العنوان انتخابات الجزائر.. تجربة ديمقراطية ناقصة تفرز: ثنائية قطبية تمثلها تيارات.. لا أحزاب
الكاتب عامر حمدي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1254
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 17-يونيو-1997
الكل يتحدث عن حكومة وحدة وطنية
أسفرت الانتخابات التشريعية التي جرت أطوارها يوم 5 يونيو الماضي عن فوز التجمع الوطني الديمقراطي حزب الرئيس زروال بأغلبية المقاعد النيابية بحصده لحوالي ١٥٥ مقعدًا نيابيًّا وجاءت حركة مجتمع السلم التي يقودها محفوظ نحناح في المرتبة الثانية بـ ٦٩ مقعدًا، تليها جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم سابقًا، بـ ٦٤ مقعدًا متبوعة بحركة النهضة بـ ٣٤ مقعدًا نيابيًّا، في حين تساوى الحزبان البربريان جبهة القوى الاشتراكية التي يقودها حسين آيت أحمد، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بـ 19 مقعدًا لكل واحد منهما، في حين حصل حزب العمال ذو التوجه التروتسكي، على 4 مقاعد في البرلمان المقبل.
كما تحصل الأحرار المستقلون على 11 مقعدًا من بينها ثلاثة مقاعد لأفراد من حركة محفوظ نحناح، وتحصل كل من الحزب الجمهوري التقدمي والاتحاد من أجل الديمقراطية والحريات، وكذا الحزب الاجتماعي الحر على مقعد واحد لكل منهما.
في حين لم تتمكن بعض الأحزاب القوية نسبيًّا كحزب التجديد الجزائري والتحالف الوطني الجمهوري، حركة مجد والحزب الوطني للتضامن والتنمية من الحصول على أي مقعد نيابي رغم حصول البعض منهم على عدد مهم من الأصوات كما هو حال حزب التجديد الجزائري الذي تحصل على ١٩٧٢٦٢ صوتًا.
ويرجع الملاحظون عدم قدرة أحزاب من مثل التجديد الجزائري الحصول على أي مقعد إلى قانون الانتخابات الذي يتطلب تركيزًا نسبيًّا لأصوات الناخبين في عدد من المناطق، مما لم يتح للأحزاب التي كانت أصوات ناخبيها مشتقة من الحصول على أي مقعد نيابي.
وبالرغم من الضمانات القانونية والالتزامات التي قدمها رئيس الجمهورية للأحزاب، وسعيه للحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية، إلا أن تقارير مجمل أحزاب المعارضة أكدت حدوث تجاوزات خطيرة من الإدارة لصالح التجمع الوطني الديمقراطي حزب السلطة.. وفي هذا الإطار اشتكت أربعة أحزاب فاعلة في المعارضة وهي حركة مجتمع السلم، حركة النهضة جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال من الممارسات التعسفية للإدارة ومنعها في عدد كبير من الدوائر الانتخابية من إحضار مراقبيها بدعاوى شتي، إضافة إلى التعدي على البعض منهم لمنعهم من مراقبة الصناديق الانتخابية خلال عملية الاقتراع.
تقدم التيار الوطني والإسلامي
وأبرزت نتائج الانتخابات التقدم الواضح للتيار الوطني والإسلامي على حساب التيار الديمقراطي والاشتراكي، حيث حصل التيار الوطني على ما مجموعه ۲۱۹ من أصل 380 مقعدًا أي ما نسبته (٥٦,٧%) في حين تحصل التيار الإسلامي على ١٠٦ مقاعد أي ما نسبته (۲۷%) منها ٧٢ لحركة مجتمع السلم التي أحرزت تقدمًا واضحًا في قائمتها الحرة التي راهنت عليها في ولاية الوادي جنوب الجزائر والتي حصلت فيها على ٣ مقاعد متقدمة بذلك باقي كل الأحزاب السياسية، من جهة أخرى تحصل التيار الديمقراطي على ٢٤ مقعدًا، في حين نالت الأحزاب الأشتراكية التي سبق لها أن تحالفت مع جبهة الإنقاذ، وهي جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال على ۲۳ مقعدًا في البرلمان المقبل.
وبدا واضحًا للملاحظين أن الصناديق المتنقلة المخصصة لأفراد الجيش وأسلاك الأمن كانت حاسمة في كل مرة لترجيح كفة التجمع الوطني الديمقراطي، الذي بدا تقهقره واضحًا أمام حركة مجتمع السلم وجبهة التحرير في المكاتب الانتخابية العادية.
والمتمعن في النتائج الانتخابية التي أفرزته الصناديق يدرك للوهلة الأولى الثنائية القطبية التي ستحكم الساحة الوطنية بعد هذه الانتخابات وهـي ثنائية التيار الوطني والإسلامي بصفة عامة، بعدما كان المراقبون يتوقعون أن تكون الثنائية القطبية محددة في كل من التجمع الوطني الديمقراطية وحركة مجتمع السلم، أي ثنائية قطبية ضيقة.
كما بدا واضحًا تقلص المشاركة في الانتخابات إلى درجة كبيرة، وفي هذا الإطار شككت الأحزاب في النسبة المعلن عنها من قبل وزارة الداخلية والتي قدرت نسبة المشاركة ب٤٩ ,٦٥%، حيث اعتبرت الأحزاب هذا الرقم مبالغًا فيه كثيرًا، وقال الزعيم البربري سعيد سعدي في ندوة صحفية عقدت بالمركز الدولي للصحافة بالجزائر أن نسبة المشا الحقيقية التي أكدتها تقارير حزبه تتراوح بين و٥٠% فقط.
ويرجع المراقبون هذا التدني في نسبة المشاركة إلى عدة اعتبارات سياسية مهمة، أهمها انخفاض ثقة الناخبين في أن تكون العملية الانتخابية أفضل وسيلة للاستجابة للانشغالات السياسية والاجتماعية لعموم أفراد الشعب والتي هي في تزايد مستمر.
ويستدل آخرون بمؤشر آخر وهو أن الديناميكية الانتخابية التي أفرزتها الانتخابات الرئاسية بالنظر للوعود التي قدمها رئيس الجمهورية، والتي لم يتمكن من تحقيقها بصفة نهائية، جعلت الناخبين لا يثقون في أسلوب الانتخابات كعملية لاختيار الأكفاء، وخاصة أن ذلك تناسب مع حدثين زادا من تعقيد الوضع وهما حدوث عنف عشية الانتخابات التشريعية في بعض المناطق من العاصمة، مما أثار هلعًا لدى الناخبين خاصة، وصدور بيانات من الجماعات المسلحة دعت فيها إلى قتل كل من ينتخب، كما أن تزايد احتجاجات الأحزاب خلال الحملة الانتخابية وعدم قدرة اللجنة الوطنية المستقلة للفصل في الطعون التي تقدمت بها الأحزاب كلها عوامل جعلت الناخبين يشعرون مسبقًا بإمكانية حدوث عملية تزوير واسع في الانتخابات وهو ما حدث فعلًا، حسب ما تشير إلى ذلك مجمل التقارير الحزبية.
أخطاء النظام الانتخابي
وما عقَّد وضعية الناخبين في اختيارهم لمرشحي الأحزاب السياسية جملة من الأخطاء والفراغات القانونية التي حملها قانون الانتخابات المصادق عليه في شهر مارس الماضي، وكذا الترتيبات التابعة له حيث اعتمدت اللجنة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات على نظام الرمز الأبجدي لاختيار البطاقات الانتخابية للأحزاب يوم الاقتراع، مما ولد صعوبات بالغة لدى الناخبين في التمييز بين الأحزاب من خلال الحروف الأبجدية علمًا بأن الإحصائيات الوطنية تشير إلى أن عدد الأميين في الجزائر يتجاوز سبعة ملايين ونصف المليون ممن لا يعرفون القراءة ولا الكتابة الأمر الذي ولد أخطاء واضحة في التصويت، لعل أطرفها كان حصول الحزب الجمهوري التقدمي على ثلاثة مقاعد في دائرتين انتخابيتين فقط، والسبب راجع كما بدا للملاحظين أن الرمز الانتخابي لهذا الحزب هو -أ ض-، في حين أن الرمز الانتخابي لحركة مجتمع السلم التي يقودها نحناح هو -أ ص-، فكانت النقطة كافية لتمنح هذا الحزب المجهري عديم التمثيل ثلاثة مقاعد من ذهب هو الأمر الذي تكرر مع الاتحاد من أجل الديمقراطية والحريات الذي رمزه الانتخابي -ذ- والذي حاز على مقعد انتخابي بعد حصوله على عدد مهم من أصوات الناخبين على حساب التجمع الوطني الديمقراطي الذي رمزه الانتخابي -ز-
وهو نفس العامل الذي قلص من حظوظ جبهة القوى الاشتراكية في منطقة القبائل، حيث يدل أن ينتخب بعض الناخبين المتعاطفين مع حزب حسين آیت أحمد على الرمز الانتخابي -أ د- انتخبوا على الرمز الانتخابي لحركة النهضة صاحبة الرمز -أ ر- وهي أصوات رفعت من شأن هذه الأحزاب على حساب أخرى.
من جانب آخر، ما لوحظ في هذه الانتخابات دون أن يثير انتباه المتابعين للانتخابات من تفكك القاعدة الانتخابية لجبهة الإنقاذ الإسلامية، بشكل نهائي حيث تقاسم أصوات هذه القاعدة عدة أحزاب منها الأحزاب الإسلامية كحركة النهضة وبدرجة أقل حركة مجتمع السلم والأحزاب الاشتراكية والتروتسكية جبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال، اللذين تحصلا على نسبة عالية في معاقل الإنقاذ السابقة كحي بوروية بالعاصمة و باش جراح، في حين تمكن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية و الحزب اللاتيكي، من استرجاع أنصار القضية البربرية التي كانت جبهة الإنقاذ قد تمكنت من كسبها في عام ١٩٩٠م.
وبرأي الملاحظين فإن لجوء القاعدة الانتخابية لجبهة الإنقاذ للتصويت على هذه الأحزاب يعكس عدم قدرة هذه الشريحة على البقاء بعيدًا عن مجرى الأحداث، مما دفعها إلى الانتخاب على الأحزاب التي تيقنت بأهمية التصويت عليها للاستجابة لانشغالاتها، بالرغم من أن بيانًا صادرًا عن الهيئة التنفيذية للإنقاذ بالخارج نشر قبل الانتخابات بيوم واحد، دعا إلى عدم المشاركة في الانتخابات والتصويت في حالة المشاركة على أحزاب -إعلان سانت إيجيديو.
ومقارنة بالانتخابات التشريعية السابقة يمكن -التأكيد من خلال نتائج هذه الانتخابات على عدة حقائق لعل أهمها أن الساحة السياسية أصبحت الآن أكثر توازنًا بين مختلف القوى السياسية الفاعلة، وأن أهم التيارات السياسية ستكون ممثلة في البرلمان المقبل، فالتيار الوطني سيجد نفسه ممثلًا في حزبين هما التجمع الوطني الديمقراطي حزب الرئيس وجبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم سابقًا، في حين سيجد التيار الإسلامي نفسه ممثلًا في قوتين سياسيتين هما: حركة مجتمع السلم، وحركة النهضة، وسيكون التيار الديمقراطي، ممثلًا بحوالي ثلاثة أحزاب سياسية أهمها: التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والتيار الاشتراكي - التروتسكي، ممثلًا بحزبي جبهة القوى الاشتراكية - وحزب العمال الذي تقوده النقابية لويزة حنون، الأمر الذي قد يفرز برلمانًا متعدد الأصوات والاهتمامات تجمع كل تياراته الأساسية على ضرورة وقف النزيف الدموي في البلاد من جانب آخر رفعت أربعة أحزاب من المعارضة وهي حركة مجتمع السلم، وحركة النهضة، وجبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال اعتراضًا إلى رئيس الجمهورية حول نتائج الانتخابات والتجاوزات التي شهدتها عملية الاقتراع، وطالبت الرئيس الأمين زروال باعتباره القاضي الأول في البلاد، الفصل في جملة الطعون التي قدمتها الأحزاب للسلطات المختصة، وتنوي هذه الأحزاب في حالة عدم الاستجابة لمطالبها مقاطعة البرلمان المقبل، والمطالبة بانتخابات مبكرة، غير أن مصادر من حركة مجتمع السلم أكدت للمجتمع أنها تنوي سحب نفسها من هذا التجمع لعدة أسباب، لعل أهمها تفضيل الحركة عدم الدخول في تحالفات مع بعض الأحزاب التي لها أغراض أخرى من ممارسة المعارضة.
الملاحظون الدوليون والمشاركة المنقوصة؟
وأثارت التصريحات التي أدلى بها مبعوثو جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية، وهيئة الأمم المتحدة، الأحزاب السياسية التي أعربت عن أسفها من هذه التصريحات التي وصفت الظروف التي جرت فيها العملية الانتخابية بالعالية والنزيهة رغم أن هذه الهيئات كانت محدودة الحضور لقلة عدد الملاحظين، كما أنها تسلمت تقارير واحتجاجات أحزاب المعارضة عن التجاوزات الخطيرة التي عرفتها العملية الانتخابية، وفي هذا الصدد عاب محفوظ نحناح على مبعوث جامعة الدول العربية سعيد كمال، قوله: إن الانتخابات جرت في ظروف عادية ميزها التفاني الذي قامت به الإدارة لإنجاح الانتخابات، وقال نحناح في هذا الصدد: إن تصريح مبعوث الجامعة العربية المتسرع، يشبه إلى حد بعيد مسرحية شاهد ما شافش حاجة عائبًا عليه إطلاقه لمثل هذه الأحكام دون مراعاة الاحتجاجات التي بلغتها له الأحزاب السياسية، وقد رد عليه سعيد كمال، وهو مندوب فلسطين في الجامعة -بأن الوفد شاهد كل حاجة، وقد انتقد مراقبو الأمم المتحدة سير الانتخابات لا سيما في مكاتب الاقتراع الجوالة وتلك الخاصة بقوات الأمن.
ومن جانبه أكد رئيس التجمع الوطني الديمقراطي عبد القادر بن صالح أن الحكومة القادمة ستكون حكومة ائتلافية جامعة لأهم الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان والتي ترغب في المشاركة لحل الأزمة الجزائرية، وإن كان عبد الله جاب الله زعيم حركة النهضة قد استبعد أن تشارك حركته في الحكومة القادمة إلى غاية اجتماع مجلس شورى الحركة قريبًا، فإن محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم، يعتقد جازمًا أنه لا بد من توسيع قاعدة الحكم عبر إشراك الفعاليات السياسية في الحكومة القادمة، لأنه - حسبه سيكون من الصعب على السلطة التي فشلت في امتصاص الأزمة الدموية خلال السنوات الماضية أن تتمكن وحدها من تسيير الأزمة التي هي في تعقد مستمر على المستوى الاجتماعي والاقتصادي من خلال السنوات المقبلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل