; انتخابات الإعادة في إسطنبول.. الكثير على المحك | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات الإعادة في إسطنبول.. الكثير على المحك

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2019

مشاهدات 59

نشر في العدد 2132

نشر في الصفحة 42

السبت 01-يونيو-2019

العدالة والتنمية حصل على 42.55% والشعب الجمهوري 29.81% والجيد 7.76% والحركة القومية 7.44%

أخطاء في نتائج 108 صناديق وأصوات لمتوفين ومسجونين أسباب إعادة انتخابات إسطنبول

إستراتيجية العدالة والتنمية تقوم على شعار «سرقوا أصواتنا» وشعار المعارضة على خطاب المظلومية

بعد أكثر من شهر ونصف شهر على الانتخابات المحلية والبلدية التركية، التي أجريت نهاية مارس الماضي، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات نتائجها النهائية والرسمية، إضافة لتقديم شرح مفصل حول مسوغات قرارها إعادة انتخابات بلدية إسطنبول الكبرى.

وفق النتائج الرسمية والنهائية للانتخابات البلدية التركية، تقدم حزب العدالة والتنمية عن باقي الأحزاب بنسبة تصويت بلغت 42.55%، تلاه بالترتيب حزب الشعب الجمهوري بنسبة 29.81%، ثم الحزب الجيد بنسبة 7.76%، ثم الحركة القومية بنسبة 7.44%، فالشعوب الديمقراطي بنسبة 4.52%.

وضمن المسوغات التي أدت لقرار إعادة الانتخابات على صعيد بلدية إسطنبول الكبرى في الـ23 من يونيو الجاري، عدَّت اللجنة ما اعتبرتها أسباباً وحالات «مؤثرة» في النتائج، وفي مقدمتها كون عدد من رؤساء لجان الصناديق الانتخابية من غير الموظفين الحكوميين، وأخطاء في جداول نتائج 108 صناديق، إضافة لوجود أصوات لـ706 أشخاص لا يحق لهم التصويت من المتوفين والمعاقين ذهنياً والمسجونين وغيرهم.

ورأى قرار اللجنة -الذي أيده 7 وعارضه 4 من أعضائها الـ11- أن عدد الأصوات في هذه الصناديق المعنية أكبر بكثير من الفارق بين المرشحين الرئيسين في انتخابات بلدية إسطنبول الكبرى؛ ما دعا إلى إعادتها.

الإستراتيجيات

بغض النظر عن تقييم الأحزاب السياسية المختلفة لقرار اللجنة العليا للانتخابات، إلا أنها -جميعها- التزمت بالقرار، وعملت على أساسه منذ اللحظة الأولى، باعتبار أن اللجنة هي المرجعية الدستورية والقانونية للعملية الانتخابية وصاحبة القرار الأخير فيها، ولذلك فقد بدأ جميع هذه الأحزاب بالاستعداد للحملة الانتخابية للإعادة التي ستكون في جزئيات منها مختلفة عن الدورة الاعتيادية.

ذلك أنه إضافة لتقييم الفترات السابقة والوعود الانتخابية التي ستقدمها والانتقادات التي ستوجهها للمنافسين، تسعى الأحزاب السياسية لأكبر حشد ممكن في انتخابات الإعادة بسبب الفارق البسيط نسبياً بين المتنافسين الرئيسين بن علي يلدريم، مرشح العدالة والتنمية، وأكرم إمام أوغلو، مرشح الشعب الجمهوري، وهو أقل من 14 ألف صوت في مدينة يصوت فيها أكثر من 10 ملايين ناخب.

وبالتالي، سيكون للتحالفين المتواجهين في انتخابات الإعادة إستراتيجيتان رئيستان في انتخابات الإعادة؛ واحدة تستهدف الناخبين، والثانية الأحزاب السياسية. 

الإستراتيجية الأولى تقوم على أعمدة ثلاثة: تثبيت قرار من صوتوا لمرشحهم في الانتخابات الأولى، ومحاولة كسب أصوات جديدة من الطرف الآخر أو المترددين، والأهم إقناع الذين قاطعوا الجولة الأولى بالمشاركة هذه المرة، لا سيما أنهم يشكلون نسبة 16% ممن يحق لهم التصويت، وهي نسبة قادرة بالتأكيد على حسم النتيجة لأحد الاتجاهين.

ولخدمة هذه الإستراتيجية، وخصوصاً محاولة إقناع الممتنعين عن التصويت، سيقدم العدالة والتنمية سردية عدم دقة نتائج المرحلة الأولى والتآمر على أصواته (التزوير)؛ وبالتالي عدم انعكاس إرادة الناخب على النتائج، ولذلك فهو يرفع شعار “سرقوا أصواتنا”، بينما ستركز المعارضة على خطاب المظلومية، وأن مرشحها استحق الفوز بالرئاسة ولكن العدالة والتنمية رفض القبول بالهزيمة، ولذلك مارس ضغوطاً سياسية على لجنة الانتخابات.

إضافة إلى ذلك، سيهتم العدالة والتنمية أكثر بالمقترعين من أصول كردية، بعد أن تبين بشكل واضح أثر تصويتهم في النتيجة الأولى، ولذلك يتراجع خطاب “الخطر الوجودي” الذي كان موجهاً بشكل أساسي ضد حزب الشعوب الديمقراطي (القومي الكردي) في هذه الحملة لصالح خطاب “تحالف تركيا”، فضلاً عن إشارات واضحة لمغازلة الناخب الكردي مثل السماح لمحامي زعيم العمال الكردستاني “عبدالله أوجلان” بزيارته بعد منع ذلك لسنوات.

وفي انتخابات الإعادة التي سيكون كل صوت فيها مهماً ومؤثراً، ستسعى الأحزاب السياسية المختلفة لكل الوسائل القانونية المتاحة للتحشيد يوم الاقتراع، خصوصاً أنها ستجرى خلال الإجازة الصيفية التي تشهد سفر عدد لا بأس به من سكان إسطنبول نحو مدنهم وقراهم الأصلية، وقد لاحت إشارات على تجاوب الناخبين مع نداءات الأحزاب للمشاركة، حيث أجَّل الكثيرون منهم حجوزاتهم وتواريخ سفرهم لما بعد الانتخابات، كما أفادت تقارير إعلامية.

وأما الإستراتيجية الثانية المتعلقة بالأحزاب السياسية، فتدور حول نسج شراكات وتحالفات مع الأحزاب الصغيرة التي كسب مرشحها في إسطنبول بأكثر من 13 ألف صوت أو ما يقترب منها، مثل أحزاب السعادة واليسار الديمقراطي والوطن والديمقراطي والشيوعي التركي، وقد بدأت حوارات فعلاً بين الأحزاب الكبيرة والصغيرة، التي نتج عنها -حتى لحظة كتابة هذه السطور- انسحاب مرشحي اليسار الديمقراطي والشيوعي التركي لصالح أكرم إمام أوغلو، وتأكيد حزب السعادة خوضه انتخابات الإعادة بمرشحه الخاص، وهو ما يصب في نهاية المطاف في صالح مرشح المعارضة كذلك؛ حيث يضمن تصويت النسبة الكبرى من ناخبي الحزب لصالح مرشحهم الخاص حارماً يلدريم من أصواتهم.

النتائج المتوقعة

هناك عوامل كثيرة مؤثرة في بلورة قرار الناخب التركي الذي سيشارك في انتخابات الإعادة، معظمها مكرر وبعضها مستجد، فالعوامل التقليدية المؤثرة في الانتخابات عادة حاضرة مرة أخرى، وفي مقدمتها الانحيازات السياسية، والانتماءات الحزبية، وأسماء المرشحين وشخصياتهم، ومنظومة التحالفات، والأزمة الاقتصادية، وتأثيرات الحملات الانتخابية وخطابها، والدعاية والدعاية المضادة، وغير ذلك من السياقات المؤثرة.

لكن انتخابات الإعادة لها كذلك خصوصيتها، وبالتالي بعض المعايير المستجدة التي لم تكن حاضرة في الجولة الأولى، وفي مقدمتها تقييم الناخبين للنتائج وأداء الأحزاب السياسية المختلفة بعد إعلان النتائج، وكذلك تقييمهم لقرار إعادة الانتخابات.

ولعله من المفيد القول: إن قيادات الأحزاب السياسية لا تضمن دائماً توجهات التصويت لدى ناخبيها، وإن الناخب التركي قادر دائماً على صناعة المفاجآت الصغيرة والكبيرة، كما فعل في انتخابات عام 2002م، التي أتت بحزب العدالة والتنمية الوافد حديثاً على الساحة السياسية التركية وسلمته حكم البلاد، وكما فعل كذلك في انتخابات يونيو 2015م التي حرمته من الأغلبية البرلمانية.

ولذلك، لا يمكن أبداً الجزم بنتائج انتخابات الإعادة، خصوصاً في ظل المنافسة الشديدة بين المرشحين الرئيسين، وفي غياب استطلاعات رأي موثوقة وقادرة على استمزاج رأي الناخبين واستشراف النتائج بدقة، وكذلك في ظل برود الحملة الانتخابية خلال شهر رمضان المبارك التي يتوقع لها أن تحتدم في فترة ما بعد العيد قبيل يوم الاقتراع.

التداعيات

تبقى انتخابات الإعادة اقتراعاً على رئاسة بلدية -حتى ولو كانت إسطنبول بكل أهميتها- ما يجعل تداعياتها السياسية غير جذرية أو كارثية، لكن ينبغي كذلك تذكّر أن انتخابات الجولة الأولى كانت قد أودعت حمولة سياسية مرتفعة لأسباب عدة، ويُتوقع لانتخابات الإعادة أن تكون أكثر سخونة ودلالات سياسية لرمزية بلدية إسطنبول الكبرى وكذلك بسبب قرار الإعادة.

ففي ظل انتقادات المعارضة لقرار إعادة الانتخابات، ثمة تخوفات حقيقية من عدم اعترافها بنتيجة الإعادة إذا ما كانت لصالح مرشح العدالة والتنمية، أو لجوئها للاحتجاج في الشارع، وهو خيار سلبي جداً إذا ما حصل لا سيما في ظل الضغوط الخارجية على تركيا والأزمة الاقتصادية التي تمر بها ولم تتعاف منها تماماً بعد.

من جهة أخرى، سيكون لفوز المعارضة مجدداً في الإعادة إذا ما حصل تداعيات مهمة على حزب العدالة والتنمية، إذ لن يكون ذلك تأكيداً على فوز المعارضة وخسارة الأخير فقط، ولكن كذلك على عدم قناعة الناخب بقرار الإعادة وسردية التزوير وسرقة الأصوات؛ ما يعني ضمنياً أنه غير مقتنع أن العدالة والتنمية قد تفاعل كما يجب مع رسائل الصناديق في الجولة الأولى وفق ما وعد الرئيس “أردوغان”.

نتيجة كهذه كفيلة بمفاقمة الجدل داخل الحزب الدائر مؤخراً، لا سيما بعد مؤشرات عديدة أطلقتها قيادات سابقة بالحزب في مقدمتها الرئيس السابق “عبدالله جل”، ورئيس الوزراء الأسبق “أحمد داود أوغلو”، التي تحيل إلى فكرة تأسيس حزب جديد ينافس العدالة والتنمية، بهذا المعنى ستكون خسارة العدالة والتنمية لإسطنبول في الإعادة شارة إطلاق الحزب الجديد، وهو تحدٍّ غير مسبوق أمام العدالة والتنمية منذ تأسيسه، ومختلف عن كل ما سبق له مواجهته، لا سيما أن الحزب المفترض سيتشارك معه في الخلفيات والأفكار والمشاريع؛ ما يعني منافسته على قاعدته الجماهيرية وكتلته التصويتية.

لذلك كله ولأسباب أخرى عديدة، الكثير سيكون على المحك في انتخابات الإعادة ببلدية إسطنبول الكبرى في الثالث والعشرين من يونيو الحالي.

الرابط المختصر :