العنوان انتخابات الجزائر البرلمانية- عودة جبهة التحرير في انتخابات موجهة.. وتراجع مفروض على الإسلاميين
الكاتب فاروق أبو سراج الذهب
تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002
مشاهدات 70
نشر في العدد 1504
نشر في الصفحة 22
الأربعاء 08-مايو-2002
لم يتفاعل الشارع الجزائري بإيجابية مع الانتخابات التشريعية في ظل حالة الأمن المتوتر والتعسفات والضغوط المتعددة التي وقعت على المواطنين، تمثل ذلك في حالة الفراغ التي عرفتها تجمعات الحملة الانتخابية ماعدا بعض الأحزاب التي لها القدرة على التعبئة، ويتعلق الأمر ببعض الأحزاب الإسلامية «حمس، النهضة، الإصلاح» أو ما يتعلق بالتعبئة الإدارية التي دفعت بالموظفين والطلبة وتلاميذ المدارس إلى المشاركة الإجبارية في التجمعات الخاصة بحزبي السلطة: الأفلان أو جبهة التحرير الوطني، والأرندي «التجمع، الوطني، الديمقراطي» على اعتبار أن الأمين العام للأفلان هو رئيس الحكومة والأمين العام للأرندي هو وزير العدل، ومن جهة أخرى فإن نسبة المشاركة في الانتخابات كانت منخفضة (٤٦%).
• المقاشكين.. هم أصحاب التيار العلماني.. يشاركون في السلطة.. ويقاطعون الانتخابات التي يمكن أن تكشف وزنهم الحقيقي.
• الاعتراف بنسبة مشاركة متدنية سابقة في العالم الثالث.. لكن يبقى التزوير عاملًا مشتركًا.
• تراجع التجمع الوطني الديمقراطي الحاكم إلى الترتيب الثاني هزيمة أكيدة للتيار الاستئصالي.
• حركة مجتمع السلم استعصت على الترويض فعوقبت بالتراجع إلى الموقع الرابع.
فالظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المواطن إضافة إلى أزمة الثقة المفقودة بين المواطن والسلطة أدت إلى ضعف نسبة التعاطي والتفاعل الإيجابي، فضلًا عن أن المواطن الجزائري أصبح لا يثق في نزاهة الانتخابات، كيف لا وهو الذي شاهد ملامح التزوير بادية على أوراق الانتخابات أو على المستوى الإعلامي من حيث الانحياز عبر الصحف العمومية والتلفزة لأحزاب معينة.
المواطن الجزائري أصبح يمتلك القدرة على تحسس نتائج الصندوق عن بعد، ولكن هل يمكن أن تحسب نسبة المقاطعة على تيار المقاطعين حتى لو تعلق الأمر بمناطق القبائل التي كانت نسبة المشاركة فيها لا تتعدى ٢ % حيث شهدت ولايتا تيزي وزو وبجاية أحداث شغب جعلت السلطة توقف العملية الانتخابية خشية وقوع مشادات تؤدي إلى ضحايا؟
تيار المقاطعين الذي تمثله بعض الشخصيات مثل رشيد بن يلس «جنرال سابق» وأحمد طالب الإبراهيمي رئيس حزب الوفاء الذي لم يعتمد بعد، وعلي يحيى عبد النور رئيس رابطة حقوق الإنسان وحزب الأفافاس الذي يترأسه أيت أحمد، وسعيد سعدي رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وكذا حزب رضا مالك والهاشمي شريف، هذه الأحزاب لم يجمعها موقف سياسي موحد في إطار تنظيمي، ولكن جمعتها مواقفها من مقاطعة الانتخابات، وهي كلها تمثل في الجزائر التيار اللائكي العلماني الذي ما فتئ يحصد الفشل في كل الاستحقاقات الانتخابية، فهو لا يمثل في معظمه إلا نسبة 7% من الناخبين، لكن توافق هذه التيارات مع الرداءة السياسية التي تميز الأداء السياسي للسلطة، والتعامل مع الملفات الحساسة التي تشكل الحاجات الأساسية للمواطن، كل ذلك أجتمع في هذه الانتخابات لتكون نسبة المشاركة 46,09% وهي على كل حال نسبة موضوعية خرجت عن النسب المعروفة في بلدان العالم الثالث أي ٩٩,٩٩%.
التزوير الذكي وبروز مصطلح «المقاشكين»
مؤشرات التزوير الذكي في الانتخابات كانت واضحة، وقد تحدث عن ذلك مختلف التشكيلات السياسية المشاركة في الانتخابات، فالتغطية الإعلامية عبر التلفاز الجزائري كانت موجهة لصناعة رأي عام في اتجاه فوز الحزب الحاكم الأول «حزب جبهة التحرير الوطني»؛ حيث عملت أجهزة الإعلام على تغطية كل النشاطات الانتخابية وبطريقة إشهارية لهذا الحزب حتى تصنع رأيًا عامًّا وطنيًّا ودوليًّا لا يقف موقفًا معارضًا من نتائج الانتخابات، وهو الذي تابع عبر التلفاز التعبئة الجماهيرية المصنوعة والمصطنعة لصالح هذا الحزب، كان ذلك تزويرًا ذكيًا كما أسماه رئيس حركة مجتمع السلم محفوظ نحناح الذي أشار في أكثر من موقع إلى حدوث هذا النوع من التزوير، ورغم كل عمليات الضغط الحزبي لحركة مجتمع السلم على نزاهة الانتخابات، والدفع برئيس الجمهورية ووزير الداخلية إلى إصدار تعليمات صارمة لتوفير فرص النزاهة، إلا أنه حدث تمرد على مستوى المحافظات؛ حيث عرفت عملية المراقبة الحزبية لصناديق الاقتراع تجاوزات خطيرة بعدم إعطاء بطاقات التأهيل للمراقبة إلى ممثلي المرشحين، وتمييع هذه العملية بإجراء قرعة متساوية بين القوائم المترشحة، رغم أن أغلب القوائم لم تحضر مراقبين، ذلك أن رهان وجود مكاتب فارغة من المراقبين الحزبيين كان هو الهدف من هذا التمييع لعملية المراقبة.
الأحزاب السياسية سجلت كل هذه التجاوزات وعلى كافة المستويات لكن التأخر في معالجة هذا التعسف أدى إلى عملية إحباط لدى منتسبي الأحزاب ،وانشغلوا بها على حساب عمليات التعبئة في الوقت الذي نشطت فيه أحزاب السلطة على مستوى مكاتب الاقتراع من حيث الترتيبات الإدارية، وكذا التوجيه المباشر للناخب الانتخاب حزب معين، حدث ذلك في أغلب المحافظات، وقد سجلت الأحزاب عملية سرقة أوراق الاقتراع، كما ضبط منتسبون للحزب الحاكم وهم يزورون الأصوات في مكاتب الاقتراع، ووجد بعض المواطنين أن أسماءهم قد سجلت باعتبارهم منتخبين، وأنه تم التوقيع في مكانهم رغم أنهم لم يذهبوا إلى مكاتب الاقتراع، كل ذلك حدث بمعزل عن رقابة حقيقية لممثلي المترشحين.
القراءة المتأنية لظروف تنظيم الانتخابات في أجواء أعمال شغب وعنف وتعاط سلبي مع منطقة القبائل، وكذا تدهور اجتماعي واقتصادي في البلاد يعطي دلالات سياسية، تؤشر لبروز نوعين من الاستهداف السياسي:
أولًا: أن السلطة لا تريد أن تدخل في مرحلة انتقالية جديدة بدون شرعية، ولو كانت منقوصة ذلك أن الصراع داخل السلطة كان يستهدف تأجيل الانتخابات بغرض تحقيق أهداف مصلحية تؤجل أي إحراج لهذه الأطراف، كما أن السلطة كانت تستهدف تأسيس برلمان سياسي متعدد ضعيف المصداقية وذلك بتمثيل قوى سياسية أبرزها الإعلام على أنها قوية، ولكنها في الحقيقة لا تمثل إلا نفسها، وقد تحققت فعلًا إرادة السلطة في تحقيق انتصار كبير، برز مع عدد المقاعد التي حصل عليها حزب جبهة التحرير (۹۹ مقعدًا) مع تمثيل رقمي بسيط لأحزاب سياسية ضعيفة الوجود الجغرافي وحتى النضالي، وليس لها أي تجربة سياسية تتعلق بإدارة الأزمة أو تسيير شؤون البلاد.
ثانيًا: وهنالك استهداف آخر مثله دعاة المقاطعة للانتخابات من داخل السلطة وخارجها، فبنظرة متفحصة لوضعية الأحزاب المقاطعة للانتخابات؛ نجد أنها تشارك في أغلب مؤسسات الدولة، ولكنها تلعب بورقة المقاطعة بغرض تحقيق نفوذ واسع داخل هذه المؤسسات، وقد أشار إلى ذلك رئيس حركة مجتمع السلم محفوظ نحناح في أبرز مداخلاته؛ حيث سماهم بالمقاشكين؛ أي أنهم مشاركون في السلطة والدولة، ويظهرون بالمقاطعة السياسية للانتخابات.
هؤلاء اقتنعوا قناعة تامة أن الصندوق الانتخابي لا يعطيهم إلا بنسب منخفضة جدًّا، وقد ذهب بعضهم إلى طلب السلطة من الجيش، وبين هذا الرهان والرهان الآخر برزت نتائج مفاجئة، وقد تكون محسوبة بطريقة رياضية، عوقب فيها من عوقب، وكرم فيها من كرم، واستعمل الآخر كديكور سياسي من شأنه أن يزين المشهد الديمقراطي في البلاد.
تحالف غير معلن بين التيارين الوطني والإسلامي
كشفت النتائج عن فوز الحزب الحاكم حزب جبهة التحرير الوطني بأغلبية مقاعد البرلمان أمام تقهقر التيار الاستئصالي ممثلًا في حزب التجمع الديمقراطي الذي حكم البلاد أيام الأزمة، كما عرفت نتائج الانتخابات تراجعًا في مقاعد التيار الإسلامي، ذلك أن الإرادة السياسية على المستوى الوطني والدولي تستهدف تحجيم التيار الإسلامي، لاسيما المعتدل الذي أثبت جدارته في المشاركة في الأداء السياسي، وتسييره الناجح للوزارات والمهام التي أسندت إليه في الاستحقاقات الماضية، كان الهدف تحطيم جهود الإسلاميين والتقليل من دورهم السياسي؛ خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، فتراجع عدد مقاعد الإسلاميين من ۱۰۳ مقاعد سنة ١٩٩٧م إلى ۸۲ مقعدًا في سنة ٢٠٠3م الأمر الذي يفسر إرادة التقزيم، وقد تكون نفس الإرادة حاضرة في كل الاستحقاقات القادمة، بما يفرض على التيار الإسلامي في الجزائر إعادة صياغة خطابسياسي فعال، يفرض مواجهة تحدي التزوير، وكذا مواجهة الانكسارات التي حدثت في صفه، ومما يؤسف له أن بعض شخصيات وجماعات التيار الإسلامي المحسوبة على الجبهة الإسلامية للإنقاذ قدمت أصواتها للحزب الحاكم، ودعت إلى مناصرته في أغلب المحافظات، واعترفت على لسان أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ «مدني مزراق» أنهم أخطأوا في التعامل مع حزب جبهة التحرير الوطني.
النجاح السياسي لحركة مجتمع السلم
والقراءة الأولية لنتائج الانتخابات رتبت حركة مجتمع السلم «القوة الثانية انتخابيًّا في الجزائر» في المرتبة الرابعة بـ ٣٨ مقعدًا وبنسبة ٧,٧٤ % الحركة شاركت في البرلمان بقوة وفي الحكومة بثلاث وزارات، وحققت نجاحات متكررة على مستوى الأداءين الوزاري والبرلماني على المستويين الداخلي والخارجي، مما أقلق التيار اللائكي العلماني الذي جن جنونه حيال النجاحات التي حققتها الحركة الإسلامية المعتدلة، مما قاد إلى الضغط على السلطة، وتخويفها من نجاحات قد تحققها فيالانتخابات, هذا الذعر دعا بعض ولاة المحافظات للدخول في السلطة،لصالح مرشح عبر عملية تزوير الصناديق المطبوخة، وبغرض تقزيم دور الإسلاميين، واستعمال بعضهم جيء بالتجمع الوطني الديمقراطي هذا الحزب الاستئصالي، ليسبق جميع الإسلاميين، فيما أحرز تيار اليسار الترونسكي ممثلًا في حزب العمال- وفي صعود مفاجئ ۲۱ مقعدًا وهي لفتة سياسية من السلطة بغرض تمثيل كل الأطيافوالألوان وإيجاد توازن بين الإسلاميين واليساريين.
نتائج الانتخابات التشريعية
كما أفرزت أغلبية غير مفاجئة لحزب جبهة التحرير الوطني الذي وعد أمينه العام بتشكيل حكومة وحدة وطنية ائتلافية أفرزت كذلك انتحارًا أكيدًا للتيار الاستئصالي اللانكي ممثلًا في التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يشكل الأغلبية في البرلمان السابق- بالتزوير نفسه- وكان له ١٦٥ مقعدًا في انتخابات ۱۹۹۷ هبطت إلى ٤٨.
هذه النتيجة رسالة واضحة لهذا التيار تفيد بألا مكان للائكية في الجزائر وبين المواطنين، حتى ولو كانت معششة في بعض دواليب السلطة.
وغير بعيد عن هذا المشهد البائس تحاول السلطة في الجزائر إبراز الوجه الراديكالي الإسلامي من خلال إعطاء حركة الإصلاح الوطني التي يمثلها عبد الله جاب الله - ٤٣ مقعدًا وبترتيب ثالث في لفتة تعويض عن حركة مجتمع السلم التي استعصت على الترويض والإلحاق.
وعلى أي حال فإن التجربة الديمقراطية في الجزائر لا نزال تمر بأصعب مراحلها، وهي في البدايات وقد عرفت تطورات مختلفة، وعلى رأسها أنها عدلت في نسب المشاركة المعروفة في العالم الثالث من 99.99 % إلى 46.09 % كما أنها انتقلت من الانتخابات الأحادية وبنعم أو لا إلى التعددية؛ حيث تقدمت إلى الانتخاب أكثر من ٢٧ قائمة ما بين حزبية وحرة، ولا تزال التجربة تتطلب جهودًا مضنية للتأسيس لبناء ديمقراطي من شأنه أن يلعب دورًا أساسيًّا في تصدير إيجابيات هذه التجربة إلى البلاد العربية التي تعرف تجارب مماثلة رغم وجود تحديات التزوير ومصادرة الاختيار الشعبي.
عدد المقاعد | النسبة المئوية | الأصوات | الترتيب |
199 | 35.52 | 2632705 | جبهة التحرير الوطني- الحزب الحاكم -1- |
48 | 8.5 | 360241 | التجمع الوطني الديمقراطي- الحزب الحاكم -2- |
43 | 10.28 | 476884 | حركة الإصلاح الوطني |
38 | 7.74 | 573801 | حركة مجتمع السلم |
29 | 10.65 | 789495 | الأحرار- المستقلون- |
21 | 4.8 | 355405 | حزب العمال |
8 | 3.16 | 234530 | الجبهة الوطنية الجزائرية |
1 | 3.58 | 265495 | حركة النهضة |
1 | 2.19 | 162308 | حزب التجديد الجزائري |
1 | 1.89 | 139919 | حركة الوفاق الوطني |
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل