; انطباعات عائد من السودان- ما يهب على السودان ريح طيبة أم إعصار فيه نار؟ | مجلة المجتمع

العنوان انطباعات عائد من السودان- ما يهب على السودان ريح طيبة أم إعصار فيه نار؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 03-سبتمبر-1985

مشاهدات 60

نشر في العدد 731

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 03-سبتمبر-1985

• الحزب الشيوعي في السودان هو الحزب الوحيد الذي يرتبط بعلاقات مع الإرهابي الصليبي جون قرنق

• مواقف الشعب السوداني الإسلامية سجلها التاريخ لتشهد أن السودانيين لا يرضون بديلًا عن تحكيم الإسلام

• الإسلاميون لن يسمحوا بإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية في السودان

قضيت في السودان شهرًا وبعض شهر واستطعت أن أقف على ما يجري هناك من أحداث، بعضها يطفو على السطح، وبعضها يغوص في الأعماق.

لا شك أن السودان قد عاش ١٦ عامًا تحت حكم الفرد حيث بدأ حكم نميري في مايو عام ١٩٦٩ وكان وجه حكمه شديد الحمرة؛ إذ إن جميع أعضاء مجلس الثورة ومجلس الوزراء إما أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المحظور أيام الحكم الديمقراطي، وإما كانوا أتباع طاغية مصر الأسبق عبد الناصر.

الانقلاب خطط له في موسكو: 

الحقيقة التي لا يعرفها كثير من الناس هي أن قصة انقلاب مايو قد بدأت في موسكو في ربيع عام ١٩٦٦؛ إذ انعقد في ذلك الوقت مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي الدوري ودعي له كالعادة زعماء الأحزاب الشيوعية في العالم وأقطاب الأحزاب اللادينية، واستطاع زعيم الحزب الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب الخروج من السودان في ذلك التاريخ بعد حل حزبه وحظر نشاطه وطرد نوابه من البرلمان.

وجاء إلى موسكو للمؤتمر أقطاب الاتحاد الاشتراكي برئاسة خالد محي الدين وحزب البعث السوري وجماعة بومدين وعلي يعته المغربي وأمثالهم، واجتمعوا تحت قبة الكرملين بعد انتهاء المؤتمر لتخطيط وتدبير انقلاب يساري في السودان تشترك في تنفيذه كل القوى اللادينية من شيوعيين وناصريين وبعثيين.

كانت الخطة تقضي أن يكون الانقلاب شبيهًا بانقلاب محمد نجيب حيث يأتي الضباط الصغار بضابط كبير مقبول لفترة من الزمن حتى إذا ما استهلك انقضوا عليه وأبعدوه كما حصل لنجيب رحمه الله.

كان من ضمن وفد الاتحاد الاشتراكي المصري رجل يكتم إيمانه ولا يؤمن بالاشتراكية ولا بدعاويها الباطلة. وليس غريبًا أن يجمع الاتحاد الاشتراكي من لا يؤمن به ولا بقائده، فكم من رجل كان يصفق لعبد الناصر جهرًا ويلعنه سرًّا.

ساء هذا الرجل أن يرى اللادينيين يأتمرون بليل ضد السودان ويكونون مجلسًا سريًّا لتعبئة الثورة هناك، فجاء إلى اثنين من أفاضل المصريين الذين يتلقون العلم في موسكو وحدثهم بما سمع ورأى وقال: يا ويح السودان من له بهاروت وماروت يرقيه من حسد المستبدين ومقت الجبارين؟

إن القوم خافوا أن تتكرر التجربة السودانية في الثورة على حكم الفرد يقودها الطلاب وأسروا في أنفسهم على خنق هذه التجربة واغتيال الديمقراطية في مهدها.

زارني الأخوان الفاضلان -أحدهما أستاذ بجامعة الإسكندرية الآن، والآخر أستاذ بجامعة عين شمس أمد الله في عمرهما- زاراني ليلًا في غرفتي خوف عيون مرتزقة النظام وقضيا لي بكل شيء، وساعداني على كتابة تقرير مفصل بما حدث داخل حجرات الكرملين، فقمت بإرسال التقرير إلى الإخوة في السودان ليأخذوا حذرهم فنشرت صحيفة «الميثاق الإسلامي» التقرير كخبر أساسي وهام في الصفحة الأولى تحت عنوان «امتداد للنشاط اليساري في الشرق الأوسط: مجلس سري لتعبئة الثورة في السودان» وذلك بتاريخ ٨ يونيو عام ١٩٦٦.

ما أشبه الليلة بالبارحة:

استعدت شريط أحداث ذلك المكر في ذهني وأنا أرى ما يحدث على الساحة السودانية بعد ثورة رجب وأيقنت أن المكر هو نفسه وإن تبدلت أشخاص الماكرين فرأيت أشتاتًا جمعها الكيد للإسلام، ومكرًا كبارًا يمكرونه في الداخل والخارج: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (إبرهيم: 46).

الأحزاب المعادية للديمقراطية:

طفحت على السطح أحزاب كانت محظورة وظهرت أحزاب كانت لا تعلن عن نفسها استحياء، وكونت أحزاب أخرى بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان حتى صار عدد الأحزاب أكثر من أربعين حزبًا، وكلها أحزاب معادية للديمقراطية ولا مستقبل لها لحكم السودان عن طريق الشورى الصحيح، فضلًا عن أنها معادية للدين أيضًا.

ظهر الحزب الشيوعي باسمه الصريح بعد أن سقط اقتراح يدعو للعمل تحت لافتة أخرى لنفس أهداف الشيوعية، ويقود الحزب بعد إعدام سكرتيره عام ۱۹۷۱ رجل اسمه محمد إبراهيم نقد. وللحقيقة نقول: إن هذا الحزب قد فقد بريقه لأسباب كثيرة منها اشتراكه الصريح في اغتيال الديمقراطية، ودفعه رايات العنف الثوري، وجعله الصراع دمويًّا في السودان لأول مرة في تاريخ البلاد؛ حيث سالت الدماء جداول وأنهارًا عام ٧٠ في جزيرة أبا وفي ودنوباوي، وكذلك في الخرطوم عام ۱۹۷۱ إبان الانقلاب الشيوعي، فالكل يذكر مجزرة بيت الضيافة، ومنها أن أغلب الكوادر قد هجرت الحزب؛ منهم من اعتنق الإسلام وتاب وأناب، ومنهم من استمرأ السلطة فسار مع نميري إلى آخر الشوط، ومنهم من أعياه «النضال الثوري؟!» فآثر السلامة!

ويمارس هذا الحزب -بعد أن اكتسب شرعية فقدها قبل مايو بإرادة الشعب المسلم في السودان- نشاطه التخريبي المعادي للحرية، وبدأ أسلوب الدس الرخيص والتهريج الأهوج بعد أن فقدت شعاراتهم الجوفاء بريقها وأخفقت راياتهم الحمراء، فعمدوا إلى الكذب على الله وعلى الناس، فها هي صحيفتهم «الميدان» تلفق كل يوم خبرًا ضد واحد أو اثنين، فيرفع هذا وذاك عليها دعوى الكذب الضار حتى فاقت الدعاوى حدًّا معقولًا، فضلًا عن أولئك الذين لا وقت عندهم لترهات «الميدان».

والحزب الشيوعي هو الحزب الوحيد الذي له علاقات وطيدة مع الإرهابي جون قرنق الذي يزرع أرض الجنوب رعبًا ورمادًا ويهدد بنقل الدمار إلى الشمال، وهذا ما تعده الشيوعية العالمية للسودان العربي المسلم بالتعاون مع الصليبية والصهيونية العالميتين.

كان الواجب على السلطة التي جاءت بعد ثورة رجب ألا تسمح للحزب الشيوعي الإلحادي بممارسة نشاطه علنًا وفقًا للدستور الذي قوضه نظام مايو الشيوعي عام ٦٩، والذي كان ينص على عدم السماح للأحزاب التي تؤسس على إنكار وجود الله ولا تؤمن بالديمقراطية، بل تسعى للحكم عن طريق العنف والصراع المسلح بين أبناء الشعب الواحد.

أحزاب لا دينية جديدة: 

كما ظهر الحزب الشيوعي بوجهه الإلحادي ظهرت أحزاب لادينية أخرى تتفق معه في المضمون والجوهر، وإن اختلفت في الشكل والمظهر، فالجامع بينهم جميعًا هو:

أولًا: الترويج للعقائد المخالفة لعقيدة الأمة.

ثانيًا: السعي لاستلام السلطة عن طريق القوة والعنف. 

ثالثًا: العمالة للأجنبي والعمل لحسابه بعد قبض الثمن المعلوم. 

ولا داعي للتدليل على صحة ما نقول، فالواقع الصارخ يؤيد ما ذهبنا إليه؛ حيث إن تلك الأحزاب تحكم البلاد ظلمًا واستبدادًا، قسرًا وقهرًا، وصعب على أهل تلك البلاد التخلص والفكاك من فك تلك الأحزاب.

ونعني بتلك الأحزاب الأحزاب الشيوعية، سواء التابعة لموسكو أو الصين وأحزاب البعث على اختلاف مشاربها والأحزاب القومية الشعوبية والناصرية واللجان الثورية!

الخوف على السودان:

واكبت ظهور تلك الأحزاب اللادينية كيانات شبه عسكرية ومليشيات مسحلة تابعة للأحزاب التي لا تأمل في حظ كبير أو صغير، ويقول المراقبون ومنهم الحكوميون الذين يحتلون مناصب رفيعة في الحكم: إن كميات كبيرة من الأسلحة دخلت البلاد سرًّا وبطرق غير شرعية، مما يدل على أن هنالك أحزابًا لا تلتزم بالديمقراطية والشورى والعلن لا في بناء كياناتها الخاصة ولا في التعامل مع القوى السياسية الأخرى، ومن ثم فإنهم لا يلتزمون في التنظيم الدستوري والحكومي. 

ووجود هذه الكميات الهائلة من الأسلحة غير الشرعية يدل على أن هناك فرقًا وطوائف تعد نفسها لممارسة سياسة اللجوء للعنف والإرهاب والفتنة والصراع المسلح، وهذا هو الخوف الحقيقي على السودان وأهله.

قرنق الشيوعي الصليبي إرهابي من الدرجة الأولى:

منذ ثورة رجب تمت محاولات وبذلت مجهودات لإقناع العقيد الشيوعي المسيحي جون قرنق للحوار والوفاق والكف عن قتل الناس وسفك الدماء وإنهاء التمرد الذي يقوده من خارج البلاد منذ إبريل عام ٨٣.

ولكن الصليبي الذي تنصر في جنوب السودان على أيدي القساوسة الذين بذروا بذور الفتنة منذ قدوم جيش الاحتلال الصليبي في السودان في مطلع هذا القرن ويحصدها الشعب السوداني الآن هشيمًا، والذي تلقى تعليمه الأكاديمي في الولايات المتحدة؛ إذ مكث فيها عشر سنوات انتقل بعدها إلى تل أبيب للتدريب والتأهيل، وتلقى النصح هناك ليتدثر بثوب ماركسي؛ إذ يصعب عليه حكم السودان بوجه صليبي، فعليه أن يقلد مانغستو ونايريري وملتون أبوتي وسنغور ويعقوب قاوون... إلخ.

هذا الصليبي حتى النخاع يرفض أي حوار أو لقاء، وأخذ يزايد ويكايد ويصعد من العمليات الإرهابية التي راح ضحيتها أرواح بريئة تسكن القرى والأرياف كانت تسعى لزراعة الأرض بعد أن نشر الله الغيث بعدما قنطوا، فلصالح من يحاول جون قرنق الهدم؟

الجواب الذي لا جواب بعده: لصالح المستعمر، ولا فرق إن كان هذا المستعمر شرقيًّا أم غربيًّا؛ إذ لا فرق عندنا بين الكلب وابن الكلب!

إن السودان اليوم يتعرض للكيد الدولي المتآمر وقد وجدت قوى التآمر ضالتها في جون قرنق ورضعائه من قادة الأحزاب اللادينية أمثال نقد الشيوعي وفيليب غبوش الصليبي الذين لا يخفون المشايعة والإشادة لهذا العنصر الخارج المتمرد الذي ينقض كل العهود والمواثيق.

ويخشى الكثيرون بحق أن يتحول السودان إلى أفغانستان أو لبنان أخرى تزيد في مشاكل المسلمين.

مستقبل الشريعة الإسلامية في السودان:

واجه التوجه الإسلامي في السودان منذ إعلانه عام ۸۳ تحديات صعبة في جبهتين متحدتين في الواقع، وإن بدت لأعين البعض أنهما منفصلتان، جبهة داخلية مكونة من أناس لا ينتمون إلى الإسلام إلا بحكم شهادات الميلاد وإن مارسوا بعض شعائره نفاقًا وتزلفًا، وجبهة خارجية هبت رياح تحدياتها من كل صوب وحدب تخطط لها وتحولها وتتولى قيادتها الصليبية العالمية بالتحالف مع الشيوعية العالمية والصهيونية العالمية.

ولقد قلنا غير مرة: إن خطورة هذه الجبهة الخارجية -وإن وجدت ضالتها في بعض المنحرفين في الداخل- أقل وأهون بكثير من خطورة أعداء الجبهة الداخلية.

واليوم انكشف المنافقون وظهروا بوجههم الحقيقي بلا قناع ولا براقع، وصاروا يجاهرون بعداوتهم للإسلام عقيدة وشريعة فكرًا ونظامًا وحتى تراثًا.

من هؤلاء من أضله الله على علم وختم على قلبه، ومنهم من لا يزال على النفاق أعمالهم تفضح أقوالهم، ينفثون السموم القاتلة على الأتباع وأكثرهم لا يميز الخبيث من الطيب، ومنهم من هو كل لا يقدر على شيء، وأينما توجهه لا يأت بخير.

وأكثر الذين كادوا للتوجه الإسلامي وعملوا على هدم البناء من الداخل هم الرجال الذين كانوا حول الرئيس أمثال بهاء الدين إدريس وأبو القاسم محمد إبراهيم وعمر محمد الطيب وغيرهم من الذين نافقوا وقالوا: ﴿آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ (المائدة: 41) ففضحهم الله ورماهم في السجون بعد أن نبذهم الشعب نبذ النواة، وكذلك جزاء المنافقين.

والسؤال الآن: ما هو مستقبل الشريعة الإسلامية بعد أن هدم الشعب نظام مايو الاستبدادي وخلع الرجل الذي باع نفسه للأمريكان ورضخ لشروط البنك الدولي؟!

ولكي نتمكن من الجواب لا بد أن نعرف أولًا موقف الشعب أو سوداه الأعظم أولًا، ثم موقف الحكومة والمجلس الانتقالي ثانيًا، وموقف مختلف الأحزاب أخيرًا.

موقف الشعب:

الشعب السوداني شعب مسلم وهتافه دائمًا: «هذا الصوت صوت الشعب، والشعب شعب مسلم»، ولا ينكر أحد وجود أقلية مسيحية في جنوب البلاد أوجدت إيجادًا من قبل المستعمر الصليبي، ولكنها على كل حال أقلية بالنسبة للمسلمين حتى في حدود الجنوب الجغرافية.

وموقف الشعب السوداني منذ القدم من الإسلام وشريعته موقف مشرف باهر؛ فهو الشعب الذي أقام السلطنات الإسلامية في السابق وثورته الدينية في أواخر القرن الماضي ثورة مشهورة.

ولو تكلمنا عن المواقف التاريخية للشعب إزاء الإسلام فإننا نذكر الموقف البطولي لأبناء شعب السودان يوم شعروا بأن التبشير يريد أن يملي عليهم إرادته وأن ينتزع دينهم وعقيدتهم ثمنًا للعلم الذي يقدمه لأبنائهم، فقد حدث أن قامت المدارس الأهلية بالعون الذاتي الإسلامي في طول البلاد وعرضها عندما رأى الشعب إصرار الإرسالية الأمريكية تعليم أولاد المسلمين الديانة المسيحية، وطالبت أولياء أمورهم بكتابة إقرار بموافقتهم على تعليم أبنائهم المسيحية، أو سحبهم من المدارس، فتحمس الناس وأنشأوا المدارس الأهلية بعد رفضهم لشروط الإرسالية، وكان ذلك عام 1927م وأنشد الشعب في حينه أنشودة مطلعها:

بديني بعتز وأفخر وأبشر  *** ما يهاب الموت المكشر 

ما بخشي مدرسة المبشر  *** وعندي معهد وطني العزيز

هذه واحدة من سلسلة مواقف لهذا الشعب المسلم نذكرها على سبيل المثال لا الحصر.

ومن أول يوم للاستقلال قامت في البلاد جبهة إسلامية عريضة تضم كل الهيئات والفئات الإسلامية تدعو إلى وضع دستور إسلامي كامل، ولقد وجدت تلك الجبهة تجاوبًا كاملًا من الشعب، ولولا العلمانيون الذين تربوا على يد الإنجليز لكفى الله السودانيين شر ما عانوه طوال الثلاثين عامًا الماضية.

وفي التاريخ القريب عام ١٩٦٥ يذكر الناس كيف خرجت الجموع الهادرة من جماهير شعبنا المسلم إلى الشارع حين سمعت بتطاول غلام من غلمان الشيوعية على الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وطوقت تلك الجماهير الجمعية التأسيسية وأجبرت النواب على حل الحزب الشيوعي الذي كان قد اكتسب شرعية الوجود عقب ثورة أكتوبر لأول مرة، فمات الطفل المشوه الذي ولد كسيحًا ولم يبلغ سنة من عمره. 

وفي بداية إعلان التشريعات الإسلامية في ذي الحجة ١٤٠٢هـ خرجت الجماهير المسلمة دون أن يحشدها حاشد أو يجمعها جامع، تعلن الوقوف بقوة وصلابة مع الشريعة الإسلامية. 

وفي العام الماضي كانت المسيرة المليونية التي سارت احتفالًا بمرور عام على تطبيق القرارات الإسلامية.. تلك المسيرة التي هتفت لله فقط: لا إله إلا الله، لا ولاء لغير الله، لا بدليل لشرع الله، القرآن دستور الأمة. وأفزعت هذه المسيرة أمريكا وعملاءها في المنطقة كلها، فأوعزت إلى رجالها داخل السلطة لإجراء اللازم وإزاحة الإسلاميين من الإخوان المسلمين وإعلان الحرب عليهم، فكان مكرهم المعروف؛ ولكن كانت عين الله ساهرة.

تلك هي مواقف الشعب قبل ثورة رجب فما هو موقفه بعد الثورة.. سقط نظام نميري يوم السبت ١٦ رجب، وخرج قادة الحركة الإسلامية من السجون يوم الأحد ۱۷ رجب، وقابل الدكتور حسن الترابي رئيس المجلس العسكري يوم الثلاثاء ١٩ رجب ووجد عنده وزملاءه روحًا طيبة نحو الشريعة الإسلامية، وفي يوم ٢٢ رجب دعا الاتجاه الإسلامي إلى ندوة في جامعة الخرطوم كانت تاريخية بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء حتى قال أعداء الشريعة عندما رأوا الحشود المؤمنة تملأ الساحات وفروع الأشجار والطرقات يشقون عنان السماء بصوت واحد: «لا بديل لشرع الله» قولة سعد زغلول المشهورة: «ما فيش فايدة يا صفية»!

بدلت تلك الندوة كل حسابات أعداء شرع الله من عملاء الشرق والغرب، فكانوا ينوون إلغاء قرارات الشريعة فور تشكيل الحكومة، ولكن عدلوا عن فكرتهم بعد أن بدا لهم أن ذلك من سابع المستحيلات، فأعدوا خطة بديلة وشرعوا بعد شهور بالمطالبة بإلغاء قوانين سبتمبر، ويعنون بذلك الشريعة الإسلامية، ولكن الشعب لهم بالمرصاد، وما هم في مسعاهم الخائب هذا ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(الرعد: 14).

لقد قامت الجبهة الإسلامية القومية لتجعل موضوع الشريعة الإسلامية قضيتها الأولى والملحة ولاقت قبولًا واسعًا في كل أقاليم السودان؛ حيث صادفت قبولًا في أوساط الشباب والشيوخ، النساء والرجال على حد سواء كلهم يحتشدون تحت راية التوحيد والوحدة، ودخلها الجنوبيون وهم يمثلون مليونًا من الشعب المسلم في الجنوب كانوا منسيين مما أوحى في الماضي، وكأن الجنوب قطاع مسيحي، ولكن الآن تبدد ذلك الوهم إلى الأبد.

وهنالك بعض الإخوان المسلمين الذين لم ينضموا إلى الجبهة الإسلامية ولكنهم يقفون بقوة وصلابة خلف الشريعة الإسلامية ولا يسمحون لأحد بإلغائها، ويدافعون عنها بالنفس والنفيس. كذلك موقف «أنصار السنة المحمدية» الذين لم ينتظموا أيضًا في تلك الجبهة، ولكن موقفهم المبدئي والنهائي مع الشريعة يذودون عنها بكل قوة، وكذلك موقف الهيئات الإسلامية الأخرى هو موقف الذود عن الشريعة والجهاد في سبيلها.

موقف المجلس العسكري:

يقدر الشعب دور القوات المسلحة في الانحياز لثورة الشعب وتحمله مسئولية نقل السلطة من نظام الطاغوت إلى نظام ديمقراطي عن رضا واختيار.

ويقدر الشعب أيضًا فهم المجلس العسكري دوره في هذه الفترة وهو تهيئة البلاد تهيئة ملائمة لإجراء انتخابات حرة نزيهة لجمعية تأسيسية تضع دستور البلاد وتنتخب حكومة تتمتع بالتفويض الشعبي.

لذلك فإن المجلس لم يعر التفاتًا للأصوات الخائرة التي ارتفعت في البلاد تطالب بإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية، وأوضح بكل جلاء أن ذلك ليس مسئوليتها، وأن القوانين باقية إلى أن تنتخب الجمعية التأسيسية، ولها الخيار في أن تبقي أو تلغي؛ إذ لها وحدها الحق والخوض في المسائل الوطنية والتشريعية جميعها.

يتبع في العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8