العنوان انتخابات البوسنة: تحالف ضد حزب بيجوفيتش
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
مشاهدات 76
نشر في العدد 1427
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
بعد حملة انتخابية مستعرة أجريت الانتخابات العامة في البوسنة والهرسك يوم 11 نوفمبر الجاري، وتنافس فيها ٤٤ حزبًا سياسيًا وغاب عنها أكثر من عشرين حزبًا صغيرًا انضموا إلى الأحزاب الكبيرة للحصول على حصة ولو بسيطة من كعكة البرلمان وبرلمانات الأقاليم، وقد شارك مليونان ونصف المليون ناخب في الإدلاء بأصواتهم تحت إشراف ٧٥٠ خبيرًا دوليًا و ۱۳۰ مراقبًا من خارج البوسنة و ۷۰۰۰ منداخلها، وكان عدد المرشحين ٦٠٠٠ مرشح.
النتائج النهائية للانتخابات لن تكتمل قبل انتهاء الإحصاء يوم ۱۷ نوفمبر (بعد إعداد المجتمع للطبع) وخلال ذلك تبقى التكهنات مبينة على ما يظهر من نتائج في بعض المناطق.
وقد شهدت الانتخابات تنافسًا محمومًا بين الأحزاب السياسية المختلفة، وسبقتها حملة معادية لحزب العمل الديمقراطي الذي يتزعمه الرئيس السابق علي عزت بيجوفيتش، من قبل السلطات الدولية التي حثت الناخبين على عدم التصويت له بطريقة مباشرة، وهي «انتخبوا من أجل تغيير الحكومة» و«ابحثوا عن مستقبل أوروبي» كما شن المفوض الدولي بالبوسنة والهرسك فولفغانغ بيتريتش حملة ضد الحزب منتقدًا ما أسماه الفشل في تحقيق رغبات المواطنين، وقد تزامن ذلك مع تهجمات أحزاب المعارضة الأخرى التي مثلت تناغماً كبيراً مع ادعاءات المفوض الدولي ورئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي زلادكو لوكومجيا فما يقوله أحدهما اليوم كان يردده الآخر في الغد. ودخلت جميع الأحزاب في حرب ضد حزب العمل ما عدا حزب من أجل البوسنة، الذي يقوده حارث سيلا جيتش فقد اكتفى بطرح آرائه وبرنامجه دون أن يتعرض لتجريح حزب العمل، حتى إن بعض الأحزاب وخاصة الحزب الاشتراكي «الشيوعي سابقًا» عده الوجه الآخر لحزب العمل، كما انتقد كل من الكروات والصرب حزب العمل لأنه أكبر حجر عثرة إن لم يكن حجر العثرة الوحيد الذي وقف دون تحقيق أهدافهم في البوسنة والهرسك سواء كانت الهادفة لتقسيم البوسنة أو الانفصال عنها.
تبدو هذه الحملة مستغربة بالنظر إلى أن حقق حزب العمل خلال قيادته عدة إنجازات تحاول الجهات الدولية وبعض أحزاب المعارضة النيل منها، إذ ارتفع الإنتاج بنسبة ٢١٪ سنويًا من عام ١٩٩٦م وحتى ۲۰۰۰م. كما وفر فرص عمل لـ ۲۰۹ آلاف عامل وموظف منهم ١٣٥ ألفاً ممن كانوا في جبهات القتال خلال الحرب وارتفع متوسط الأجر من ۱۷۱ ماركًا عام ١٩٩٦م إلى ٤٠٨ سنة ٢٠٠٠م وتعد تلك الرواتب أكبر بكثير مما هو في بلدان أخرى مثل سلوفينيا وليتوانيا ورومانيا، ومقدونيا والمجر وغيرها من البلدان التي لم تشهد العدوان الذي تعرضت له البوسنة والهرسك وازدادت نسبة التصدير من ٩٢٪ خلال الفترة نفسها.
وارتفعت رواتب التقاعد من ١١.٤ مارك سنة ١٩٩٦م إلى ۱۸۰ ماركاً سنة ٢٠٠٠م.
لكن يمكن تفسير تلك الحملة بأنها رد على موقف الحزب الذي أكده علي عزت بقوله إن الكروات لن يحصلوا أبدًا عن كيان خاص بهمداخل البوسنة والهرسك، كما أن الصرب لن يحققوا الاستقلال عن البوسنة وقال إننا نسعى لدولة طبيعية مثل بقية الدول المتحضرة تحترم فيها الديمقراطية وحقوق الإنسان، وناشد الناخبين ألا يصرفهم الوضع الاقتصادي المتردي عن نسيان ما حصل لهم، فأعداء البوسنة عندما لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم عبر الحزب الديمقراطي الصربي والتجمع الكرواتي الديمقراطي يحاولون أن يصلوا إلى تحقيق أهدافهم عن طريق الحزب الاشتراكي الديمقراطي وأمه الصربية، في إشارة إلى زلادكو لوكومجيا رئيس الحزب وهو من أم صربية، وفي رسالته للرأي العام اشتكى علي عزت من غمط وسائل الإعلام لحزب العمل الديمقراطي.
تنافس بوشناقي:
الصراع السياسي، لم يحتدم إلا في مناطق البوشناق، ويمثلها أربعة أحزاب رئيسية هي حزب العمل الديمقراطي، الذي يترأسه الزعيم علي عزت وحزب من أجل البوسنة الذي يترأسه حارث سيلاجيتش، والحزب الاشتراكي الذي يقوده زلادكو لوكومجيا، والحزب الليبرالي برئاسة راسم كاديتش، حيث بلغ الصراع أشده في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الانتخابات، وكما يبدو فإن الهجوم على حزب العمل من قبل «الاشتراكي» و«الليبرالي» هدف في حد ذاته، رغم أن الأخير كان حليفًا «للعمل» في الانتخابات العامة التي جرت عام ۱۹۹۷م وفاز فيها العمل فوزًا ساحقًا، لكن القراءات السياسية التي تفيد بأن «العمل» سيفقد مركزه الريادي في الحكم، جعلت الليبرالي يتحول إلى خصم يحذر الناخبين من التصويت للعمل بحجة أن كل صوت يعطونه لحزب العمل هو لصالح التجمع الكرواتي دون أن يفسر مبرر الربط بين الطرفين، أما الحزب الديمقراطي الاشتراكي فإن برنامجه السياسي بني على إبعاد حزب العمل من الحكم، من خلال التركيز على ما يراه إخفاقات وحتى فساد من وجهة نظره، ولم يعلن الحزب موقفه صراحة من التحديات الصربية والكرواتية كما أن التضارب واضح في تصريحات قادة الحزب الاشتراكي، فبينما يدعي لوكومجيا أن برنامج حزبه يركز على الفرد وليس على الجماعة العرقية وأنه مع بوسنة واحدة، إلا أن القادة الصرب في داخل الحزب يبدون ميلًا عنصريًا ويرفضون توحيد البوسنة.
أما حارث سيلاجيتش فقد كان في حملة الانتخابات أقرب إلى حزب العمل بعد فشل تحالفه مع كريشمير زوباك رئيس حزب الانطلاقة الكرواتية الجديدة، وذلك من خلال دعوته لبوسنة موحدة ذات حكومة مركزية قوية وجيش موحد.
الأحزاب الصربية:
نجحت الأحزاب القومية الصربية وخاصة الحزب القومي الصربي SDS في زرع المخاوف لدى قطاع كبير من الصرب من أنهم في خطر وأن وجودهم في دولة بوسنية موحدة يعرضهم للفناء الثقافي والسياسي، بعد نجاحهم في الحصول على كيان خاص بهم في البوسنة والهرسك، في اتفاقية دايتون التي وقعت في ٢١/١١/١٩٩٥م والتي سمحت لهم «لاعتبارات لم تعد قائمة الآن» بالاحتفاظ بجيش خاص بهم، وعندما سئل عضو مجلس الرئاسة البوسني جيفكو رادجيتش وهو صربي من الحزب الديمقراطي الصربي عن رأيه في دولة دون كيانات أجاب: «لا يمكن أن تكون هناك بوسنة بدون كيانات إذا أزيلت الكيانات معناها زوال البوسنة» كما هدد الصرب بإعلان الاستقلال عن البوسنة إذا ما تم تجاوز اتفاقية دايتون لهذه الأسباب هددت السلطة الدولية في البوسنة والهرسك بقطع المساعدات عن الصرب في حالة فوز الحزب الديمقراطي الصربي وذهب ريتشارد هولبروك سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ومهندس اتفاقية دايتون إلى حد المطالبة بحل الحزب الديمقراطي الصربي ومنعه من النشاط السياسي.
ولخلط الأوراق دعا حزب التجمع الديمقراطي الكرواتي HDZ إلى إجراء استفتاء في اليوم نفسه الذي أجريت فيه الانتخابات العامة، وكان لذلك ردود أفعال كثيرة منها من اعتبر دعوة التجمع الديمقراطي الكرواتي مجرد مزايدة انتخابية القصد منها حشد التأييد الشعبي الكرواتي، والذي يتمنى أن يكون يومًا ما جزءًا من كرواتيا، وبالتالي ضمان صوته لصالح الحزب، بينما رأى آخرون أن الكروات ما فتئوا يطالبون بكيان ثالث لصالحهم مثل الصرب.