; انتخابات الجولة الأولى تحسم ثلاثة أرباع المعركة السياسية | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات الجولة الأولى تحسم ثلاثة أرباع المعركة السياسية

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1416

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

  نتائج الجولة الأولى من الانتخابات النيابية أسفرت عن فرز جديد للقوى السياسية في ضوء المفاجآت الانتخابية، التي حققتها المعارضة في بعض دوائر جبل لبنان، فيما اتسمت المعركة الانتخابية في دائرتي الشمال بطابع التنافس الانتخابي بين زعامات محلية في طرابلس وزغرتا من جهة، وبين المرشحين الأقوياء في مناطق عكار والضنية وبشري من جهة أخرى. وتتصف المعركة التي خاضها الوزير السابق وليد جنبلاط بحساسية مرتفعة؛ حيث رفع جنبلاط السقف السياسي للمعركة إلى حد الإشارة بالنقد إلى رئيس الجمهورية من ناحية ما يقال عن تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية عمومًا، وفي التحالفات الانتخابية خصوصًا بغية التأثير في نتائجها، وكذلك التعرض علنا للدور السوري في لبنان مع المطالبة بتصحيح العلاقة مع دمشق بحيث تكون أكثر توازنًا، ويستعيد جنبلاط بذلك الموقف خطاب المعارضة المسيحية التي ما فتئت في السنوات العشر الأخيرة تطالب بالأمر ذاته، ولم يكن مستغربًا في السياق نفسه أن ينفتح جنبلاط على القوى المسيحية التي قاتلها في الحرب الأهلية لا سيما رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل، ويؤكد الخطاب الجديد للزعيم الدرزي أنه يخوض معركة سياسية دقيقة، تهدف إلى تحجيم دور الرئيس لحود في الحياة السياسية من خلال تعويم القيادات المسيحية التقليدية، وقد نجح في ذلك في انتخابات الجبل؛ حيث تمكن من سحق خصومه المدعومين من أجهزة الدولة، وتحديدًا النائب السابق زاهر الخطيب، والنائب إيلي حبيقة والاثنان مقربان جدًّا من دمشق.

 ومن الجدير ذكره أن جنبلاط صمد أمام الضغوط المتواصلة التي مورست عليه لضم النائب الخطيب إلى لائحته في منطقة الشوف، وتحييد النائب حبيقة من معركته التي يخوضها ضد غريمه الزعيم الدرزي الأقل شعبية طلال أرسلان.

 وتحالف جنبلاط مع حزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار وحزب الكتلة الوطنية، إضافة إلى شخصيات مسيحية لها وزنها السياسي العريق، ويقال في هذا المجال: إن تيار قائد الجيش السابق ميشال عون لم يكن بعيدًا عن المعركة؛ حيث شارك أنصاره في انتخاب لائحتي جنبلاط.

 ويمكن القول: إن الفوز الكاسح لجنبلاط يعود إلى عاملين: 

الأول: كثافة نسبة الاقتراع لدى الناخبين الدروز، وكذلك لدى الناخبين ألسنة المتحالفين معه في إقليم الخروب.

 الثاني: تراجع الحماس لدى الناخبين المسيحيين المؤيدين للائحتين المنافستين بمقابل صب الأصوات المسيحية الحزبية إلى جانب جنبلاط. ومنذ البداية قرر جنبلاط تحييد غريمه في المنافسة المباشرة على المقعد الدرزي في منطقة عالیة «طلال أرسلان»؛ لاحتواء القاعدة الانتخابية الدرزية المؤيدة تقليديا لآل أرسلان، كما حيد المقعد الشيعي الثاني لمنطقة بعبدا لتجنب معركة مع حزب الله، علما أن جنبلاط كان يمتلك القوة اللازمة لإسقاط أرسلان والنائب السابق عن حزب الله علي عمار. 

ولم تخرق لائحة جنبلاط إلا بالمقعد الماروني في عالية، الذي ناله النائب بيار حلو، وهو مقرب من البطريرك الماروني صفير، وقد يكون ذلك في إطار صفقة سياسية.

وفي واقع الأمر فإن تطلعات جنبلاط تتجاوز المقاعد الانتخابية إلى ما يمكن توصيفه بأنه محاولة إعادة الاعتبار للقيادات السياسية الفاعلة وحتى المسيحية منها؛ لأنها الطريقة الوحيدة لإضعاف موقع رئاسة الجمهورية، وسحب ورقة الشرعية الشعبية من تحت بساط القصر الرئاسي، وإعادة التوازن بين رئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة الأخرى لا سيما موقع رئاسة الحكومة، وفي ذلك السياق يأتي التحالف المتين بينه وبين رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري الذي يخوض معركته الانتخابية في بيروت تحت شعار العودة إلى رئاسة الحكومة التي شغلها ما بين عامي ١٩٩٢م و١٩٩٦م.

 ويعود الفتور بين جنبلاط والقيادة السورية الجديدة إلى ما قبل وفاة الرئيس حافظ الأسد بعد أن قررت دمشق قبيل انتخاب العماد إميل لحود رئيسًا للجمهورية حصر علاقتها بحلفائها عبر الرئيس لحود، بمعنى إعطاء الأخير صفة المرجعية الوطنية، بخلاف ما كان يحدث أيام الرئيس السابق إلياس الهراوي أي أن الأولوية باتت للرئيس لحود على حساب الآخرين، وهو ما أثار حفيظة جنبلاط الذي له تاريخ معقد مع مؤسسة الجيش التي قاتلها بشراسة إبان الحرب الأهلية. 

أما المعركة الانتخابية في دائرة المتن الشمالي؛ حيث تواجه الخصمان التقليديان وزير الداخلية من جهة والنائب نسيب لحود من جهة أخرى، فقد اتصفت بقدر من السخونة البارزة وصلت إلى حد التعارك بين أنصار الفريقين في منطقة برج حمود ذات الكثافة الأرمنية. ومن المعلوم أن المر اعتاد حسم معاركه الانتخابية ضد خصومه عن طريق الناخبين الأرمن الذين يقترعون بانضباط وكثافة لمصلحة مرشحي السلطة، لكن ما زاد في توتير الأجواء أن المر الأرثوذكسي يتحكم في ما منطقة المتن رغم الغالبية المارونية فيها، ويساعده على ذلك أيضا تلكؤ الناخب الماروني عن المشاركة، وتحققت المفاجأة في المتن حين عاد رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل إلى قاعدته الانتخابية في المتن بعد غياب طويل، وأدى ذلك إلى تعاظم حظوظ نجله بيار في اختراق مكان له مع أنه ترشح منفردًا. والمفارقة هنا أن رئيس حزب الكتائب منير الحاج، الذي تحالف مع الوزير المر سقط، فيما نجح حفيد مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل إلى جانب نجل رئيس الجمهورية أميل الصغير، الذي ترشح على لائحة المر. والمعاني السياسية لهذه المعركة لا تخفى فقد تمكن خصوم الوزير المر من تشتيت القوة الأرمنية عبر ترشح أرمني يساري، مما أسقط أسطورة الأرمن في الانتخابات، وقد تعرض المرشح المعارض رافي ماديان لاعتداءين في منطقة برج حمود من قبل أنصار حزب الطاشناق أثناء تجواله على مراكز الاقتراع، ويعتبر حصوله على نحو ٣٠ ألف صوت إنجازًا يؤشر على تفكك النواة الأرمنية الصلبة، وإن لم ينجح ماديان في الفوز بمقعد نيابي، وهذا الخرق الانتخابي والسياسي المهم لا هدف له سوى إعادة التوازن في منطقة المتن؛ لترتسم معالم صفحة سياسية جديدة، ويعود الجبل ليقرر مصير لبنان.

 واللافت في معركة الشمال بدائرتيه الأولى والثانية، أن تيار الرئيس السابق رفيق الحريري لعب دور القوة الثالثة التي تخرق اللوائح المتنافسة وتوصل المرشحين المؤيدين لها، ومع أن الحريري أعلن تأييده للائحة الوزيرين سليمان فرنجيه ونجيب ميقاتي، فإن ماكينته الانتخابية عملت على تشطيب المرشحين محمد الصفدي في طرابلس والنائب بطرس حرب في البترون، وذلك لمصلحة مرشحين معينين هما النائب مصباح الأحدب وشارل أيوب. 

وكان لتيار المستقبل دور أساسي في إثارة عمليات التشطيب بين الحلفاء على لائحة الوزيرين، والتي ثبتت لها الأرجحية على لائحة الرئيس الأسبق عمر كرامي.

 وفي السياق نفسه تعرض مرشح الجماعة الإسلامية عبد الله بابتي المتحالف مع الوزيرين إلى التشطيب ذاته من أطراف على اللائحة نفسها، وهو مشهد يتكرر للمرة الثانية في طرابلس منذ عام ١٩٩٦م، والواقع أن الجماعة الإسلامية وجدت نفسها في موقف صعب، فالهيئات الإسلامية سحبت تأييدها لبابتي بعد انضمامه إلى اللائحة المنافسة للائحة عمر كرامي، وقررت تأييد مرشحين مختلفين على اللوائح المختلفة، وهو ما أدى إلى تشتيت الأصوات دون طائل، والفائز الأكبر كان الوزير نجيب ميقاتي الذي يتردد اسمه كمرشح محتمل لخلافة الرئيس سليم الحص على رأس الحكومة، والوزير ميقاتي مقرب من دمشق، وله استثمارات بمجال الاتصالات في سورية، وقد نال أصواتًا من أطراف مختلفة داخل اللائحة وخارجها، وحاز أعلى نسبة من الأصوات في دائرتي الشمال مجتمعة مما يفتح أمامه مجال السياسة من أوسع أبوابها، خصوصا أن الرئيس الأسبق عمر كرامي فاز بصعوبة منفردًا في طرابلس دون سائر حلفائه فيها.

 وفي الدائرة الأولى التي تضم مناطق عكار والضنية وبشري تعرض مرشح الجماعة أيضًا أسعد هرموش لعمليات تشطيب مماثلة، لا سيما أن النائب عصام فارس عزف عن ضم مرشح تيار الحريري النائب أحمد فتفت إلى لائحته الائتلافية، وهو ما تسبب بفرط التحالفات على هذه اللائحة، وكان النائب هرموش أحد أبرز المتضررين، ونال فتفت أعلى نسبة من الأصوات؛ بسبب التعاطف الكبير معه من جانب الناخبين المسلمين.

الرابط المختصر :