العنوان انفجار طرابلس: المسلمون هم المستهدفون
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1988
مشاهدات 83
نشر في العدد 865
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 03-مايو-1988
يوم السبت
الماضي في 7 رمضان 1408هـ الموافق 23 /4 /1988 وفي تمام الساعة 9:15 صباحًا، هز
انفجار مروع سوق الخضار بمنطقة التبانة بمدينة طرابلس بينما كان السوق مكتظًا
بالمسلمين الصائمين. وأعقب الانفجار الآثم سحابة من الدخان الأسود غطت المنطقة
بكاملها، فيما اختلطت السيارات المشتعلة بالسيارات الأخرى التي قذفها الانفجار إلى
مسافات بعيدة، وساد المنطقة حالة من الهلع والرعب فيما تناثرت أشلاء الضحايا
والمصابين واختلط بعضها بأكياس البطاطا والخضار، وتحولت المحلات إلى أنقاض فيما
تهدم جدار مقبرة التبانة وسُمِعت أصوات النحيب والاستغاثة والصراخ.
وأدى الانفجار
إلى نشوب حريق في السيارات التي كانت متوقفة قرب مكان الحادث واحتراق من كان
بداخلها.
وذكرت المصادر
بأن الانفجار أدى إلى استشهاد 66 شخصًا وفقد 3 أطفال وجرح 130 شخصًا، وقيل إن 36
جثة تفحمت ولا يمكن التعرف عليها.
وتضاربت
المعلومات حول نوع السيارة الملغومة، فقيل إنها سيارة مرسيدس 280 كانت مفخخة
بحوالي 150 كيلوغرامًا من مادة "ت. ن. ت" شديدة الانفجار، وقيل إنها
سيارة (بيك أب) مملوءة بالخضار. ويعتقد أن السيارة تم تفجيرها بواسطة ساعة توقيت
وأن منفذي الجريمة حددوا الوقت ليتلاءم مع اللحظات التي تشهد المنطقة ذروة
الازدحام.
هذا وقد أعلنت
منطقة الشمال في لبنان الإضراب العام يوم الاثنين الماضي استنكارًا لهذا التفجير
الإجرامي وحدادًا على الضحايا الأبرياء، وذلك بناءً على دعوة من "هيئة
التنسيق الشمالية". كما أدان "اللقاء الإسلامي" جريمة التفجير
وطالب ببذل أقصى الجهد لكشف مرتكبيها وإنزال أقصى العقوبات بهم.
ومع الإجماع على
شجب واستنكار الجريمة واعتبارها مجزرة، فقد تضاربت تحليلات القوى اللبنانية لهذه
الجريمة، فعلى حين أن نبيه بري رئيس حركة "أمل" اتهم الإسرائيليين
بالجريمة، وقال: "إن اليد الإسرائيلية تنتقل من تونس لتمزق حرمة المسجد
الأقصى ولتستمر في مسيرة قمع الانتفاضة بأوحش الأساليب في وقت يتلهى فيه العرب
بالاستحصال على قرار إدانة، وما أكثر قرارات الإدانة التي كانت ترفسها
"إسرائيل"، هذه اليد هي التي قامت بالتفجير الإجرامي في طرابلس
الفيحاء".
أما مرشح الحزب
التقدمي الاشتراكي لرئاسة الجمهورية أنطوان الأشقر، فقد نسب الجريمة المروعة إلى
مخابرات الجيش والقوات اللبنانية "لأن تاريخهم مميز برسائل مشابهة كانت
نتيجتها الخراب والدمار والويلات على الشعب اللبناني" على حد تعبيره.
وأما رئيس
التنظيم الشعبي الناصري المهندس مصطفى سعد، فقد رأى أن هذه الجريمة تأتي في سياق
الخطة الهادفة لإسقاط "مناطقنا الوطنية والإسلامية" مع اقتراب
الاستحقاقات الدستورية.. متناغمة بذلك مع الاعتداءات الصهيونية بحق الجنوب وأهله،
مشكلة معه سلسلة واحدة تحاول محاصرة "مناطقنا" وإسقاطها من الداخل.
ومن المعروف أن
مدينة طرابلس "الفيحاء" تعتبر ثاني مدن لبنان بعد بيروت ويبلغ عدد
سكانها حوالي 250 ألف نسمة غالبيتهم العظمى من المسلمين السنة، ومنطقة التبانة
التي جرى فيها الانفجار منطقة سنية طالما جرى بينها وبين منطقة بعل محسن
"النصيرية" اشتباكات قبل أن يسيطر الجيش السوري على المدينة.
وهذا الانفجار
لم يكن الوحيد من نوعه في المدينة المسلمة، فقد حدث انفجار مماثل في شهر رمضان
المبارك عام 1985 ذهب ضحيته ما لا يقل عن 52 شخصًا وأصيب 75 شخصًا بجروح.
وقد وُجهت أصابع
الاتهام مباشرة إلى المتضررين من أجواء التفاؤل التي أشاعتها مؤخرًا المشاريع التي
تطرح إقليميًا ودوليًا لمحاولة إيجاد حل للأزمة اللبنانية وتأمين انتخاب رئيس جديد
للبنان.
وبالرغم من أن
ميليشيا القوات اللبنانية شجبت هذا الانفجار، إلا أن لجنة التنسيق في طرابلس اتهمت
هذه الميليشيا بأنها "مولت هذه الجريمة وبأنها تعمل لحساب العدو
الصهيوني".
وأيًا كانت
الجهة التي تقف وراء هذا الانفجار، فهي جهة معادية للإسلام والمسلمين ما دام الهدف
هو قتل أكبر عدد من المسلمين ولا يمكن اعتبار هذا الانفجار معزولًا عما يحيط
بطرابلس من أحداث سواء على المستوى اللبناني أو العربي أو الدولي.
وسيبقى المسلمون
في لبنان وفي غير لبنان هدفًا للتآمر والتصفية كلما حاولوا أن يحزموا أمرهم وأن
يكون لهم دور في تقرير مصير أوطانهم، وما لم يتحد المسلمون على قلب رجل واحد وعلى
منهج واحد وعلى كتاب واحد، فسيظل جدارهم الأمني مخترقًا ووضعهم السياسي مهزوزًا
وأموالهم وأرواحهم عرضة للخطر.