العنوان انتشار الإسلام في الأندلس (2) دار حضارة وجهاد وموطن رباط
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر الجمعة 20-أبريل-2012
مشاهدات 72
نشر في العدد 1998
نشر في الصفحة 42
الجمعة 20-أبريل-2012
8عهود من الفتح الإسلامي شهدت مدا وجزرا مع النصارى
حروب النصارى ضد مسلمي الأندلس تمت في معظمها برعاية البابوية
في الحلقة الأولى من سلسلة انتشار الإسلام في الأندلس تناولنا جغرافية المكان، ونظرة سريعة لأوضاع أوروبا، ومنها إسبانيا قبل الفتح الإسلامي وفي تلك الحلقة تتناول العصور التي مرت بها الأندلس ووضعها بعد الفتح الإسلامي، حيث إن عمر الأندلس ثمانية قرون، منذ الفتح الإسلامي لها حتى سقوط غرناطة ومملكتها (٩٢-٨٩٧هـ - ٧١١-١٤٩٢م).
وقد مر الفتح الإسلامي في الأندلس بثمانية عهود هي: عهد الفتح وحملاته وعهد الولاة وفتوحاته، وعهد الإمارة ومنجزاته، وعهد الخلافة ومرتقياته، ثم عهد الطوائف ومنحدراته، فعهد المرابطين وانتصاراته، وعهد الموحدين وامتداداته وعهد مملكة غرناطة ومجهاداته ونهاياته.
عهود مختلفة
وقد أمكن تقسيم التاريخ الأندلسي إلى ثمانية عهود مرت بها الأندلس خلال القرون الثمانية من وجودها منذ بداية الفتح الإسلامي للأندلس (۹۲هـ = ۷۱۱م). حتى سقوط غرناطة (٨٩٧هـ = ١٤٩٢م). وقد مرت الأندلس - خلال هذه العهود - بين مد وجزر، لكنها خلال القرون الخمسة الأخيرة - من قرونها الثمانية - كانت العلاقة بينها وبين إسبانيا النصرانية تتراوح بين السلم والحرب يقود إلى المواجهة والجهاد لإيقافه وكثيرًا ما كانت تتم بمعاونة موجات أوروبية برعاية البابوية، على ذلك صح وصف الأندلس: إنها كانت أرض جهاد ودار حضارة الأندلس دار حضارة وجهاد وموطن رباط.
ولعل هذه الحروب، هي التي أنهكت الأندلس ومعاونيها. وأودت بقواها وأزالت ثباتها وقوتها، وتلا ذلك عهد من اضطهاد السلطة النصرانية المنتصرة الاضطهاد الذي قل نظيره في التاريخ البشري، خلف ما يعرف: «محاكم التفتيش» Inquisitions التي استمرت في الأندلس قرابة أربعة قرون!! حتى أواسط القرن التاسع عشر الميلادي. كانت هذه المحاكم تطارد كل من يظهر عليه أنه ما يزال مسلما، تحكم عليه بالموت حرقا لا ينفعه الإنكار لو فعل أحرقت الافًا رجالًا ونساء وأطفالًا.
الفتح الأندلسي.. أهدافه وآثاره
وتجاوز الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية الأندلسية، أن يكون حدثًا عسكريًا وسياسيا فحسب، حيث يذهب الأمر أبعد من ذلك بكثير جدًا، هدفًا ومهمة وأثرًا. كان بداية لزوال الأوضاع القائمة المظلمة الظالمة من تلك الأرض، من أجل غرس شجرة الخير والسعادة والإيمان والحب والسماحة والحضارة الكريمة الحقة لبني الإنسان. ذاك بعض أسباب ومهمات الفتح الإسلامي: إزالة الحواجز من أمام الشعوب لتختار حسب قناعتها ورغبتها وتوجهها. دون عوامل أخرى - بعد أن يتعرف أهلها على الإسلام لذلك كان فتحًا إنسانيًا وبداية لحدث حضاري فريد الإسبانيا وأوروبا - ثم للعالم بأي مقدار - على السواء.
القضاء على العبودية
وقضى الإسلام على الأوضاع السيئة المعشعشة هناك منذ قرون، إذ أزال كل سلطان ظالم، وقضى على الطبقية والاستغلال وأنهى عبودية الأرض وغيرها. حرر الناس من داخلهم، وأزال عنهم كافة القيود الذاتية، ومن كل تلك الأحوال المتخلفة والأثقال المرهقة المكثفة، والأوضاع الظالمة المهشمة أصبحوا أحرارًا ليختاروا .... حين رأوا معالم هذا الدين متمثلة في سلوك أهله عموما، بدؤوا يدخلون في دين الله أفواجا، يُصبحون من جنده، ومن أراد البقاء على دينه كان ذلك له، حرًا فيما يختار.
ولدينا أدلة كثيرة تجعل هذه المسألة ظاهرة ظهور الشمس في رائعة نهار يوم صائف صاف، وبذلك تحول أهل البلاد إلى الإسلام متتابعين باستمرار لم يتوقف ذلك خلال القرون حتى أيام محاكم التفتيش الغاشمة الظالمة الآثمة، وإن بدرجة أقل. أمام تلك الظروف، وهم يشهدون أنواع التعذيب البشع الوحشي المربع، لكل من ومايمت للإسلام بأي صلة. وأمام ذلك كله أو بعضه يذر في هواء يوم عاصف قول من قال: كان القوط وغيرهم من أهل الأندلس يظنون أن المسلمين قدموا إليها، من أجل الغنائم يعودون بها بعد حيازتها من حيث أتوا، لا يقيمون في الجزيرة ولا يقول بهذا إلا جاهل أو حاقد أو عابث، بل إن القوط وجميع أهل إسبانيا - مرحب أو دافع محارب الناس والمسؤولون سواء - كانوا على وعي تام بما جاء المسلمون لأجله، جاؤوا للفتح الإنساني الكريم ونشر دين الله تعالى.. كل الظواهر والمجريات والأمثلة تدلل لهم على ذلك بوضوح تام لامجال البتة لفهم غيره.
لا إجبار في اعتناق الإسلام
ولم يحدث أبدًا ولا مرة واحدة، خلال التاريخ الإسلامي والأندلسي - حتى ولا استثناء - 1 أن أخبر أحد على اعتناق الإسلام بأي أسلوب لا من قريب ولا من بعيد أبدا. حيث إن ذلك يتنافى مع طبيعة الإسلام ذاته فضلا عن نصوصه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة: ٢٥٦).
أقيمت كياناته ومجتمعاته ودوله بأحسن أسلوب وأقوم سياسة وأسلس طريقة القدوة في ذلك ما جرى في المدينة المنورة فور هجرة الرسول الكريم ﷺ. بعد ترك مكة المكرمة واحتمال التعذيب والقتل والتشريد فيها، دون أي انتقام لأحد من قبل المسلمين.. بل كانوا يتعبدون الله تعالى في الكعبة المشرفة، وحولها من الأصنام ٣٦٠ صنمًا، كان بإمكانهم أن يحطموها، لكنهم لم يفعلوا، إذ المهم أن تتحطم في نفوس أهلها. عندها يتولى عبادها السالفون تحطيمها بأيديهم، كما حدث فعلًا، تتحول أماكنها موضعا لعبادة الله وحده سبحانه وتعالى.
الدخول في دين الله
وذلك ما جرى في البلاد المفتوحة تمامًا، منها الأندلس، هكذا دخل أهلها في دين الله أفواجًا، بكامل إرادتهم واختيارهم... إذا كان سبب تحول بعض الكنائس والبيع إلى مساجد، لأن أهلها اعتنقوا الإسلام وأصبحوا من أهله من أراد البقاء على دينه له كامل الحرية وكافة الحقوق ما دام مسالمًا، بذلك لا يجب أبدًا أن يتوجس أَحَدٌ من قيام مجتمع مسلم يدين بمنهج الله تعالى، بل يجب أن يفيؤوا إليه إذا أرادوا الحياة الإنسانية الكريمة والسعادة في الدارين من أراد البقاء على دينه فهو آمن حر فيما يريد ويختار متمتعا بكل أفانين الحياة الكريمة والإنسانية والرعاية - متاح ذلك للقادمين - إلى جانب ما في هذا المجتمع المسلم متمتعا فيه بكل المنجزات الحضارية والإبداعات العلمية والمجالات المتقدمة المتاحة بارتياح لا يَخْشَى أَحَدٌ شيئًا أبدًا، بل يجد فيه ما يفتقده أي مجتمع آخر ينتمي إليه دينا وقوما ونسباء التاريخ المحققشاهد لا يكذب شهد به الآخرون. أما سمعتم كيف أن الرسول الكريم ﷺ عفا عن أهل مكة، الذين تفننوا في تعذيب المسلمين وقتلهم واضطهادهم طوال العهد المكي ثلاثة عشر عامًا، وفي العهد المدني ومعاركه التي أرادوها قاضية على الإسلام وأتباعه ونبيه ... بعد ثماني سنوات، يوم أن تم فتحها عفا عنهم قائلًا: اذهبوا فأنتم الطلقاء.. لم يطالب أي مسلم برد ما استلبته قريش من أملاكهم، مقتدين برسول الله ﷺ، بل ألم يأتكم خبر أهل مكة - وهم أهل تجارة المال عندهم عزيز - أنهم ما كانوا يضعون أماناتهم إلا عنده؟ وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته.
لَكُمْ جَربنا أنواعًا من الأنظمة التالفة المتلفة المجحفة ما أنزل الله بها من سلطان من الأنظمة بكل عاهاتها، فلنجرب الإسلام مرة واحدة لنرى!!
أجواء اجتماعية سمحة
ونجد جمهرة من دارسي الغرب وأمثالهم ومن الإسبان بالذات من نوه عمومًا بهذه الأجواء الاجتماعية وحياتها الكريمة السمحة الوفية وفي الأندلس أظهره ونادي به بصوت مرتفع وبأوضح عبارة دون أدنى تحفظ، يذكر منهم المؤرخ الإسباني بلاسكوا أبانيز (أحد علماء القرن العشرين)، نوه بذلك وغيره، مبينا آثار هذا الفتح الأندلسي العظيم، وجلبه الخير العميم والعلم والحضارة الإنسانية لإسبانيا وأوروبا، يقول مشيدًا بقوة بالفتح الإسلامي
وأنه تم ذلك صلحًا دون حرب في أغلبها: لقد استقبلت إسبانيا أولئك المسلمين الذين قدموا إليها من القارة الأفريقية استقبالا حسنا، وَسَلَّمَتْهُمُ القُرى قيادتها بغير مقاومة ولا عداء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل