الثلاثاء 11-يوليو-1989
كيف يتم تفسير صعود نجم «لوبان» زعيم اليمين الفرنسي المتطرف؟
الدوائر السياسية والاجتماعية تعيد
حساباتها في أوربا.
ماذا يعني بروز اليمين المتطرف في البرلمان
الأوروبي؟
هل هي حقبة جديدة للعنصرية؟
أوروبا الكبرى.. و«حلم» القوة الثالثة..
ربما هو الذي دفع أحزاب دولها ليخوضوا انتخابات «متميزة» لبرلمانها العام الجديد..
والذي سيعقد أول جلساته في الخامس والعشرين من شهر يوليو المقبل في ستراسبورغ
بفرنسا.. محتلًا 518 مقعدًا هم عدد النواب «الأوروبين».. أما «متميزة».. فنعم.
الملامح:
1- حيث ستشكل الانتخابات بطريقة الاقتراع العام الذي تم.
البرلمان الثالث الذي يجري انتخابه فعليا
بهذه الطريقة.. بعد أن يقوم البرلمان الخاص بكل دولة من الدولة الأعضاء بتعيين
نوابه في البرلمان العام.
2- وفي خلال دورة هذا البرلمان ومع نهاية عام 1992 سيتم تطبيق صيغة السوق
الواحدة نهائيًا.
3- كما أنها أول انتخابات تجري بعد أن تم توسيع المجموعة الأوروبية لتشمل
البرتغال وإسبانيا.. إضافة إلى دولها العشر الذين تتابعوا في الانضمام لها. اثنتا
عشرة دولة إذن.. تختلف لديها «قوة الحلم».. و«أوروبية» الانتماء.. و«عامل»
الانضمام لهذا الكيان الدولي.. بل تختلف عوامل اللغة والتاريخ والجغرافيا.. وتحمل
على كاهلها تاريخًا مريرًا من الصراعات فيما بينها.. وتختلف.. وتختلف.. ولا يجمع
بينها سوى نظرتها المستقبلية لمصالحها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي
ترجمتها بصورة عملية في مشروع وحدتها والذي سيتألق مع نهاية عام 1922.
على كل حال فقد انتهت أوروبا أو كادت من
زوبعة انتخابات برلمانها الجديد ليخرج أي مراقب لها بملاحظات عدة.
نتائج
أولًا: إن نتائج الانتخابات إنما كانت تمثل
احتجاجًا عنيفًا ضد الحكومات أو الأحزاب المهيمنة في سبع دول من الدول الأعضاء في
الجماعة الأوربية الاثنتي عشرة.. إذ أن الأحزاب الحاكمة على المستويات القومية
تعرضت لنكسات قوية في كل من بريطانيا وألمانيا الغربية وإيطاليا وفرنسا وإيرلندا
واليونان والدنمارك والبرتغال.
ثانيًا: انخفاض نسبة الذين أدلوا بأصواتهم
عن المرة السابقة التي بلغت حوالي 60% في حين كانت النسبة هذه المرة 56%.. ففي
بريطانيا لم تقترع سوى 32% ممن يحق لهم التصويت.. وفي فرنسا 49.5%.. والنسب
العالية في التصويت سجلت في البلاد التي ينص القانون فيها على إلزامية الاقتراح..
أو ترافق انتخابات البرلمان الأوروبي مع اقتراع عام على المستوى الوطني مثلما حدث
في اليونان وإيرلندا.
ثالثًا: هذه الهزيمة الكبرى التي مني بها
حزب المحافظين البريطاني والتي سجلت على أنها هزيمة للسيدة مارجريت تاتشر وسياستها
العدائية لتوحيد أوروبا وتذويب الهويات السياسية الوطنية في هذا الكيان الأوروبي
الواحد.
رابعًا: حصول الأحزاب الاشتراكية على 181
مقعدًا بزيادة خمسة عشر مقعدًا عن البرلمان السابق.. كما أن الخضر أو تحالف
الأحزاب المنادية بحماية البيئة من تسع دول ضاعف من مقاعده من عشرين مقعدًا إلى
39.. كما أن الواقع يشير إلى أن الخضر كانوا سيبلون بلاء أفضل لولا نظام التصويت
في بريطانيا الذي لا يتبع مبدأ التمثيل النسبي.. فالبرغم من فوز الخضر هناك بنسبة
15% من الأصوات إلا أنهم لم يفوزون بمقعد واحد في البرلمان الأوروبي.
على كل حال فقد جعلت نتائج الانتخابات
البرلمان الجديد موزعًا- بالتقريب- بالتساوي بين اليمين واليسار.. حيث فاز
الاشتراكيون والشيوعيون بـ 221 مقعدًا. في حين فاز المسيحيون الديمقراطيون
والليبرالون والمحافظون على 223 مقعدًا. ومن ثم فإن كليهما لا يقدر أن يحقق
الأكثرية المطلقة إلا بالتحالف أما مع الخضر أو مع اليمين المتطرف.. وإن كان البعض
يشير إلى إمكانية تحالف الاشتراكيين والخضر.. ليركز البرلمان الجديد على القضايا
البيئية والاجتماعية وزيادة العناية بالبيئة وصيانتها والمزيد من الحقوق للعمال
والفئات الاجتماعية الأخرى مما يعني. في فهم مارجريت تاتشر- «إعادة الاشتراكية إلى
المسرح» أو «إقامة دولة اشتراكية عليا».
خامسًا: انتزاع اليمين المتطرف لاثنين
وعشرين مقعدًا بزيادة ثمانية مقاعد.. مقسمة كالآتي.. أربعة مقاعد لإيطاليا ومقعد
لبريطانيا ومقعد لبلجيكا وعشرة مقاعد لفرنسا وستة لألمانيا الغربية.
إعادة الحسابات:
هذه القفزة في حق «أقصى اليمين» أو «اليمين
المتطرف» أثارت الجميع وباتت الدوائر السياسية والاجتماعية تعيد حساباتها
وأوراقها.. فهذه هي المرة الأولى التي يصل فيها المتطرفون اليمينيون إلى البرلمان
الأوروبي ومن ثم فإنه سوف يصبح جزءًا لا يتجزأ من السياسات الداخلية لكل الدول
الأوروبية التي حقق فيها تواجدًا فعالًا.. والغريب أن هذا اليمين المتطرف حقق أكبر
انتصاراته في فرنسا وألمانيا الغربية اللتان تعدان من أكثر الدول الأوروبية حماسة
إلى الدمج الكامل لدول أوروبا في كيانها الجديد.. في حين أن هذا «اليمين» يعارض بشدة
كل الأهداف التي قامت على أساسها هذه السوق الأوروبية أو التي تسعى إلى تحقيقها..
إنه مع القوميات.. والحدود والاستقلالية القوية.. وحد أدنى من التعاون مع الدول
الأوروبية الأخرى.
«واليمين المتطرف».. سواء في فرنسا أو ألمانيا.. أو غيرها من بلاد
أوروبا يحمل أفكارًا نازية وشعارات عنصرية واضحة... وتجمع بينه أطروحاته العامة
التي ذكر منها الباحث الفرنسي برنار هنري.
1- تقديس القيم الوطنية وباعتبارها القيم الأعلى في النظام السياسي..
وذلك عبر تقوية الوحدة والتفاهم في الداخل.. وإثبات القوة والنفوذ بالنسبة للخارج.
2- اعتبار المجتمع المتعدد الأجناس والأعراق مجتمعًا غير قابل للتقدم
والرقي باعتباره مجتمعًا بدون جذور.
3- تمجيد المجتمع الصافي اللا تعددي حيث يمكن بسهولة معرفة الهوية
والدفاع عن روحها الصافية.
مواراة السوأة:
على الجانب الآخر حاول البعض أن يواري سوأة
أوروبا هذه.. وأن يضع فاصلًا بين الحقبة العنصرية في الثلاثينيات «الفاشية
والنازية»..
والحقبة العنصرية الوليدة بأنها نتاج عوامل
اقتصادية وأزمات مالية.. فإذا صح تفسيرهم في عنصرية بريطانيا ضد الباكستانيين
والهنود والسود بأنها رد فعل تلقائي لارتفاع نسبة البطالة في سوق العمالة
البريطاني.. فأي تفسير يصح في وصف العنصرية الألمانية ضد الأتراك والعرب في وقت
تتمتع فيها ألمانيا الغربية بأعلى معدلات النمو الاقتصادي في أوروبا الغربية؟
وكيف يمكن تفسير صعود نجم «لوبان» زعيم
الجبهة الوطنية الممثلة لأقصى اليمين في فرنسا؟ وكيف يمكن تصنيف تصريح وزير
الداخلية البلجيكي منذ فترة بإن الدعوة لطرد الغرباء ليست فقط لإعادة توزيع سوق
العمل وحل مشكلة البطالة لدى العمال في بلجيكا..
بل لأنه يجد في التجمعات الإسلامية
والعربية والتركية خطرًا على قيم المجتمع الغربي «الحضارية».. وتركيباته الدينية..
إن الواقع الذي يشهد بامتلاء الساحة الأوروبية السياسية والفكرية بالعديد من
الاتجاهات والتنظيمات العنصرية المتطرفة التي مازالت تصر على نقاء العنصر الأبيض..
وعلى الاعتقاد بإن «العرق» هو العامل الفعال في تقرير السمات والمواهب البشرية..
هذا الواقع يشهد أيضًا بإن هذه العنصرية ما هي إلا نتاج شعور أوروبا بهيمنة النظام
الأمريكي من جهة.. والقوة الاشتراكية «السوفياتية» من جهة أخرى.. وهذه الصحوة
الإسلامية الصاعدة.. التي تدق أبواب العالم بشدة.
هذا العالم الذي ما زالت عنصرية أوروبا في
الثلاثينيات تملأ مخيلته وذكرياته فهل تريد أوروبا لهذه العنصرية أن تجرح قلب
«العالم».. من جديد؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل