العنوان انتبه.. قبل أن تتزوج امرأتك عملها
الكاتب نور الهدي سعد
تاريخ النشر السبت 04-أكتوبر-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1571
نشر في الصفحة 61
السبت 04-أكتوبر-2003
خدمة مركز الإعلام العربي- القاهرة
«لم يشعرني زوجي يومًا بأنني أعمل ولي راتب جيد ومن ثم علي أن أنفق على نفسي، لقد لبى كل احتياجاتي الشخصية وكان يستشعرها قبل أن أصرح بها، وعندما كان حيائي يمنعني أحيانًا من طلب شيء أحتاجه كان زوجي -يرحمه الله- يلومني، ويقول لي إنه لن يقبل أن أنفق شيئًا على نفسي مهما كان دخلي كبيرًا؛ لأن هذا دوره وواجبه، ولذلك عندما توفاه الله وجدت نفسي أنفق من معاشه على احتياجاتي، وأنفق ما يتبقى من هذا المعاش، فضلًا عن راتبي على أبنائي الثلاثة، وذلك حتى أظل مستمتعة بروعة أن ينفق زوجي علي حيًا وميتًا».
هذا ما قالته سيدة في مداخلة هاتفية على برنامج تلفازي استضاف كاتبة شابة، وابنة إحدى رموز مدعي التحرر العلماني، وكان حديثها كله منصبًا على أهمية الاستقلال الاقتصادي للمرأة وخطورة تبعيتها للرجل اقتصاديًا، باعتبار تلك التبعية مدخلًا لقهرها، وإذلالها والاستعلاء عليها.
كان كلام الكاتبة مستفزًا حتى المقدم البرنامج الذي لم يستطع الاحتفاظ بحياده، وأظهر استنكاره لفكرتها، وجاءت عدة مداخلات من سيدات وشابات أجمعن على سفه الفكرة، وعضدن وجهة نظر مقدم البرنامج، ولكنهن لم يفلحن في هز قناعة هذه الكاتبة بما تقول.
ورغم أن مداخلات مشاهدات البرنامج أثلجت صدري، وأشعرتني بأن بيوتنا مازالت بخير، ولم ينخر فيها سوس دعاوى التحرر الأنثوي، فقد ظللت أسائل نفسي ما الذي حمل هذه الكاتبة على تشبثها الواضح بفكرتها، وهل ظلت متمسكة بموقفها طوال البرنامج من باب الاقتناع بها أم العناد، وخشية الظهور بمظهر المهزومة فكريًا؟ انزوى السؤال في عقلي حتى استدعته هموم بعض نساء التقيتهن في مناسبة عامة، أثيرت فيها فكرة العلاقة الاقتصادية بين الزوجين، فوجدتهن جميعًا يجارن بشكوى واحدة: «زوجي لا ينفق علي لأنني أعمل واتكسب، وهذا يشعرني بالمهانة ويقلل رصيده عندي، إذ أحس بأنه يستغلني بشكل أو بآخر».
وقالت إحداهن: «عندما أسررت لزوجي بحاجتي إلى الإحساس بأن ثمة من يعولني وبأنني مستعدة لإنفاق كل راتبي في البيت، وعلى الأبناء، على أن ينفق هو علي رفض ذلك، فقلت له: إنني أحتاج لأن أشعر بأنه وحده مصدر الأمان المادي بالنسبة لي، لكنه رد بلا مبالاة أمان مادي؟ وماذا ستفعلين إذن براتبك؟ أمانك يا عزيزتي هو عملك، ثم معاشك الذي أتوقع أن يكون كبيرًا بعد تقاعدك إن شاء الله».
وأردفت بابتسامة واهنة مقهورة منذ ذلك اليوم لم أفاتح زوجي في الموضوع مرة أخرى وابتلعت صدمتي.
شجع كلامها أخرى فقالت: أما زوجي فقد قال لي: لست بالأبله لكي أنفق عليك وأنت تعملين، ولكن حين تتفرغين للبيت سأكون مسؤولًا عنك ماديًا من الألف إلى الياء سألتها: قد تكونين مقصرة في بيتك، وموقف زوجك رد على هذا التقصير؟ فأقسمت بأنها تفعل كل ما في وسعها للتوفيق بين بيتها وعملها، وأن زوجها لم يشك أبدًا من التقصير تصريحًا أو تلميحًا، وأنهما متفقان على أن تستمر في عملها، ولم يختلفا يومًا على ذلك.
هنا علقت ثالثة قائلة: زوجي يردد دائمًا أن
عملي دعوة ويقول لي إن التدريس رسالة، ولولا ذلك لما تركتك تعملين، فهدف عملك ليس ماديًا إطلاقًا، ومع ذلك فأنا محرومة من حق مطالبة زوجي بما أحتاجه، بدعوى أنني أعمل ولي دخلي الخاص.
وأضافت: لقد قلت لزوجي مرة: ائتني بسند شرعي لحرمان الزوجة التي تعمل من حق النفقة الشخصية حتى تهدأ نفسي ولا أشعر بالظلم، فلم يرد علي، بل رفع صوت المذياع وفتح الصحيفة وبدأ يقرأ بصوت عال، فشعرت بالحرج الشديد وتركت الغرفة ودموعي محبوسة في حلقي.
كانت الزوجات تتحدثن إلى بصفتي المهنية ولم تمانع واحدة منهن في نشر كلامها، وقالت إحداهن: انشري لعل الرجال يشعرون بمعاناتنا ويرحموننا.
واستجبت وكتبت لأسأل رجالنا: بأي منطق تفرطون في قوامة الإنفاق وتتنازلون عنها لزوجاتكم؟ وكيف تتحملون شعور زوجاتكم بالمرارة نحوكم لأنكم حرمتموهن مشاعر رائعة كفلها الله لهن، واستكثرتموها أنتم عليهن؟
ولأسأل دعاتنا أين موقف هؤلاء الرجال في خطبكم وكتبكم، وماذا يمكن أن تقولوا لهم ليعتدل الميزان ويعتز الرجل بدوره الإنفاقي، ولا يتنصل منه تحت أي ظروف وبأي مبررات، وهل نلوم زوجات هؤلاء إن انخدعن بمقولات تحرير المرأة؟
لقد رفضت صحابية جليلة أن تعطي من مالها زوجها الفقير حتى تستفتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودلالات هذا الموقف رائعة، فقد استقر في وعي نساء الدولة الإسلامية الأولى أن الإنفاق يعني الرجل، وتجذرت هذه القاعدة الشرعية، فأبت إحداهن أن تغير القاعدة قبل استئذان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأذن لها وقال: صدقة وصلة.
صدقة لا فريضة، صلة لا تقطيعًا لأواصر العلاقات الزوجية بشعور المرأة بالظلم، واستمراء الرجل الوضع مقلوب.
إن المرأة تعطي ماديًا لبيتها وزوجها بحب حين تشعر بأن ما تفعله يرفع رصيدها عند هذا الحبيب، وأنه يقدر صنيعها، أما حين تستشعر جحوده وإنكاره، وعفوًا تنطعه، فإنها تختزن له رصيدًا بشعًا من الضغينة وعدم الثقة يظل ينمو حتى يصير عملاقًا مخيفًا يحجب كل فرص السعادة والوفاق.
وبلسان كل النساء أقسم بأن منتهى سعادة المرأة أن تتبع زوجها اقتصاديًا، وأن تعيش في كنفه ماديًا، وأن تستظل به منفقًا قوامًا، فخالقنا أعلم بما يرضينا، ولم يشرع للرجل قوامته إلا لأنها ضمان لاستقرار الأسرة، وتنامي الحب بين طرفيها.
أما الذين يتخلون طواعية عن قوامتهم الإنفاقية ويضعون ساقًا على ساق سعداء آمرين ناهين فحسبهم ألا تشعر نساؤهم بالأمان المادي في صحبتهم، حسبهم أن يفسحوا بكامل إرادتهم لعمل زوجاتهم ليشغل العمل مكانتهم في الطريق حياتهن حسبهم أن تشعر الزوجات بانتمائهن لعملهن أكثر من انتمائهن لأزواجهن، حسبهم أن يكون العمل بالنسبة لنسائهن زوجًا.