العنوان انخفاض مستوى النجاح بين الطلبة - الدستور: لا إهمال للشباب.. والإهمال حاصل!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1972
مشاهدات 65
نشر في العدد 105
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 20-يونيو-1972
انخفاض مستوى النجاح بين الطلبة
الدستور: لا إهمال للشباب.. والإهمال حاصل!
منذ فترة دار كلام كثير حول «نضوب» النفط في الكويت، كما دار كلام عن «عمر» النفط في هذه البلاد، وإنه لن يعيش أكثر من كذا من السنين، وهذه السنين - مهما كان التفاؤل في تصور مداها عظيمًا - فإنها ليست طويلة! حين تردد ذلك دارت عيون رجال من الرعب، وأصيب آخرون بجزع أليم.
البترول ينضب!
هذه هي الكارثة التي لا قبل لهم بها!
فهل كان هذا الإحساس منبعثًا من إدراك علمي لمستقبل الكويت ومستقبل الأجيال القادمة؟
هذا أمر غير وارد؛ لأن «الفجيعة» التي تملكت الإحساس وهزت الأعصاب هزًا كان مصدرها «الشعور المؤقت» بحياة مؤقتة لا يمتد طرف أصحابها إلى أبعد من صور الترف المعاشة اليوم والدليل على أن ذلك الإحساس كان صادرًا عن «الشعور المؤقت» بحياة مؤقتة، ولم يكن نابعًا من إدراك علمي لمستقبل الكويت.
الدليل على ذلك هو: أن انخفاضًا واضحًا حدث في ثروة أهم من ثروة البترول في الكويت وأقوى منها أثرًا في مستقبل البلاد وحياة الأجيال، فلم يهتم الناس ولم يثيروا حولها من النقاش معشار ما أثاروه عن نضوب النفط.
والثروة التي هي أهم وأجدى هي ثروة الشباب والعقول. إن نضوبًا واضحًا قد حدث في هذه الثروة، وهو نضوب يهدد مستقبل الكويت بالعقم العلمي والجدب التكنولوجي.
إن وجود العلماء والفنيين ثروة تستطيع أن تغني البلاد وتعوض فقدان البترول، أما البترول - بلا مستقبل علمي للأجيال القادمة - فلا يعني شيئًا سوى التمتع بنعيم عابر يعقبه الضياع والجدب.
إن انخفاض نسبة النجاح في الشهادة المتوسطة ــمثلًاــ لهذا العام ظاهرة تستحق أعلى درجات اليقظة والاهتمام من كل الناس في هذا البلد، من المسؤولين في الدولة، والمسؤولين في البيت، والمسؤولين في المدرسة، ومن الإعلام، ومن الشباب نفسه كانت نتائج «المتوسطة» خلال السنوات الخمس الماضية تتأرجح بين الانخفاض الكبير والصعود الطفيف، وكأن ثمة ثقلًا رهيبًا يشدها إلى الأدنى دومًا، حتى جاء هذا العام فإذا بالخط البياني ينحدر إلى أسفل بشكل مذهل ومخيف.
• عام ١٩٦٨ كانت النسبة المئوية في الشهادة المتوسطة ٥٥٪.
• وفي عام ١٩٦٩ كانت ٦٣٪
• وفي عام ١٩٧٠ كانت ٥٥٪
• وفي عام ۱۹۷۱ كانت ٥٢٪
• وفي هذا العام قفزت إلى «تحت» فكانت ٤٧٪
وفي هذه الأرقام التي لا تكذب، أليس الكويت مهددًا في مستقبله بنضوب الثروة الحقيقية فيه بنضوب «العلم» في عقول شبابه؟ بلى، ولا ينكر ذلك إلا قليل الإخلاص لبلاده قليل الوعي بمتطلبات المستقبل ومقوماته.
بيد أن «تصور» المشكلة أول خطوة في طريق التغلب عليها. إن هذا الانخفاض المريع ظاهرة ضخمة تدل على وجود أخطاء ضخمة لا بد من مواجهتها بجرأة وصراحة. وفي البدء لا بد من مراجعة عامة لمناهج التربية. وهنا ينبغي الإقلاع عن عادة طلب النجدة من البلاد العربية وحدها إذ إن معظم البلاد العربية تعاني من نفس الظاهرة لأن الأخطاء تكاد تكون واحدة.
ومن التقليد المعيب استخدام الحلول الفاشلة في معالجة الأخطاء التي جاءت وليدة التقليد أيضًا.
إن اليقظة في دراسة الظواهر عقلية علمية لا يمكن أن تزهد فيها أمة تريد أن تحيا.. وتحترم نفسها.
ونستطيع القول: إن معظم أسباب الفشل في العالم العربي يرجع إلى أخطاء جذرية في نظم التعليم فيها.
إن النبوغ ليس حكرًا على اليهود، ولا على الألمان، ولا على اليابانيين. إنه قوة مذخورة في كل البشر، ولكنها تنتظر الأسلوب الذكي الناجح الذي يستطيع تفجيرها وتوجيهها.
وحين فقد العالم العربي هذا الأسلوب الذكي الناجح في نظم التعليم خمدت روح الإبداع فيه على حين توهجت هذه الروح في اليابانيين مع ملاحظة أن لا فارق زمنيًا كبيرًا بين نهضة العالم العربي ونهضة اليابان.
إن نظام التعليم الناجح يبعث أمة بعد موات، أما نظام التعليم الفاشل فيدفن الأمة وهي حية!
حين تولى الدكتور (محمود فوزي) رئاسة مجلس وزراء مصر قال في بداية ممارسته لعمله: إن المشكلة الرئيسة تكمن في نظام التعليم، وحتى لا يكون التغيير خيالًا ولا همًا فلا بد من تضافر الجهود للتغلب على هذه المشكلة أولًا».
• وبعادة اللجوء إلى التفسير السريع رد أناس ظاهرة الانخفاض في مستوى النجاح في الكويت إلى انشغال الشباب بالسيارات! وهذا تفسير لا يقود إلى حقيقة، ويفتح معركة مع «الوسائل» الحضارية دون مبرر، لا عيب في السيارة كما لا عيب في «المكيفات» أو «التليفونات» إلخ.. لكن المشكلة في أن يستمد الإنسان قيمته ووزنه من «الأشياء» الحضارية ولا يستمدها من «جهده» الذاتي، والجهد الذاتي هنا بالنسبة للطلاب هو الطموح العلمي والتحصيل والتفوق والنبوغ.
ومن الإنصاف أن نقرر: أن إيحاءات البيئة وتسلط وسائل الإعلام على عقول الشباب سبب رئيس في تعليق همة الشباب «بالأشكال» الحضارية.
إن الدق الإعلامي المستمر من التليفزيون والصحافة والسينما على مشاعر الشباب وربطها بقشور الحضارة لا يؤدي إلا إلى هذا السلوك الهامشي.
إن الإعلام في هذا البلد مسؤول مسؤولية مباشرة عن انخفاض مستوى النجاح بين الشباب، فهذا الإعلام هو الذي يغرس في اليافعين الاهتمامات الهابطة، وتسرف الصحافة، وتسرف السينما، ويسرف التليفزيون في تقديم نماذج باهتة من الحياة؛ كي تكون قدوة للشباب. نماذج الراقصين والراقصات، والمغنين والمغنيات، والأدباء المستهترين إلخ، وتحذر هذه الوسائل الإعلامية -وهذا أمر يثير التساؤل- تحذر أن تقدم العلماء والمخترعين وأصحاب الفكر الجاد نماذج للشباب الكويتي.
• والنظرة المتخلفة إلى «العلم» سبب في انخفاض مستوى النجاح، ولا بد من أن تتغير عقلية «الزينة» هذه حتى تدفع الأسر أبناءها ــبكل عزمهاــ إلى الطموح العلمي الجاد.
فالعلم ضرورة في حياة الإنسان وفي مستقبله، وليس من الكماليات، ولا من أدوات الزينة الاجتماعية، ولا مادة لتفاخر الأم والأب بأن ابنهما أو ابنتهما في المدرسة أو الجامعة.
• والمدرس الضعيف سبب في انخفاض مستوى النجاح، فأغلب المدرسين غير كويتيين، وهذا الاعتبار يجعل كثيرًا من المدرسين يضعفون أمام «أصحاب البلد»، وهذا خطأ من المدرس، وخطأ في البيئة أيضًا لأن التلاميذ -بإيحاءات مختلفة- يتعالون على أستاذهم بشعور أنه هو المحتاج إليهم.
وهذا الشعور يجعل صاحبه جاهلًا أبد الدهر لأن «التعالي» نقيض التواضع والتواضع شرط أساسي في طلب العلم، والأمر من قبل ومن بعد يحتاج إلى اهتمام غير عادي ودراسة جادة وشجاعة في مواجهة الأخطاء.