المملكة مع جنوب إفريقيا يُشكّل 83% من إجمالي تجارتها الخارجية، هذا بخلاف وجود أكثر من مائة ألف عامل ليسوتي يعملون في بريتوريا، وتشكل عوائد هؤلاء مصدرًا مهمًا لدخل هذه المملكة الذي لا يتعدى ملياري دولار سنويًا.
ونعود للحديث عن التاريخ السياسي لهذه المملكة، إذ يُعتبر الملك هوشوشو الأول هو مؤسس أمة السوتو، وهي القومية الرئيسة، بل الوحيدة في المملكة، ومن ثم فهي تمتاز بعدم وجود انقسامات عرقية كتلك المنتشرة في دول إفريقيا الأخرى، وقد امتاز هوشوشو الأول بحسه السياسي العالي الذي عرف من خلاله كيف يتجاوز الصعوبات التي واجهته خلال النصف الأول من القرن ۱۹، فخلال تلك الفترة دافع عن أرضه ضد الزولو -البوير- وطلب مساعدة بريطانيا عام ١٨٦٨ م لمنع ضم بلاده إلى اتحاد جنوب إفريقيا، لكن بريطانيا استغلت هذا الأمر، وأعلنت ليسوتو محمية بريطانية عام ١٨٨٤م، ولكنها في الحقيقة كانت مستعمرة بريطانية حتى عام ١٩٦٦م تاريخ الاستقلال.
بدأت المطالبة بالاستقلال منذ بداية الخمسينيات بقيادة رئيس الوزراء الأسبق جوناثان الذي انتُخب عضوًا في المجلس الوطني لباسوتولاند الاسم السابق لليسوتو والذي أنشأته بريطانيا آنذاك، وفي عام ١٩٥٩م أسس جوناثان الحزب الوطني، وتمكن من الفوز في أول انتخابات جرت في البلاد عام ١٩٦٤م وهي آخر انتخابات تمت في ظل الحكم البريطاني وفاز بأغلبية ضئيلة، وقد تم وضع دستور جديد نَص على إنشاء مجلس تشريف ثان للشيوخ، ليعكس الحياة الارستقراطية الشبيهة بالحياة البريطانية. ولقد دار صراع حول صلاحيات الملك رئيس البلاد بين جوناثان والزعيم هوشوشو الثاني الذي اتفق على تنصيبه ملكًا على البلاد، لكنه كان يرفض أن تكون له صلاحيات شرفية، وقد حسم الصراع لصالح جوناثان، وإن كان الملك عمل على انتهاز الفرصة للتدخل في الشؤون السياسية للمملكة، ولقد بدأت أولى أزمات ليسوتو بعد الاستقلال عام ١٩٦٦م، عندما عقد حزب باسوتولاند المعارض -ذو التوجهات الماركسية- مؤتمرًا للتنديد بالعلاقة الفرعية بين رئيس الوزراء جوناثان وجنوب إفريقيا التي زارها عام ١٩٦٥م، وحصل منها على ١٠٠ ألف كيس ذرة خلال فترة القحط التي حلت بالمملكة في هذه الفترة، وقد تفجرت الأزمة عندما أصدر جوناثان أوامره بتفريق ذلك التجمع الذي كان يضم حزب باسوتولاند، وحزب مارماتلو الحُر الموالي للملك، ولقد أسفرت المواجهة بين الطرفين عن مقتل ۱۱ مواطنًا وفرض الإقامة الجبرية على الملك، وإكراهه على التوقيع على وثيقة يلتزم بمقتضاها بعدم التدخل في الحياة السياسية.
وخلال عام ۱۹٧٠م نشبت أزمة أخرى خلال الانتخابات الأولى في البلاد بعد الاستقلال، وقد أسفرت النتائج الأولية عن فوز حزب مؤتمر باسوتولاند المعارض بـ ٣٦ مقعدًا من أصل ٦٠ مقعدًا، مما دفع جوناثان إلى إلغاء هذه النتائج وتوقيف واعتقال زعماء المعارضة المنتَخَبين ومن بينهم موكيهيلي -زعيم المعارضة- وقد أجبر الملك على اللجوء إلى المنفى «هولندا».
وقد دفعت هذه الأحداث بريطانيا إلى وقف مساعداتها المادية عن المملكة إلى أن تم الإفراج عن موكيهيلي وعودة الملك الذي ألتزم من جديد بعدم التدخل في الحياة السياسية، ومنذ ذلك الحين سعى جوناثان إلى التقارب مع المعارضة، وبدأ حوارًا سياسيًا مع زعيمها موكيهيلي بهدف تعيين جمعية تأسيسية، ولكن هذا الحوار ما لبث أن تحول إلى صراع دام، حينما قامت مجموعات من حزب مؤتمر باسوتولاند، بمهاجمة خمسة مراكز شرطة عام ١٩٧٤م، لكن السُلطات الحكومية نجحت في إفشال هذه المحاولة الانقلابية فهرب زعيم المعارضة.
لكن هذا الوضع لم يدفع جوناثان إلى توطيد علاقته مع جنوب إفريقيا، بل تدهورت هذه العلاقة عندما طلب من بريتوريا التخلي عن جزء من منطقة الأورانج التي ضُمّت إلى جنوب إفريقيا بالقوة.
ومنذ ذلك الحين تضافرت مجموعة أخرى من العوامل لكي تسهم في زيادة التباعد بين البلدين ومن أهمها: بداية حدوث تغيرات في توجهات جوناثان نحو الكتلة الاشتراكية آنذاك من ناحية، واستضافة ليسوتو للمعارضة الجنوب إفريقية من أنصار المؤتمر الوطني الإفريقي من ناحية ثانية، لذا فقد ساعدت جنوب إفريقيا الجنرال جوستن ليكهايتا على الإطاحة بجوناثان في 10 / 1 / 1986م، وأعلن ليكهايتا أنه سيحكم البلاد بمساعدة مجلس عسكري وتحت السُلطة الدستورية الشكلية للملك.
الانقلاب الحالي وموقف جنوب إفريقيا
إذا عُدنا للانقلاب الأخير فسنجد أنه يأتي في سلسلة الانقلابات التي شهدتها المملكة، لكن ربما ساعد على وقوعه أمران: الأول: عدم إعطاء المعارضة القدر الكافي من المشاركة السياسية، والثاني: المبدأ الذي أعلنته حكومة جنوب إفريقيا الجديدة في ظل حكم المؤتمر الوطني الإفريقي عام ١٩٩٤م، والذي يقضي بعدم التدخل في شؤون دول الجوار، والسعي للإهتمام بالشؤون الداخلية.
لكن سرعان ما تدخلت جنوب إفريقيا استجابة لنداء ملك ليسوتو الحالي الملك ليشي الثالث، وقامت بإرسال ٦٠٠ جندي تابعين لها لقمع الانقلاب، وقامت بتسوانا بإرسال مائتين آخرين، ولعل هذا يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب هذا التدخل أو بمعنى آخر التغير في موقف حكومة مانديلا.
أسباب تدخل حكومة إفريقيا
يمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي:
1- رغبة جنوب إفريقيا في الاحتفاظ بمكانتها كقوة عظمى في الجنوب الإفريقي، وبخاصة أنها ترأس منظمة تنمية الجنوب الإفريقي «السادك» ولقد تنامى هذا الشعور لدى مانديلا بعد قيام زيمبابوي بأخذ زمام المبادرة في التدخل لصالح الرئيس كابيلا في الكونغو الديمقراطية، بل إن دولًا صغيرة كأنجولا وناميبيا تدخلتا في الأزمة: فلماذا تقف بريتوريا مكتوفة الأيدي أمام هؤلاء؟
2- حماية المصالح الاقتصادية للنخبة الجنوب إفريقية في ليسوتو والتي تحتكر المشروعات الكبيرة هناك.
3- رغبة جنوب إفريقيا في حماية مشروع مياه الأراضي العالية الذي تشرف عليه هناك وتبلغ تكلفته 1,5 مليار دولار.
4- وجود بعض القوى داخل أوساط المثقفين تطالب بضرورة ضم ليسوتو وكذا سوازيلاند إلى بريتوريا، وذلك بالنظر إلى الأوضاع الجغرافية من ناحية والاقتصادية من ناحية ثانية.
إزاء كل هذه الاعتبارات كان التدخل الجنوب إفريقي في الأزمة له دور حاسم في القضاء على محاولة الانقلاب، ودعوة طرفي النزاع إلى مائدتي التفاوض، وتم التوصل لحل وسط اقترحته منظمة السادك يقضي بتسوية الأزمة سياسيًا، واستئناف المفاوضات لإقامة تنظيم يطلق عليه المجلس التنفيذي الانتقالي ويتشكل من الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة لإدارة شؤون البلاد على أن يتم إجراء انتخابات تشريعية في غضون ١٥ شهرًا.
الدلالات السياسية للأزمة
بالرغم من صغر ليسوتو، وضآلة الحدث، إلا أنه يحمل العديد من الدلالات السياسية المهمة في القارة الإفريقية:
1- ضعف وهشاشة معظم النظم السياسية في إفريقيا، بحيث نجد أن هذه النظم قد لا تستطيع مواجهة التحديات الداخلية، ومن ثم فإنها قد لا تقوى أيضًا على مواجهة التحديات الخارجية.
هذه النظم لا تتمكن من احتواء التحديات إلا من خلال طلب المعونة من أطراف خارجية، هذا الأمر لا ينطبق على ليسوتو فقط، وإنما ينطبق على دول أخرى كليبيريا وتدخل الإيكواس والكونغو وتدخل زیمبابوي وأنجولا وناميبيا وسيراليون، وهو أمر ذو دلالة مهمة، إذ قد تطمع هذه الدول الخارجية في هذه الدول الصغيرة وتفتعل أي مشكلة للتدخل، وما أكثر المشكلات التي لم يتم حسمها منذ الحقبة الاستعمارية، وفي مقدمتها مشكلة الحدود، وفي أقل تقدير، فإن هذه النظم الصغيرة ستكون مدينة بالولاء لهذه الدول الكبيرة.
2- قيام المنظمات الإقليمية بسحب البساط من منظمة الوحدة الإفريقية، فالإيكواس في غرب إفريقيا، والسادك في جنوب القارة، الأمر الذي يطرح تساؤلًا مهمًا: هل هذه المنظمات الإقليمية بديلة للمنظمة الأم أم أنها مكملة لها؟ بالطبع فإن ما يحدث فعليًا على أرض الواقع يدعم الإجابة الأولى.
3- إن إفريقيا لا تزال تواجه مشكلات عدة بالنسبة للأخذ بمبادئ الديمقراطية، ولعل من أهم هذه المشكلات مشكلة العرقية، وليست هذه هي المشكلة الوحيدة، فهناك مشكلة توافر الإرادة السياسية الراغبة في إحداث هذا التحول، ولقد كان هذا واضحًا في ليسوتو، فبالرغم من عدم وجود إثنيات عرقية إلا أن الحزب الوطني ظل مهيمنًا على البلاد منذ استقلالها عام ١٩٦٦م، وما حدث في ليسوتو توجد له حالات مشابهة في دول أخرى ترفع شعار الديمقراطية، الأمر الذي قد يدفع الجيش للتدخل لحسم النزاع الدائر بين النظام والمعارضة، ومن ثم تعود هذه البلاد إلى الوراء من جديد.