العنوان انتكاسة تواجه التجارة العالمية لأول مرة منذ 5 عقود
الكاتب عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1505
نشر في الصفحة 48
السبت 15-يونيو-2002
%1 فقط معدل النمو المتوقع لهذا العام.. والدول النامية تسجل معدلات أعلي!
تراجع التجارة الخارجية العربية بين عامي ۱۹۸۰ و ۱۹۹۹ من ٨٥% من ناتجها المحلي إلى 43%!
النمو مرهون بزوال الظلم من قواعد تحرير التجارة التي تؤمن مصالح الدول الكبرى وحدها
مؤشرات لاستمرار الأزمة: ركود الاقتصاد العالمي.. ازدياد العداء للعولمة.. تصاعد موجة الحمائية التجارية
جاء تراجع حركة التجارة العالمية من السلع والخدمات، الذي كان متوقعًا خلال العام الماضي أسوأ بكثير من التوقعات السابقة، فقد شهد هذا القطاع الحيوي تراجعًا واضحًا لأول مرة بعد أكثر من عقدين من النمو المتزايد الذي بلغ أعلى معدلاته عام ٢٠٠٠ وهو ١٢.٥%.
هذا ما يؤكده أحدث تقرير لمنظمة التجارة العالمية صدر مؤخرًا، موضحًا أن قيمة التبادل التجاري العالمي انخفضت من ٦.٢ تريليون دولار عام ۲۰۰۰ إلى ستة تريليونات دولار، بنسبة 4% أي أن قيمة التراجع تجاوزت ۲۰۰ مليار دولار.
وعلى الرغم من أن بعض الخبراء يتوقعون ألا يزيد معدل النمو في حجم التجارة العالمية خلال العام الجاري على 1% إلا أن آخرين يشككون في هذا الانتعاش المحدود في ظل حالة الغموض التي ما زالت تحيط بمستقبل الاقتصاد العالمي علاوة على الخلافات التجارية المحتدمة بين الولايات المتحدة وبقية الدول الصناعية بسبب فرض الولايات المتحدة ٢٠% رسومًا جمركية كبيرة على واردات الصلب لحماية هذه الصناعة المتداعية، وهو ما عد انتكاسة للنظام التجاري العالمي، وانتهاكًا صارخًا لقواعد المنظمة.
وجاء تراجع حركة التجارة العالمية خلال العام الماضي، أسوأ بكثير من توقعات منظمة التجارة العالمية التي تأسست قبل سبع سنوات فقد توقع تقرير سابق للمنظمة صدر في ٢٣ مايو من العام الماضي أن يبلغ نمو التجارة العالمية في أنحاء العالم بعد أن سجل في عام ۲۰۰۰ واحدة من أفضل النتائج التي حققها طيلة العقود الخمسة الماضية.
لكن تقديرًا آخر للمنظمة نشر في أواخر أكتوبر الماضي، خفض معدل النمو إلى نحو ٢% بسبب ركود الاقتصاد العالمي، فيما جاءت النتائج النهائية لتؤكد أن التجارة لم تسجل أي نمو بل سجلت تراجعًا واضحًا.
أسباب التراجع
فيما يخص الأسباب التي وقفت وراء هذا التراجع في حجم التجارة العالمية يقول الخبراء إن مجموعة من العوامل قد تضافرت وراء هذا القدر من التراجع ولعل أبرزها تراجع أنشطة قطاع تكنولوجيا المعلومات في جميع الدول المتقدمة.
وفي هذا السياق أكد التقرير السنوي لمنظمة التجارة العالمية أن مما فاقم الموقف انخفاض استثمارات الشركات والانخفاض الحاد في مخزوناتها، وسجل أسوأ انخفاض في الصادرات بدول شرق آسيا مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان وماليزيا وكذلك الولايات المتحدة وكلها من الدول الرئيسة في عالم التجارة في منتجات تكنولوجيا المعلومات والمنتجات المرتبطة بها.
- تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي وما بعدها، وما ألحقته من أضرار بقطاعات اقتصادية كبيرة عبر العالم وفي مقدمتها قطاعات الطيران والنقل والسفر والسياحة.
- تباطؤ طلب المستهلكين في أوروبا الغربية وأسواق رئيسة أخرى في العالم بسبب حالة الركود التي ضربت الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأمريكي بشكل خاص، وقبل ذلك الأزمات الاقتصادية التي ضربت العديد من الاقتصاديات النامية الكبرى.
الولايات المتحدة تشهد أكبر انخفاض
تعد الولايات المتحدة أكبر قوة تجارية في العالم والمحرك الرئيس للتجارة والنمو الاقتصادي العالمي، لذلك لم يكن من المستغرب أن تشهد تجارتها الخارجية تراجعًا حادًا في ظل حالة الركود التي يعاني منها اقتصادها فقد انخفضت قيمة الصادرات الأمريكية عام ۲۰۰۱ بنسبة 7%. وفي مقابل هذا التراجع أكد تقرير منظمة التجارة أن من بين القوى التجارية الرئيسة لم تتمكن سوى الصين من زيادة صادراتها السلعية بنسبة 7% وشهدت تايوان هبوطًا شديدًا بنسبة ١٧% في حين سجلت اليابان وسنغافورة والفلبين انخفاضًا بنس بنسبة 16% وماليزيا بنسبة١٠%.
أما الاتحاد الأوروبي الذي يمثل أكبر كيان مصدر في العالم بنسبة ١٨.٤% من المبيعات العالمية فقد كان أداؤه أفضل فلم يسجل نموًا لكنه لم يسجل تراجعًا في الوقت نفسه، وسجلت كندا آخر الخمسة الكبار في عالم التجارة هبوطًا بنسبة 5%.
نجاح في الدول النامية
أظهرت الأرقام والبيانات المنشورة أن العديد من الدول النامية- وعلى عكس ما هو متوقع- نجحت في تسجيل معدلات نمو إيجابية في حجم تجارتها الخارجية وجاء في مقدمتها دول شرق أوروبا التي زادت حجم تجارتها الخارجية فقد ارتفعت صادرات جمهورية التشيك بنسبة 15% وبولندا بنسبة 12% والمجر %١٠، كما سجلت تركيا نموًا بنسبة ١٢% بعد أن عملت على تعزيز علاقاتها مع هذه الدول ومع الجمهوريات السوفييتية السابقة المصدرة للوقود وهي روسيا وأذربيجان وكازاخستان و تركمانستان وقال التقرير إن نجاح ما يسمى بالاقتصاديات الانتقالية يرجع إلى قوة التبادل التجاري فيما بينها، وارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي بها.
وفي أمريكا اللاتينية نجحت البرازيل في اجتياز العاصفة فزادت صادراتها بنسبة 6% برغم انكماش حاد بنسبة ٢٠% في واردات الأرجنتين التي تمثل شريكًا تجاريًا رئيسًا لها، وأظهرت التقديرات المبنية على أرقام مبدئية للقارة الإفريقية أن الصادرات والواردات لم تشهد تغيرًا يذكر العام الماضي عن عام ٢٠٠٠م.
تراجع التجارة العربية
بالنسبة للتجارة العربية فإن ما يحدث في حركتها يدعو للقلق، ففي الوقت الذي تضاعف فيه حجم التجارة العالمية بين عام ١٩٨٠ وعام ۱۹۹۹ مرتين تراجع حجم التجارة الخارجية العربية. ففي بداية هذه الفترة كانت تجارة الأقطار العربية تشكل ٨٥% من ناتجها المحلي الإجمالي تراجعت في نهايتها إلى ٤٣ %.
وعلى الرغم من أن الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية قد ارتفع بنسبة ٥٢% خلال تلك الفترة فإن معدل التجارة الخارجية انخفض بنسبة %٢٤ ، أي لم تقد زيادة الإنتاج إلى تحسين المبادلات التجارية الخارجية، في حين حدث العكس على الصعيد العالمي. وأظهر التقرير السنوي لمنظمة التجارة العالمية إحصاءات التجارة العالمية لعام ٢٠٠١- الذي يغطي تفاصيل حركة التجارة عام ٢٠٠٠ واتجاهات التجارة العالمية خلال العام الماضي- هذا التراجع. فقد دخلت 5 دول في قائمة أكبر ٥٠ دولة مصدرة للسلع، أما في قائمة أكبر ٥٠ دولة مستوردة عالميًا في السلع فدخلت ٤ دول عربية، وفي قائمة أكبر ٤٠ دولة مصدرة عالميًا في الخدمات دخلت دولتان عربيتان وفي قائمة أكبر ٤٠ دولة مستوردة للخدمات دخلت أيضًا الدولتان العربيتان ذاتهما.
توقعات العام الجاري
يتوقع خبراء واقتصاديون منظمة التجارة العالمية أن يشهد العام الحالي انتعاشًا واضحًا في حركة التجارة العالمية يبدأ بزيادة الإنتاج الإعادة ملء المخازن ومن ثم زيادة حركة التجارة وربما يبلغ النمو %٦ في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من عام ٢٠٠١م.
وجاء في تقرير صادر عن الأمم المتحدة أعد بمساعدة شبكة دولية، تضم أكثر من ٦٠ مؤسسة ومنظمة أبحاث اقتصادية وبمشاركة ٦٠ دولة وشمل ٧٩ نموذجًا اقتصاديًا أن التجارة العالمية ستنتعش لكن هذا الانتعاش لن يتجاوز معدل 3% في عام ۲۰۰۲، وهو أداء متوسط وفقًا للمعايير التاريخية. لكن خبراء آخرين يشككون في تحقيق هذا المعدل من النمو في حجم التجارة العالمية، وذلك لمجموعة من الأسباب نوجزها في النقاط التالية:
- استمرار ركود الاقتصاد العالمي، وهو ما يعني بالضرورة تجارة أقل، وهذا الركود أكده تقرير للأمم المتحدة جاء فيه أنه وفي ظل المعطيات القائمة فإن معدل نمو الاقتصاد العالمي خلال العالم الجاري لن يتجاوز ١٨% وهو ما يعني استمرار حالة الكساد التي تضرب الاقتصاد العالمي التي وصفها محللون عالميون بأنها الأسوأ منذ ۱۹۷۳- ١٩٧٤، وفي هذا السياق قال ديفيد أور الاقتصادي في مؤسسة «واشيفيا» إن العالم لم يشهد منذ ذلك التاريخ حالاً أسوأ، حيث كل الاقتصاديات في العالم إما تعيش حالة ركود أو أنها تتجه نحو الركود.
- تصاعد موجة الحمائية التجارية أو ما يعرف باسم «مكافحة الإغراق» ودعم الصناعات التي تعاني من صعوبات اقتصادية وتتصدر الدول الصناعية الكبرى قائمة الدول التي تطبق سياسات مكافحة الإغراق بقوة.
واستنادًا إلى تقرير منظمة التجارة العالمية فقد تم إحصاء ۱۱۲۱ إجراء لمكافحة الإغراق في الدول الأعضاء، منها ٣٣٦ في الولايات المتحدة و۱۹۳ في بلدان الاتحاد الأوروبي و ۸۸ في كندا.
ولم يتجاوز المعدل العام للرسوم الجمركية في هذه الدول الصناعية %٤ أما أسعار الرسوم الخاصة بمكافحة الإغراق فقد وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من ١٠٠% . ولعل آخر قضايا مكافحة الإغراق الضريبة المرتفعة التي فرضتها الولايات المتحدة على واردات الصلب العالمية التي بلغت٣٠%، وهو ما أثار خلافات حادة دخل الدول الصناعية وسيكون لها انعكاسات سلبية على مفاوضات المرحلة الحالية لمنظمة التجارة العالمية التي أطلقت العام الماضي في الدوحة الهادفة إلى توسيع التبادل التجاري العالمي.
- ازدياد حدة العداء للعولمة وتحرير التجارة العالمية، بحيث أصبحت الاحتجاجات تأخذ أشكالاً عنفية مؤثرة، علاوة على معارضة عدد كبير من المنظمات غير الحكومة لقواعد التجارة العالمية التي تزيد من الهوة بين الأغنياء والفقراء وتساعد على توسيع دائرة الفقر، وهو ما أكدته منظمة «أوكسفام» العالمية التي تسعى التغيير قواعد التجارة العالمية في بيان لها جاء فيه أن التجارة العالمية الحالية تزيد الدول الغنية ثراء وتبقي الملايين في ربقة الفقر من خلال استغلال فتح أسواق الدول الفقيرة وتدمير سبل العيش فيها.
بكلمة أخيرة فإن التراجع الذي سجل في حركة التجارة العالمية خلال عام ٢٠٠١ يعود في جزء منه إلى الأسباب الطارئة التي أصابت الاقتصاد العالمي بسبب الركود الاقتصادي الذي تفاقم بعد الأحداث الأمنية والسياسية التي شهدها العالم منذ الحادي عشر من سبتمبر، لكن الجزء الآخر يعود إلى مقيدات موجودة في قواعد وأساسيات تحرير التجارة العالمية التي وضعت لتأمين مصالح الدول الصناعية دون الالتفات إلى مصالح الدول النامية التي تمثل غالبية أعضاء المنظمة وعددها ١٤٢ عضوًا والتي لا تزال تقف حائلًا أمام توسيع عملية التجارة العالمية، لذلك فإن نمو التبادل التجاري العالمي سيبقى مرهونًا بزوال كل المعوقات.
أكبر خمسة مصدرين ومستوردين في عام 2001
حصتها من الواردات العالمية | حصتها من الصادرات العالمية | الدولة |
18,9% 7,5% 5,7% 4,6% 5,0% | 12,3% 8,7% 7,5% 4,7% 4,4% | الولايات المتحدة ألمانيا اليابان فرنسا بريطانيا |