; انتصار المقاومة في جنوبي لبنان: تجربة قابلة للتكرار؟ | مجلة المجتمع

العنوان انتصار المقاومة في جنوبي لبنان: تجربة قابلة للتكرار؟

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000

مشاهدات 56

نشر في العدد 1406

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 27-يونيو-2000

نجحت المقاومة اللبنانية في ظل إطار وطني وفر لها البيئة الملائمة، وبعد عربي وسَّع من آفاقها ومجالات دعمها، ونهج عقدي أعطاها الدفع اللازم للاستمرار في تقديم التضحيات.. فهل يتحقق ذلك في فلسطين المحتلة؟

 الانتصار الذي تحقق أخيرًا في جنوبي لبنان كان أقرب إلى الحلم ثم صار حقيقة واضحة لا لبس فيها، وزاد من وضوحها الخزي الذي رافق الجنود الإسرائيليين المنسحبين حتى وهم يظهرون الفرح الشديد بالخلاص من الجحيم اللبناني!

سقطت رهانات إيهود باراك دفعة واحدة، فلا المذابح بين العملاء والمقاومين وقعت، ولا العملاء صمدوا لأسابيع ولا حتى لأيام، إلى أن يتم الإسرائيليون انسحابهم بنظام وهدوء ولم تضطر الدولة اللبنانية لإرسال قواتها العسكرية لحفظ الحدود والمناطق المحررة من الفوضى والاختراقات غير المحسوبة، بل إن تعزيز قوات الطوارئ الدولية للمهمة نفسها لم يعد ضروريًّا بحسب تصريح وزير الخارجية الفرنسية هوبير فيدرين، بعد أن انخفض مستوى التوتر إلى أقصى حد في الأيام التي تلت الانسحاب وهو أمر نادر حدوثه، بل يحدث للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن.

فما المعادلة التي أنتجت النصر؟

عوامل الانتصار:

هناك عوامل ذاتية من جهة وعوامل خارجية اجتمعت في اتجاه واحد، وإن تكن مختلفة في المنطلقات والأهداف فالمقاومة تميزت هذه المرة عن مقاومات سابقة قامت بها عناصر يسارية افتقدت التأييد الشعبي والوسائل الكفيلة باستمرار الصراع، خصوصًا مع انخراطها في الصراعات الداخلية إبان الحرب الأهلية في حين أن المقاومة الإسلامية منذ انطلاقها عام الاجتياح الإسرائيلي ۱۹۸۲م، لم تحد عن هدفها الأول وهو مقارعة العدو الصهيوني.

ولم يكن الشعار المعلن من طرف حزب الله في البداية تحرير الجنوب وحسب أو تطبيق القرار ٤٢٥ بل إن صراعًا مكشوفًا اندلع في الثمانينيات بين حزب الله وحركة أمل التي يتزعمها الرئيس الحالي لمجلس النواب نبيه بري على خلفية النزاع حول هدف المقاومة ضد إسرائيل، هل هو من أجل تطبيق القرار ٤٢٥ وما كان يسمى بفصل أزمة لبنان عن أزمة الشرق الأوسط، أم لتحرير الجنوب والقدس أيضًا، وكانت النقلة النوعية عندما تبنت المقاومة تدريجيًّا مقولة القتال لتحرير الجنوب حتى الحدود الدولية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، ويعني هذا ضمن الالتزام بسقف القرار رقم ٤٢٥ وهو ما جعل اللقاء ممكنًا بين المقاومة والدولة عند منتصف الطريق، وذلك حينما توحدت نسبيًّا «أجندة» التحرير.

تلك التحولات في الشكل لم تترافق مع تنازلات جوهرية عن المضمون الأيديولوجي الذي احتفظ بدوره الأساسي في تعبئة المقاتلين والأنصار، وحتى بعد تحقيق الانتصار، لم يتخل حزب الله عن عدائه لإسرائيل ولعملية التسوية ولم يعلن حتى الآن التخلي عن مبدأ المقاومة رغم تفهمه للمعطيات الإقليمية التي تفرض التريث قبل الإقدام على أي خطوة.

نجح حزب الله من جهة أخرى، في تبسيط الأيديولوجيا التي يحملها حتى أضحت مفهومة لدى رجل الشارع، حيث أظهر بوضوح فوائد المقاومة بدلًا من المفاوضات والمثال الأكثر إثارة، هو اقتناع معظم اللبنانيين بجدوى استخدام صواريخ الكاتيوشا ردًا على اعتداءات إسرائيل على المدنيين وذلك على الرغم من ضرب المنشآت الكهربائية ثلاث مرات خلال أقل من عام مع ما يعني ذلك من معاناة شديدة تصيب اللبنانيين من دون تفريق بين مقاوم وآخر، وساعد الاستخدام الدقيق للكاتيوشا في الظرف المناسب والشجاعة في تحدي القوة النارية الهائلة للعدو في فرض معادلات أمنية قيدت أيدي الجيش الإسرائيلي وفي تعزيز خيارات المقاومة الميدانية، ولعل الخاتمة السعيدة قد أكدت بما لا شك فيه صحة القرارات التي اتخذتها المقاومة في مراحل الصراع، وهو ما يزيد من مصداقية المقاومة ويشجع على استئناف المسار ذاته في حال اعتماد النهج نفسه لتحرير ما تبقى من أراض لبنانية محتلة.

 بالطبع لم تحظ كل مواقف المقاومة بالتأييد الكامل من كل الشعب اللبناني في كل الأوقات، فقد كانت الشكوك تعتري بين الحين والآخر حتى المؤمنين بخط المقاومة المسلحة أو حلفاء حزب الله، لكن كان لدعم الحكومة اللبنانية دور كبير في حماية ظهر المقاومة من الطاعنين في أهدافها أو المحرضين على مساواتها مع عناصر المليشيات الأخرى، وتجريدها من السلاح بذريعة الحفاظ على الوفاق الوطني وبعد انتخاب قائد الجيش العماد إميل لحود رئيسًا للجمهورية، وقد شهدت السنتان الأخيرتان تنسيقًا غير معهود بين الدولة والمقاومة. 

ومهما يقال عن دور دمشق في إدارة اللعبة من الخلف فإن ثمة معطيات كثيرة في هذا الخصوص ما تزال من الأسرار على أن سورية التي كانت تتحفظ في البداية على صعود حزب الله كقوة عسكرية نشيطة وموالية لإيران اكتشفت فيما بعد إخلاص مقاومي حزب الله في الطريق الذي اختاروه، وهو ما شجع دمشق على تبني المقاومة ودعمها سياسيًّا وتوفير الغطاء لها عن طريق حلقاتها في لبنان بل إن صعود المقاومة في الأوقات الحرجة دفع القيادة السورية إلى التركيز على المقاومة لتشديد الضغوط على إسرائيل خلال عملية التسوية.

 هذا المزيج من العناصر الثلاثة استولد قوة هائلة عملت على فرض الانسحاب على إسرائيل فالإطار الوطني وفي البيئة الملائمة لمقاومة فعالة، والبعد العربي وسَّع من آفاقها ومجالات الدعم السياسي والمعنوي لها، والنهج العقدي الثوري أعطاها الدفع اللازم للاستمرار في تقديم التضحيات تلو التضحيات.

إن سريان العدوى إلى فلسطين المحتلة بمعنى تجديد العزم على الكفاح بأنواعه كافة هو تحصيل حاصل، بل إن النتيجة الفورية للانتصار في لبنان انحشار ياسر عرفات في خياراته التي كانت ممكنة بعض الشيء في مرحلة ما قبل الانسحاب، لكن انسحاب التجربة كما هي إلى فلسطين المحتلة تقف أمامه عوائق ذاتية وموضوعية، فالخصوصية اللبنانية لا يمكن تصديرها إلى الفلسطينيين هكذا ببساطة، بل إن حزب الله ابتعد إلى هذا القدر أو ذاك عن النموذج الإيراني في مقاومة إسرائيل وهذا من أسباب نجاحه فقد بدأت المقاومة عملياتها العسكرية ضد الجيش الإسرائيلي متأثرة بطريقة الأمواج البشرية الإيرانية، فكانت النتيجة سقوط أعداد كبيرة في كل عملية إلى أن استنتج المقاومون الخلاصات الضرورية بما يؤمن استمرار المقاومة في حرب طويلة النفس، تكون أقل وطأة على المقاتلين، وعلى القاعدة الشعبية على حد سواء.

 والمطلوب هو إياه في فلسطين، أي اجتراح الأسلوب الأكثر ملاءمة لساحة النزال، مع اختيار العناوين والاستراتيجيات التي تتوافق والمعطيات.

مصلحة إسرائيل تكمن في إظهار فشل خيار المقاومة الشعبية في تحرير الأرض وقد يكون ذلك عبر حرب مدمرة من وراء الحدود ردًّا على عمليات محتملة للمقاومة.

هناك اتفاقيات أوسلو كأمر واقع، واستطرادًا خضوع السلطة الفلسطينية لالتزامات أمنية وسياسية، فما الجهة التي يفترض بها إطلاق مقاومة بخطاب سياسي يستقطب حوله معظم الشعب الفلسطيني، ويرى فيه مصلحة أكيدة أم أن الاحتمال الوحيد هو أن تجدد «حماس» شبابها بعد استخلاص العبر الماضية؟ إن دراسة المرحلة السابقة بنقاطها المضيئة وأخطائها هي الخطوة الأولى على طريق استعادة زمام المبادرة لكن كيف تقتنع السلطة الفلسطينية بالمصلحة الكامنة في مقاومة متجددة؟ من المعروف أن سلطة عرفات تستغل بعض مظاهر الانتفاضة الشعبية على طاولة المفاوضات فهل تقدم المقاومة الإسلامية في فلسطين أوراقها الرابحة لعرفات؟ السؤال صعب والإجابة عنه أصعب نظرًا لحساسية الموقف وخطورته في آن.

 وسؤال آخر لا يقل إشكالًا وهو أي دول مجاورة أو بعيدة يمكن أن تقوم بدور البعد العربي والإسلامي للمقاومة الإسلامية في فلسطين؟ قد لا يكون الأمر مستحيلًا لكن انتظار نضوج العامل العربي والإسلامي قد يتطلب بعض الوقت الإضافي، وهل تختار المقاومة عناوين مرحلية للفترة المقبلة، مثل تحرير كامل الضفة وغزة تحت شعار تطبيق القرار 242؟ أم تعمد إلى تبني حق العودة سواء داخل أراضي ١٩٤٨م أو خارجها؟ أم تكتفي بالحجارة كوسيلة ضغط واحتجاج في المدى المنظور؟

إن ما منع إسرائيل من الانسحاب من جنوبي لبنان هو الخشية من تحول النموذج اللبناني إلى مصدر إلهام وإيحاء، لذلك خططت لتشويه الانتصار قبل أن يتحقق وتآمرت على عملائها عندما لم تنبتهم بموعد الانسحاب، ثم لما أطلقت النار على الفارين منهم أثناء تنفيذ الانسحاب كي تجبرهم على الوقوف والقتال ضد عناصر المقاومة الذين يحاولون اللحاق بفلول الجيش الإسرائيلي المنسحب.

 لكن بما أن هذه الخطة قد سقطت قبل أن تبدأ، فإن مصلحة إسرائيل تكمن في إظهار فشل خيار المقاومة الشعبية في تحرير الأرض، وقد يكون ذلك من خلال شن حرب مدمرة من وراء الحدود ردًّا على عمليات محتملة للمقاومة، وحتى يقال إن السلام الحقيقي لا يمكن أن تنعم به المنطقة من دون الاعتراف بإسرائيل وعقد الصلح معها ومن ناحية أخرى فإن بقاء حالة الغموض والتوتر على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة في غياب معادلة أمنية تحفظ الاستقرار يؤدي عمليًّا إلى بقاء الجبهة اللبنانية مفتوحة على كافة الاحتمالات بما يشبه الحرب الباردة، أو الحرب النفسية ذات التأثير الكبير على أعصاب المستوطنين وعلى حظوظ إيهود باراك في استثمار خطوة الانسحاب في سبيل إضعاف الموقف التفاوضي لسورية.

ومن الضروري الإشارة إلى أن التهديدات الإسرائيلية المستمرة بردود قاسية على المقاومة في حال استئناف العمليات العسكرية قد تكون من قبيل الحرب النفسية التي تنقلب على أصحابها فالخوف استبد بالمستوطنين بدلًا من إصابة اللبنانيين بالهلع ووضع باراك هش لدرجة أن أي حادث يقع على الحدود اللبنانية الفلسطينية قد يعرضه لخسارة منصبه!.

 والمفارقة أن الانسحاب قد يكون عزز الموقف التفاوضي السورية بدلًا من إضعافه، فبغياب الضمانات الأمنية التي كانت تطالب بها إسرائيل على الدوام للانسحاب يبقى استئناف المفاوضات مع سورية الضمانة الوحيدة القادرة على ضبط المقاومة العسكرية في الجنوب وفق آليات التسوية ذاتها.

إن إسرائيل بانصياعها إلى القرارين الدوليين ٤٢٥ و ٤٢٦ قد سجلت على نفسها سابقة خطيرة بحيث بات عليها من الآن فصاعدًا مواجهة مطالبات شديدة بوجوب الانسحاب إلى الحدود الدولية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 12

294

الثلاثاء 02-يونيو-1970

يوميات المجتمع - العدد 12

نشر في العدد 18

206

الثلاثاء 14-يوليو-1970

أوقفوا هذه المهازل!