العنوان انفجارات إسلام أباد لا تخرج عن المخابرات.. الهندية أو الأمريكية
الكاتب عبد الغفار عزيز
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 82
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
خلال بضع دقائق فقط أطلق المجهولون سبعة صواريخ في سبعة أماكن حساسة في العاصمة إسلام آباد، جل هذه الصواريخ استهدف مباني ومنشآت تتعلق بمكاتب البعثات الدبلوماسية الأمريكية أو التابعة للأمم المتحدة، أما توقيت هذا الهجوم فهو اليوم الثاني عشر من نوفمبر الجاري أي قبل يومين فقط من انتهاء المهلة التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية لتسليم أسامة بن لادن.
بهذا التوقيت وبهذه الأماكن المستهدفة يظن المرء ومن أول وهلة أن المهاجمين موالون لحكومة طالبان أو موالون لأسامة بن لادن، وأرادوا أن يوجهوا الرسالة للإدارة الأمريكية إذا أصرت على تسليم بن لادن، وأنها لو فرضت عقوبات اقتصادية على أفغانستان، فإنها بذلك تعرِّض مصالحها في باكستان وفي العالم أجمع إلى أخطار جمة، ولكن هذا التكهن ليس في محله بالضرورة، بل هناك حقائق مبدئية كثيرة تفنده وتبطله، وتشير إلى جهات أخرى تستفيد من مثل هذا الهجوم.
فالمعروف أنه لا توجد أية دولة في العالم تعترف بحكومة طالبان سوى باكستان، ومثل هذا الهجوم الصاروخي لن يبقى منفذوه مجهولين، وحكومة طالبان تدرك جيدًا أنه لو ثبت تورطها في العملية لفقدت معينها الوحيد في العالم؛ لأنها استهدفت أمنه واستقراره، وهذا الأمر لا ترضاه طالبان في أي حال من الأحوال، وهناك نقطة مهمة أخرى في هذا الصدد وهي أن مثل هذه العمليات ليست كفيلة وليست كافية لردع الولايات المتحدة الأمريكية عن المضي قدمًا في سبيل العقوبات، وقد ثبت في أكثر من مرة أن التحركات السياسية والدبلوماسية في مثل هذه الأحوال أكثر تأثيرًا من الهجمات المبتورة الفاشلة.
أما التكهنات الأخرى حول من نفذ العملية، فيشير المحللون إلى أن اسم الاستخبارات الأمريكية أيضًا ليس خارج القائمة، لأنها بذلك قد اكتسبت تعاطفًا شعبيًّا كبيرًا داخل المجتمع الأمريكي، وكذلك حصلت على شيء من التعاطف والتأييد الرسمي للمجتمع العالمي لصالح خطوات الإدارة الأمريكية المناهضة لحكومة طالبان، والأهم من كل ذلك أنها قد تستغل هذه الهجمات على مكاتبها وقرب سفارتها في إسلام أباد لتبرير هجومها المباغت على الأراضي الأفغانية بحجة ضربها لمعاقل أسامة بن لادن هناك، وما يؤكد هذا التحليل هو أن كل هذه الصواريخ لم تصب أيًّا من أهدافها رغم أنها أطلقت من مسافة قريبة من الأهداف.
أما الاحتمال الثالث والقوي أيضًا هو أن هناك جهة ثالثة حاولت أن تستفيد من التوقيت والظروف لزعزعة أمن واستقرار باكستان، ولازدياد الهوة والتوتر بين الولايات الأمريكية وطالبان من جهة وبين أمريكا و باكستان من جهة أخرى، وهذه الجهة الثالثة هي الهند لا محالة التي طالما استخدمت مثل هذه الظروف لتنفيذ أعمالها الإرهابية ضد باكستان، وكم من العمليات الإرهابية الكبيرة في باكستان أثبتت تحرياتها أن عملاء الاستخبارات الهندية كانت وراءها.
أما القول إن أعوان نواز شریف نفذوا العمليات احتجاجًا على الانقلاب العسكري أو أن طائفة الإقطاعيين نفذت العملية لممارسة الضغط على حكومة الجنرال برويز مشرف؛ لأنه أعطاهم مهلة شهر واحد انتهت مساء ١٦ نوفمبر الحالي لتسديد الديون الضخمة، وإلا تعرضوا للسجن والعقوبات الشديدة، فهذه احتمالات ضعيفة، فحزب نواز لا يملك هذه القدرة.
لكن الأمر الذي يقلق الشارع الباكستاني هو بدء العقوبات الاقتصادية ضد أفغانستان، فقد أعلن مجلس الأمن هذه العقوبات بناء على إصرار واشنطن لإجبار حكومة طالبان على تسليم أسامة بن لادن، وبذلك حرمت أفغانستان المنهكة بالجراح من الرحلات الجوية اليتيمة التي كانت تأتيها من مطار دبي الدولي، وأعطت شيئًا من التسهيل للشعب الأفغاني للسفر الخارجي، ولاستيراد بعض المواد الغذائية اللازمة، كما جمدت الأرصدة الضحلة للطيران الأفغاني «أريانا» ولبعض المؤسسات الوطنية التي أودعت في بنوك غربية قبل سنين طويلة.
وقد أعرب الشعب الأفغاني وكذلك الشارع الباكستاني عن استيائه من هذه العقوبات المجحفة واللا إنسانية، فالأوضاع المأساوية في أفغانستان كانت تقتضي أن يكون للإدارة الأمريكية موقفًا مغايرًا تمامًا لموقفها الحالي، وكان يجب أن يقوم من يدعي أنه راعي الحقوق الإنسانية في العالم بتضميد الشعب الجريح، لكن المؤسف أن الإدارة الأمريكية اختارت طريقًا لا تحمد عقباه على الإطلاق.
(1) صحيح البخاري / ٧3١ / ج ٢ ٣٨٥).
(2) (البداية والنهاية لابن كثير 1/4/93).
(3) ( البداية والنهاية لابن كثير 6/11/ ٣٦٩)
(4) (أخرجه أحمد ٤/ ١٦٠).