; انقسام سياسي حول مصير لجنة الانتخابات في اليمن | مجلة المجتمع

العنوان انقسام سياسي حول مصير لجنة الانتخابات في اليمن

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

لا تزال الساحة السياسية في اليمن منشغلة بأزمة الانتخابات والتحضيرات الأولية لها، والتي فجّرت جرت أزمة علنية بين شريكي الائتلاف الحاكم بشأن ما جرى في أثنائها من تجاوزات قانونية.

وبعد شهرين من الجدال السياسي والإعلامي، تتركز مطالب المنتقدين على تغيير تشكيل اللجنة العليا للانتخابات التي يحَمِّلونها مسؤولية كل ما حدث من تجاوزات للدستور وقانون الانتخابات، مؤكدين مطالبهم بأن صدور قانون جديد للانتخابات يفرض تغيير اللجنة التي ثبت انحيازها لحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه الرئيس علي صالح.

وفي المقابل، يتزعم حزب المؤتمر جبهة المؤيدين لاستمرارية اللجنة العليا للانتخابات في عملها، مع توفير دعم سياسي وإعلامي رسمي قوي لها.. بالإضافة إلى تضمين الخطاب الرسمي شيئًا من الإتهامات المبطنة للمنتقدين بأنهم ينفذون مخططًا معاديًا للانتخابات والديمقراطية بعد أن وجدوا أن حساباتهم لا تؤهلهم للفوز في انتخابات أبريل ١٩٩٧م.

البحث عن حل وسط

ولأن جبهة المعارضين تضم التجمع اليمني للإصلاح، الشريك الثاني في السُلطة والحزب القوي شعبيًا، فقد اكتسبت مواقفهم ومطالبهم قوة هامة، وأحرجت تحركاتهم وبياناتهم وحملتهم الإعلامية موقف الطرف الآخر.. ولذلك وافقت القيادة اليمنية على تشكيل لجنة برئاسة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب للنظر في الإتهامات الموجهة للجنة العليا للانتخابات، وبالفعل عقدت اللجنة عدة إجتماعات، لكن لا يبدو أن هناك حلًا سريعًا للأزمة، وخاصة أنها ارتبطت بطرفين سياسيين، وهو أمر يجعل من الصعب على أي منهما أن يرضى بمطالب الآخر. 

من جهتها بدأت اللجنة العليا للانتخابات حملة مضادة للانتقادات الموجهة إليها، بدأت بنشر رسالة منها إلى رئيس الجمهورية تتضمن ردودًا على المنتقدين، لكن الرسالة فتحت أبوابًا جديدة للإنتقادات، سواء أكان ذلك من النواحي القانونية التي تولاها قانونيون مشهورون.. أو من الناحية السياسية حيث تضمنت رسالة اللجنة هجومًا لاذعًا ضد الأحزاب المنتقدة وإتهامها بأنها تنتقد اللجنة العليا بعد تأكدها من فشلها في النجاح في الانتخابات القادمة، وبالطبع فإن المنتقدين وصفوا كلام اللجنة بأنه دليل جديد على الانحياز ضدهم من لجنة يفترض فيها أن تكون محايدة ومستقلة، مثيرين أن التنبؤ بفشلهم في الانتخابات يؤكد انحياز اللجنة وتعمدها لارتكاب التجاوزات القانونية وتحولها إلى خصم للأحزاب السياسية، مما يعزز موقف المطالبين بتغييرها!.

وفي السياق نفسه، عقدت اللجنة العليا للانتخابات مؤتمرًا صحفيًا في نهاية أكتوبر الماضي للدفاع عن مواقفها، ولوحظ التغطية الرسمية الكبيرة الذي حظي به المؤتمر الذي تم بثه تليفزيونيًا مرتين بصورة كاملة، مع تخصيص مساحة واسعة لأخباره في الصحافة والإذاعة.. لكن المنتقدين أكدوا أن مجريات المؤتمر الصحفي جاءت معززة لمواقفهم، وخاصة عندما طالب أحد أعضاء اللجنة العليا للانتخابات الأحزاب السياسية بنبذ الخلافات و الالتفاف حول «الميثاق الوطني» وهو بالمناسبة البرنامج الأساسي لحزب المؤتمر الشعبي العام!! بما يعني دعوة لإلغاء التعددية السياسية ومخالفة الدستور!.

بالإضافة إلى ذلك، فإن اللجنة العليا أعترفت في المؤتمر الصحفي بالتجاوزات التي حدثت في مرحلة التحضير للانتخابات، لكنها تنصلت من مسؤولياتها وأتهمت اللجان الإشرافية والأساسية العاملة في الميدان بأنها هي المسؤولة عما حدث!.

أما النواحي القانونية و الدستورية فلم تأت اللجنة بجديد فيها.. وخرج كثيرون بإنطباع أنها فشلت في الدفاع عن مواقفها!. 

وهكذا صارت شرعية اللجنة العليا هي نقطة الخلاف الكبيرة بين مطالبين بحلها وتشكيل أخرى جديدة وبين متمسكين باللجنة القائمة.

وكما قُلنا -سابقًا- فإن حساسية الموضوع سياسيًا تحول دون إتخاذ قرار حاسم في الأزمة.. إذ إن من سمات الحياة العامة في اليمن أن الحلول التوفيقية هي التي تفرض نفسها في الأخير، نظرًا للعوامل القبلية والمناطقية التي تحول -غالبًا- دون إتخاذ قرار إدانة لطرف ما!. 

ومع ذلك، فإذا استبعدنا خياري الحل الكلي والاستمرارية.. فإن هناك حلًا وسطًا يبدو أنه سيكون هو الذي سوف تتفق عليه الأطراف المتنازعة.. وهذا الحل -الذي بدأت ملامحه العامة تتسرب إلى الرأي العام- يستبعد مطلب التغيير الشامل للجنة، بحيث يقتصر التغيير على رئيس اللجنة -مثلًا- بالإضافة إلى تقليص أعضاء اللجنة العليا للانتخابات من 15 إلى 7 أشخاص فقط، تكون نسبة النصف فيهم من الأعضاء الإحتياطيين الذين لم يشاركوا عمليًا في أعمال اللجنة.

ومثل هذا الحل سيكون نصف إنتصار ونصف هزيمة لكل طرف، لكنه هو المخرج الوحيد في الظروف الراهنة.. فإصرار الرئاسة اليمنية على استمرارية اللجنة سوف تدفع قوى سياسية هامة إلى إتخاذ مواقف ربما تضر بالتوجهات العامة التي تحرص صنعاء على إعطاء إنطباع للخارج بأنها ديمقراطية وتؤمن بالرأي الآخر.. ولا شك أن مقاطعة أحزاب هامة -كالإصلاح والاشتراكي- للانتخابات، وهو احتمال مطروح بقوة، سوف يهز الصورة العامة للنظام السياسي اليمني. 

وفي المقابل فإن المؤيدين لاستمرارية اللجنة العليا للانتخابات في عملها سيجدون في الحل الوسط مخرجًا مناسبًا لتخفيف الضغوط السياسية والشعبية ضدهم، ومن ثم فإن التغيير الجزئي للجنة هو أفضل بكثير من تغييرها بصورة كاملة.. لأن قانون الانتخابات الجديد يشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على قائمة المرشحين لعضوية اللجنة، والتي يختار رئيس الجمهورية سبعة منهم لعضوية اللجنة وهو أمر يصعب على حزب المؤتمر الشعبي أن يضمنه بتركيبة مجلس النواب القائمة حاليًا.

وإلى أن يتم الإعلان عن حل ما للأزمة، فإن الأمر يحتاج إلى زمن مناسب لتهيئة الرأي العام له.. بحيث لا يظهر الأمر وكأنه إنتصار لطرف على آخر.. لكن إذا فشل الحل الوسط المذكور فإن الوضع سيكون صعبًا لكل الأطراف.. إذ ستكون ملزمة باتخاذ قرارات غير عادية أو مواجهة ظروف غير طبيعية ظن اليمنيون أنهم تجاوزوها منذ عامين!. 

 

الرابط المختصر :