; انتظارًاَ لحماية مساعدات لم تصل.. القوات الدولية في ألبانيا لماذا جاءت ومتى سترحل؟ | مجلة المجتمع

العنوان انتظارًاَ لحماية مساعدات لم تصل.. القوات الدولية في ألبانيا لماذا جاءت ومتى سترحل؟

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 17-يونيو-1997

دخلت القوات الدولية ألبانيا بحجة حماية المساعدات الدولية المقدمة للشعب، ولكن ما وصل من المساعدات لم يتجاوز ٤٠٠ طن من الأغذية، أما تكلفة بقاء القوات الدولية فتقدر بـملياري دولار في السنة، ففي مارس الماضي قرر مجلس الأمن الموافقة على طلب منظمة الأمن والتعاون الأوروبي الخاص بإرسال قوات دولية لألبانيا بعد تدهور الأوضاع الأمنية هناك، كانت حيثيات القرار أن هذه القوة ستمكث ثلاثة أشهر فقط ومهمتها تنحصر في حماية المساعدات الخارجية لألبانيا للنهوض من كبوتها، إلى هنا والكلام منطقي ولكن تساؤلات عدة طرحت نفسها بعد اقتراب المدة من نهايتها، ومن بين هذه التساؤلات: لماذا جاءت هذه القوات وهل أدت ما عليها؟ أين هي المساعدات التي من المفترض أن تحميها هذه القوات؟ لماذا لم تشارك الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا في القوة؟ لماذا لم يرسل الناتو قواته بدلًا من تلك التي وصلت؟ ما علاقة الدول التي أرسلت قواتها بألبانيا؟ وأخيرًا متى سترحل هذه القوات؟

كنت أظن أن هذه التساؤلات وغيرها لن يتساءلها الساسة الألبان وخصوصًا أنهم هم الذين طالبوا بها رسميًّا، ولكن المفاجأة التي لم تكن في الحسبان أن الألبان أنفسهم بداية من رجل الشارع البسيط إلى كبار رجالات الدولة والشرطة يطرحون نفس التساؤل علانية، ولكن المفاجأة الأخرى هي مطالبتهم الآن بعد فترة عمل القوات الدولية في ألبانيا ثلاثة أشهر أخرى وحتى تستقر الأوضاع بعد الانتخابات، فلماذا يتساءلون ولماذا يطلبون بقاء هذه القوة؟ هل برغبتهم فعلوا ذلك أم أنها أوامر عليا، عمومًا ليس هذا حديثنا بل نعود إلى:

 هل أدت القوات ما عليها؟

طبقًا لقرار مجلس الأمن فإن هذه القوات مكلفة فقط بحماية المساعدات وبالتالي فإن أي مهام أخرى كحفظ الأمن أو جمع السلاح أو القضاء على العصابات المسلحة أو غيره ليس واردًا في أجندتها، ولكن أين هي المساعدات التي تحميها القوة؟ إنها لم تصل! فبعد شهر من وصول القوات إلى ألبانيا تسائل قادة هذه القوة لماذا نحن هنا؟ إذا لم تكن هناك مساعدات فلماذا نبقى؟ والمساعدات التي وصلت كانت باخرة محملة بالدقيق والزيت، والفاصوليا وحمولتها ٤٠٠ طن وزعت على دور المعوقين والأيتام والعجائز، ثم انقطعت أخبار المساعدات بل أصبحت مادة للضغط على الأطراف السياسية في ألبانيا حتى يوافقوا على تحديد موعد الانتخابات والوصول إلى عقد اجتماعي يضمن استقرار الأوضاع بعد الانتخابات، ورغم الحديث الدائم عن تدهور الأوضاع في المستشفيات والمراكز الطبية وحاجتها إلى الدعم وخصوصًا مع زيادة الحوادث الناجمة عن إطلاق النار العشوائي أو العصابات المسلحة في بعض محافظات الجنوب، لقد أرسلت أدوية انتهت صلاحياتها، وعلى حد قول مدير عام مستشفيات الجامعة في تيرانا بروفسور منتور باتريلا: لقد أرسلوا لنا لبوس وأسبرين ونوع من أنواع السلفا الذي يستخدم للكلاب؟ وبالطبع كان علينا أن نقبله وأن نصوره إعلاميًّا حتى تقنع الرأي العام بأن أوروبا جادة في مساعدتها لألبانيا، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إنه في اجتماع تنسيقي لمنظمة اليونيسيف والصحة العالمية يوم 6 يونيو الجاري، وبينما يستعرض مندوب المستشفى العسكري في تيرانا أزمة المستشفى أمام الجميع جئنا بأن اليونيسف قد أرسلت ۲۸۸۰۰۰ عازل طبي -واقي ذكري- مساعدة طبية لألبانيا ضمن برنامج تحديد النسل، وكانت المفاجأة الأحرى في بيان مندوب الصحة العالمية وهو إيطالي قوله: أبشروا فإننا قد حصلنا على ستين طنًا من البسكويت عالي الطاقة لتوزيعه على ناقصي النمو في البانيا!!

 الصحف والمجلات الألبانية التي صفقت لوصول هذه القوات أملًا في وصول المساعدات بدأت هي الأخرى في الحديث عن ممارسات القوات الدولية والتي أفرزت جنودًا يتسكعون في الشوارع ويتمتعون بشمس ألبانيا وجوها الجميل بل نسائها أيضًا، ففي عددها الصادر بتاريخ أول يونيو نشرت مجلة كلان (KLAN) الأسبوعية وبالوثائق فضيحة العازل الطبي، كما نشرت صورة لمرأة ألبانية تحمل السلاح وقالت إن القوات جاءت لتحمي الأنوثة في ألبانيا، ومع وصول القوات زادت حركة البغاء في الوسط الألباني وأصبح مألوفًا أن ترى تسكع البنات أمام المقاهي والبارات التي يتردد عليها الجنود الأوروبيون.

 وفي يوم 7/6/97 نشرت جريدة ألبانية الحكومية صورة لبعض الجنود النمساويين أمام المسجد الكبير في العاصمة تيرانا وبصحبته مجموعة من بنات ألبانيا وكتبت معلقة (القوة جاء لتحمي المساعدات).

 ومع زيادة حركة التفجيرات وخصوصًا الطرق والكباري وعدم تدخل القوات الدولية لمنع ذلك ومن المفترض أنها تقوم بحمايتها من أجل  وصول المساعدات، بدأت الأصوات في الارتفاع مرة أخرى: لو افترضنا أن المساعدات وصلت فكيف يتم توزيعها مع انهيار سبل المواصلات وعلى مرأى ومسمع من القوات الدولية؟!

أمريكا وألمانيا وبريطانيا لم يشاركوا

بداية فإن الحكومة الألبانية تجاهلت الولايات المتحدة بخصوص هذا الأمر فالعلاقة بينهما كانت متوترة بشكل كبير وخصوصًا مع رفض السفيرة الأمريكية حضور جلسة البرلمان الخاصة بإعادة ترشيح بريشا أو كما قالت مصادر حكومية أنها لم تدع إلى ذلك نظرًا لتصريحاتها المعادية لبريشا، وقد صرح بريشا في أعقاب ذلك بأن ألبانيا بلد أوروبي دمًا ولحمًا، وأنه منذ قيامه بالتمرد على الشيوعية أعلن أن ألبانيا من أوروبا وإليها، وبالتالي لم يشأ أن يرسل لأمريكا بمثل ذلك الطلب ولكن من الثابت أن ألبانيا قد طلبت من الناتو قبل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وربما لو طلب بريشا من أمريكا لرفضت وذلك حسب قول بعض الأمريكيين الذين قالوا إن عدم المشاركة كان تعبيرًا عن رفض أمريكا لسياسة بريشا من ناحية ومن ناحية أخرى إشارة إلى الدول الأوروبية التي تدعم بريشا أنه يتعين على أوروبا أن تحل مشكلاتها بنفسها وربما وكما ذكرنا في موضوع سابق أنها تحاول إثبات فشل أوروبا في حسم النزاعات داخل أوروبا دون العودة إلى أمريكا، وليس هذا فحسب بل لقد صرح مسؤولون أمريكيون بأن أمريكا لا ترغب في التورط في أي عمل عسكري في البلقان خصوصًا بعد تجربة البوسنة رغم ترحيب الإدارة الأمريكية بالقيام بعمل عسكري واضح ومحدود في ألبانيا.

ولماذا رفضت ألمانيا رغم أنها الحليف القوي لألبانيا والتي شهدت علاقتهما تميزًا ملحوظًا في الفترة السابقة على الأحداث الأخيرة إرسال القوات؟ العديد من التفسيرات طرحت نفسها ولا تخلو من الواقع والحقيقة ويرى المراقبون أن ألمانيا رفضت أن تعمل قواتها تحت إمرة الطليان وخصوصًا أن العلاقة بين البلدين من الناحية الاقتصادية والعسكرية ليست بالمستوى الذي يسمح للألمان أن تقودهم قوة إيطالية. 

وربما لأن الألمان حديثو عهد بالمشاركة بقوات خارج حدودهم بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن التفسير الأكثر جدلًا هو أن بعض المسؤولين في ألمانيا صرح بأن بلاده لا تعرف ما هو دور القوات وبالتالي فهي لا تشارك في المجهول.

 أما بريطانيا فقد تزامن القرار مع انتخاباتها البرلمانية وتورط بعض الصحف البريطانية في الهجوم على مسؤولين في حكومة ميجور وعلى الرئيس بريشا متهمة إياهم بأنهم استولوا على قطع أثرية ألبانية قيمة أعطاها إياهم بريشا، وكما قالت الاندبندت: لقد اشتروا التحف برخص التراب وباعها لصوص ألبان تقصد بريشا فلماذا نساعد اللصوص؟.

الناتو يرفض التدخل في ألبانيا

الرفض وبشدة كان هو رد فعل الناتو المبكر على طلب ألبانيا، ورغم أن ألبانيا عضو مشارك في برنامج الشراكة من أجل السلام الخاص بالناتو إلا أن الرفض المبكر كان له دوافعه وأسبابه ومنها:

1- تدخل الناتو في البانيا يعني الكثير بالنسبة لليونان خصوصًا بعد اتهام رئيس المخابرات الألبانية لها بمحاولة الاستيلاء على الجنوب الألباني، وهو يعني ولو بصورة غير مباشرة أن الناتو يحمي ألبانيا من جاراتها، نظرًا لعدم وجود دوافع أخرى لوجوده.. 

2- تدخل الناتو يعطي لروسيا مبررات قوية لرفضها توسيع الحلف شرقًا بحجة أن الناتو يتدخل في الشؤون الداخلية لتلك البلاد 

3- ربما فضل الأوروبيون أن يكون التدخل باسم منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وللمرة الأولى في تاريخها لإعطاء الفرصة للقوة الأوروبية لإثبات جدارتها على حسم الصراعات داخل أوروبا وخصوصًا الجنوب مما يعطيها الحق في المطالبة بأن تكون قيادة المنطقة الجنوبية في أيدي الأوروبيين بدلًا من الأمريكيين.

علاقة الدول المشاركة في القوات بألبانيا

ذكرت الصحف الألبانية تعليقًا على ذلك أن دولتين فقط من بين الثماني دول المشاركة في الوقت هما اللتان لم ترتبطا بتاريخ قديم أو حديث مع ألبانيا -إسبانيا والدانمارك-، ولنبدأ من:

1- إيطاليا: تربط إيطاليا بألبانيا علاقات تاريخية قديمة بعضها يحمل مرارة الاحتلال الفاشستي لألبانيا في العصر الحديث، وبعضها يعتد على نفس الخط مع بداية فجر التاريخ، وقد طمعت إيطاليا أن تكون ألبانيا جزءً من أرضها والتاريخ يشهد بذلك، ومن العجيب أن مدينة فلورا التي كانت من نصيب القوة الإيطالية هي نفسها التي شهدت الغزو الإيطالي مرتين وكأن التاريخ يعيد نفسه على أن الأمر لا يتعلق بالتاريخ القديم بل والحديث أيضًا ففي العام ١٩٩٢م ومع زيادة موجات الهجرة من ألبانيا في اتجاه إيطاليا قامت القوات الإيطالية بتحريك فرقتين قبالة السواحل وقامت بإنزالهما في فلورا لولا رفض المعارضة الديمقراطية آنذاك التي اعتبرت الأمر احتلالًا، وتمر الأيام ليطالب الديمقراطيون القوات الإيطالية بالنزول على شواطئهم مرحبين ومهللين.

 لقد كان الدافع الأكبر لمشاركة إيطاليا هو رد موجات المهاجرين المتدفقة من فلورا إلى إيطاليا، ومن ناحية أخرى فإن هذه هي المرة الأولى التي تتولى إيطاليا قيادة عمل عسكري دولي بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا كان ظاهر التحرك الإيطالي الحماية من المهاجرين.

إن التقرير الذي نشره رئيس المخابرات الألباني السابق عن علاقة اليونان بما يدور كان دافعًا أكبر وحتى لا تنفرد اليونان بالصراع في ألبانيا خصوصًا مع النزعة الدينية المتشددة التي تتحكم في السياسة في اليونان، وكذلك من أجل وقف المد الأرثوذكسي المحاصر لألبانيا من صربيا واليونان.

لقد كان تحرك الدبلوماسية الإيطالية موازيًا لحجم مشاركتها في القوة متعددة الجنسيات، وقد زار رئيس الوزراء الإيطالي ألبانيا مرتين لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، والحقيقة أن الدور الإيطالي قد حجم بشكل كبير الدور اليوناني وكشفه، ولولا المصالح الأوروبية المختلفة في ألبانيا لربما كان رد فعل الطلبان أشد عنفًا.

2- اليونان: ارتبطت اليونان بتاريخ عدائي مع ألبانيا امتد منذ بداية القرن الحالي ومعاهدة التقسيم في العام ۱۹۱۳م والتي أعطت لليونان جزءً كبيرًا من جنوب ألبانيا كما أعطت ليوغوسلافيا (السابقة) جزءً آخر بخلاف كوسوفو، ولم تشهد العلاقات بين البلدين استقرارًا ملحوظًا في السنوات العشر الأخيرة اللهم إلا بعد توقيع اتفاق الصداقة بين البلدين في عام ٩٥ والذي بموجبه تمكنت اليونان من فرض شروطها على الجانب الألباني الضعيف، ومنذ بداية الأزمة وقبل نشر تقرير المخابرات، واليونان تصرخ مطالبة أوروبا بحماية الأقلية اليونانية والتي لم تكن طرفًا في النزاع أصلًا، وربما كانت المشاركة لإثبات حسن النية وزيادة في حسن النية فإن قواتها لم تشارك في الجنوب بل في وسط ألبانيا، ويبدو أن الطرف اليوناني قد بات خجولًا، ويبرز ذلك أنه في الوقت الذي زار رئيس الوزراء الإيطالي والعديد من الوزراء ألبانيا، لم يزر ألبانيا إلا مسؤولون في الخارجية اليونانية ثم مؤخرًا زارها وزير الخارجية، ومن الواضح أن أوروبا تحاول تغطية الموقف اليوناني في الصراع في الجنوب حتى لا تحرج نفسها أمام العالم الإسلامي الذي لم يتحرك ولو لقراءة تقرير المخابرات الألبانية الخطير.

3- تركيا: ارتبطت تركيا بعلاقات جيدة ووثيقة مع ألبانيا امتدت منذ الفتح العثماني لألبانيا وحتى اليوم، ففي ألبانيا شعب مسلم كما أن الموروث التركي الشعبي والحضاري ما زال له أثره على الحياة الألبانية، ولقد سارعت تركيا بالمشاركة وبنفس حجم القوة اليونانية لتثبت أن الصراع في ألبانيا من أدق شؤونها كما صرح المسؤولون الأتراك بأنهم لن يسمحوا لأي قوة بالتدخل في ألبانيا والمساس بوحدة أراضيها.

4- فرنسا: كانت مشاركة فرنسا بألف جندي مفاجأة تحتاج إلى من يفك رموز شفرتها، ولكن تحركات فرنسا في عهد شيراك ومحاولتها إبراز الدور الأوروبي وخصوصًا الفرنسي في مواجهة الدور الأمريكي تعطي التفسير الكافي وخصوصًا مع مطالبتها بأن تتولى أوروبا قيادة المنطقة الجنوبية للحلف على أن هناك عاملًا آخر شجع على مشاركة فرنسا وهو إحياء المشروع الفرانكفوني الثقافي والذي يسمح لفرنسا أن تلعب دورًا متميزًا عن الآخرين في تلك البلدان، على أن ألبانيا كانت قد تقدمت قبل وقت بطلب التحاقها بهذه المجموعة، وحضور القوة الفرنسية ربما يعني رغبة فرنسا في إحياء هذا الدور، وربما توسيع دورها في البلقان ليشمل الدفاع عن العرق الألباني في كوسوفو ومقدونيا. 

5- النمسا: لعبت النمسا مؤخرًا ومن خلال مستشارها السابق فرانتسكي دورًا كبيرًا في دعم ألبانيا لرغبة فرانتسكي أن يكون لبلاده هذا الشرف خصوصًا مع كونه مبعوث منظمة الأمن والتعاون الأوروبي الحالي.

6- رومانيا: تقف رومانيا على أعقاب مرحلة جديدة تؤهلها للانضمام إلى الناتو، ولها علاقات قديمة مع ألبانيا، كما أنها تطمح في دور في البلقان خصوصًا مع حجم السكان فيها.

أما إسبانيا فكانت أول دولة أوروبية غربية تلبي نداء ألبانيا بإرسال مساعدات عسكرية، وهي تشارك بشكل رمزي أكثر منه فاعل، ولا ترتبط بتاريخ معين في ألبانيا أو البلقان.

 وأما الدانمارك فهي دولة إسكندنافية لها دورها البارز في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وربما لذلك شاركت لتفعيل التعاون داخل المنظمة.

وأخيراً متى سترحل هذه القوات؟

القادة والجنود يستعجلون ذلك ربما من الملل الذي أصابهم والتخمة التي اعترتهم من جراء الأكل والنوم، ولكن من الواضح أن هذه القوات جات لتبقى وحتى تتضح الصورة من الذي سيحكم ألبانيا وكيف سيحكمها ومن الذي يردعه إن لزم الأمر، أقصد أنها ستكون العصا التي تربي بها أوروبا ألبانيا وساستها.

وبقي القول بأن تكلفة إقامة هذه القوات لمدة ستة أشهر هي ٩٩٠ مليون دولار أي ما يقارب ملياري دولار في السنة لو أعطتها أوروبا لألبانيا مساعدات لكان أفضل بكثير من تلك القوة التي لا تعرف ماذا تريد.

في مقدونيا.. أزمة حول العَلَم

سكوبيا: نديم بالجين: الوضع داخل المجتمع المقدوني حساس جدًّا نظرًا لبنيته العرقية والاجتماعية، هذا المجتمع يواجه الآن مشكلة عرفت بمشكلة العَلَم، وهذه المشكلة الغريبة على العالم نتجت عن مطالبة بعض القطاعات التي تعيش ضمن المجتمع المقدوني باعتبار العلمين التركي والألباني إلى جانب العلم المقدوني أعلامًا قومية.

 ولنلق نظرة على الماضي القريب قبل تناول أزمة العلم الأخيرة:

 كانت الأقليات في مقدونيا إحدى الجمهوريات اليوغسلافية المستقلة، ترفع أعلامها القومية في الاجتماعات والمسيرات والأعراس ومناسبات الأفراح إلى جانب العلم المقدوني، وذلك استنادًا إلى نص قانون صدر في العهد اليوغسلافي عام ١٩٧٣م، وكانت هذه الأعلام تحتوي نجمًا صغيرًا باللون الأصفر، وبعد أن استقلت مقدونيا صارت هذه الأعلام ترفع وهي خالية من ذلك النجم الأصفر دون أية مشكلة، ولكن ما إن فاز الحزب القومي الألباني برئاسة بلدية جوستيفار الواقعة على بعد ستين كيلو مترًا من العاصمة سكوبيا حتى بدأ العلم القومي الألباني يرفرف كل يوم بمناسبة وبغير مناسبة.

 وظهرت المشاكل بعد ذلك، فقد أصدرت المحكمة الدستورية بمقدونيا قرارًا بمنع رفع أعلام الأقليات القومية مؤقتًا ريثما يصدر قانون جديد ينظم ذلك، وعقب صدور هذا القرار نظمت مجموعة من المقدونيين اجتماعًا أمام بلدية جوستيفار واشتبكت مع الألبان وهنا قرر مجلس بلدية جوستيفار عدم الاعتراف بقرار المحكمة الدستورية والدفاع عن علم الألبان القومي مهما كلف الأمر، هذا الاجتماع الذي لم تشترك فيه الأقلية التركية كان بمثابة بداية الأزمة، ولم يلبث أن نظم الألبان مظاهرة برعاية البلدية احتجوا فيها على الحكومة وأكدوا على تمسكهم بعلمهم الذي هو رمزهم القومي منذ خمسمائة عام. 

وقد أعلن الحزب الديمقراطي التركي في ألبانيا بأنه مع القانون، لكنه عاد فأكد أن قرار المحكمة الدستورية له مضمون سياسي، كما اتهم الحزب روفي عثماني رئيس بلدية جوستيفار بعدم المصداقية والتناقض إذ إنه رفع العلم التركي فوق مبنى البلدية مع الأعلام الأخرى، بينما أزال العبارات التركية من أوراق المكاتبات الرسمية منذ أول يوم من رئاسته للبلدية، وكان رد الفعل من بعض الألبان المتعصبين هجومًا على مقر الحزب الديمقراطي وإمطاره بوابل من الحجارة والزجاجات الفارغة.

ويتفق الكثيرون على أن قرار المحكمة الدستورية له مضمون سياسي، مشيرين إلى أن هناك ٢٤ بلدية تقوم بمثل ما تقوم به بلدية جوستيفار، لكن المحكمة الدستورية لم تتخذ أي قرار، كما اتهم البعض الحكومة ضدها بالسعي لإلهاب الشعور القومي لدى المقدونيين من الأقليات، وسيثبت التاريخ أن الحساب الخاطئ في مثل هذه الأمور ستكون له نتائج غير مرغوبة، وكانت خطوة مماثلة من النظام اليوغسلافي السابق عام ١٩٦٨م وقد أدت إلى إراقة الدماء في تلك البقاع من العالم.

الرابط المختصر :