; انتقائية حتى في الموت | مجلة المجتمع

العنوان انتقائية حتى في الموت

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الجمعة 24-سبتمبر-2004

مشاهدات 59

نشر في العدد 1619

نشر في الصفحة 19

الجمعة 24-سبتمبر-2004

مشاهد ضحايا مدرسة بيسلان لم تغب بعد عن الذاكرة. فمازالت الصور المنبعثة من أرض الحدث تقطر بدماء الأطفال الأبرياء، ولم تكد مشاهد «بيسلان» تخبو قليلاً على الطرف الشرقي من خريطة العالم، حتى انطلقت مشاهد إحياء ذكرى ضحايا الحادي عشر من سبتمبر الفواجع من الطرف الغربي وسط لحظات من الصمت الحزين ونثر حبات من الورود المختلطة بالدموع عند مكان الحدث، تلك مشاهد لفواجع إنسانية راح ضحيتها أبرياء.

لكن المتأمل في تفاصيلها واضعًا أمامه المشهد الإنساني المتكامل على امتداد الخريطة وبين طرفيها الشرقي والغربي يكتشف بسهولة إلى أي مدى بلغت العنصرية والانتقائية والكيل بالمكاييل الظالمة حتى في «الموت» وسقوط الضحايا الأبرياء.

المنطق والعقل والعدل يقتضي وضع ما جرى المدرسة الأطفال في مدينة بيسلان في أوسيتيا الشمالية إلى جوار المذبحة المجرمة الدائرة على الشعب الشيشاني منذ عام ١٩٩٤م حتى اليوم، وراح ضحيتها ٢٥٠ ألف شهيد بينهم ٤٢ ألف طفل و٣٠ ألف طفل يتيم وتشريد ٦٥٠ ألفًا من الشعب الشيشاني البالغ تعداده مليون نسمة.

المشهد واحد ويتلخص في قتل الأبرياء، مجسدًا وحشية المجرمين، لكن القوى المسيطرة اليوم على الساحة الدولية فصلت هذا عن ذاك، وركزت أضواءها على مدرسة بيسلان، ولم تتجاهل فقط ما جرى لشعب بأكمله وإنما صبت جام غضبها عليه منذرة بمزيد من التصفية والاجتثاث له ولأرضه.

هل هذا هو العدل، أم تلك هي شريعة الغاب بعينها؟! نحن لا نبرر القتل مقابل القتل ولا الجريمة مقابل الجريمة.

هذا من جانب ومن آخر مهم فإنه لم يثبت بالدليل حتى اليوم قيام شيشانيين معارضين لروسيا باقتراف جريمة المدرسة.

على الطرف الغربي وعند موقع برجي مركز التجارة العالمي وقف العالم مع الأمريكيين لحظات حداد تساقطت خلالها الدموع على ما يقرب من ثلاثة آلاف من ضحايا أحداث سبتمبر.

والعقل والمنطق والعدل يقتضي أيضًا إبراز المشهد متكاملًا، ضحايا سبتمبر بجوار ضحايا أفغانستان والعراق وفلسطين، أليس الجميع بشرًا ومدنيين أبرياء؟!

بل الأدهى أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد خرج بتصريح يعلن عن قتل القوات الأمريكية لألفين وخمسمائة عراقي خلال الشهرين الماضيين، وأن هذا عدد قليل بالنسبة لتعداد الشعب العراقي!

إن الذي نشهده كل يوم، نوع من العنصرية الفجة في التفرقة بين البشر ونوع من الانتقائية والتمييز بين الضحايا الأبرياء، وذلك دأب القوى المسيطرة، قديمًا وحديثًا وهو الترجمة الحقيقية لكلمة «استعمار».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل