العنوان امسح دموعك يا فقي..!
الكاتب جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1679
نشر في الصفحة 26
السبت 03-ديسمبر-2005
لقد نجحت في غرس كراهية الناس لك ليس في دمنهور والبحيرة فقط.. بل المصريين جميعًا
كيف تستسيغ أن تتربع على مقعد ليس لك وأن تحل في مجلس اقتحمته اقتحامًا بعد أكبر عملية نهب انتخابية في التاريخه
إنها عبارة دخلت التاريخ من أظلم أبوابه، وأسمجها، وأضلها، إنها عبارة «امسحي دموعك يا آمال»، والعبارة سجلتها، وألحت عليها، ونشرتها على أوسع نطاق صحف المعارضة، ومواقع الإنترنت. ويقال: إن هذه العبارة وجهت بعطف، وتعاطف، وحنان ممزوج بإشفاق إلى السيدة الفضلى المبجلة جدًّا.
الدكتورة آمال عثمان -وهي تنخرط في بكاء مر أليم- لسقوطها الفادح في انتخابات مجلس الشعب عن دائرة الدقي، وأعلن رسميًّا نجاح الأستاذ حازم صلاح أبو إسماعيل، بفارق هائل من الأصوات. وهنا فزعت المحترمة جدًّا -والدموع تنساب من عينيها ساخنة دفاقة- فزعت إلى الرؤوس الكبيرة جدًّا جدًّا، واستعاذت ولاذت بها. واستنصرتها على الرجل الناجح، فجاءتها النجدة الإسعافية بالهاتف بصوت منغوم حنون: «امسحي دموعك يا آمال».
وفي لحظات قلبت النتيجة رأسًا على عقب ومسحت المحترمة دموعها، ومسحت معها قائمة من القيم النبيلة، وأصبحت المهزومة مهيضة الجناح، فائزة بمقعد مجلس الشعب. وأخذت العبارة بعد ذلك بُعدًا واسعًا فقد توجهت إلى رجل لا امرأة، كما أخذت بُعداً معنويًّا يرمز إلى قلب الحقيقة وتحوّل المهزوم الساقط -بالأمر الفوقي السامي- إلى فارس منتصر فائز لا يشق له غبار. وقد لا تكون هناك دموع حقيقية، إنما هي غصة مؤلمة في نفس «المحروس تربية الحِجْر» -بكسر وسكون- فيأتيه المدد الفوقي من الرأس الكبيرة «امسح دموعك يا فلان»، وبهذه الدلالة المعنوية نتحدث إلى المفكر الأمين المؤتمن جدًّا، مصطفى الفقي بعد أن أصبح بالأمر، عضوًا لمجلس الشعب عن دائرة دمنهور وزاوية غزال بالبحيرة. امسح دموعك يا فقي.
وإنصافًا لك يا فقي أقول: إذا كان الناجحون، عن جدارة واستحقاق، قد حققوا نتيجة واحدة، وهي الانتصار على المنافس أو المنافسين الآخرين، فقد استطعت أنت بانتصارك الزائف أن تحقق بضعة نجاحات، لا نجاحًا واحدًا:
فقد نجحت نجاحًا باهرًا في غرس كراهية الناس لك في قلوب أبناء دمنهور بل البحيرة، بل المصريين جميعًا. ونجحت نجاحاً باهرًا في تعميق كراهية شعبنا ونقمته على النظام، وما يسمى «الحزب الوطني الديمقراطي».
وقد نجحت نجاحاً باهرًا في أن تكون ثاني اثنين إذ تقاسمت مع آمال عثمان العبارة الحلوة الحنون «امسحي دموعك يا آمال» (تنبيه: هذه العبارة بجرسها الموسيقى تنتصر للفن: لأنها تصلح أن تكون عنوانًا لأفلام ومسرحيات، مع تغيير اسم المنادى طبعًا، مثل: «امسحي دموعك يا ستوته» أو «امسح دموعك يا حنفي» أو «يا توتو» أو «يا بو رجل مسلوخة).
ونجحت، يا فقي، إلى حد التفوق في القدرة على الالتهام؛ فأنت الوحيد، ربما في تاريخ مصر كلها، الذي اتسعت معدته النيابية وتمكنت من التهام هذا العدد الضخم من أصوات منافسك الدكتور جمال حشمت (تنبيه: حصل الدكتور حشمت على قرابة 35 ألف صوت، وحصل الفقي على ستة آلاف صوت، وبذلك يكون قد التهم 29 ألف صوت، وهضمها في هدوء يحسد عليه).
ونجحت، يا فقي، نجاحًا باهرًا إذ رأيناك تملك الشجاعة العنترية في الإقدام على الانتحار. نعم يا مصطفى، يا فقي، بيدك لا بيد عمرو. انتحرت سياسيًّا وفكريًّا، مهما ولوك من مناصب واحتللت من مراكز، ورضي عنك الكبار جدًّا؛ فالمرجعية والتقييم والحكم عليك ليس لهؤلاء، ولكنه للشعب، الذي رفضك، وأصبحت في نظره الحي الميت. وأنا على يقين أنك لو رشحت نفسك مرة أخرى، فلن تحصد من الأصوات المشروعة إلا مئات تعد على أصابع اليدين والرجلين.
ونجحت، يا فقي، نجاحًا باهرًا، وبدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، في أنك تركت أهل دمنهور في مأتم.. مأتم حقيقي.. والله -يا فقي- مأتم يعيشه الرجال والنساء والأطفال، وكل منهم ينظر إلى الآخر في صمت مذهول موجوع، ولسان حالهم يتساءل: أصحيح ما حدث أم هو كابوس منام ثقيل دميم؟
وأخيراً تفوقت، يا فقي، مع انتحارك السياسي إذ تمكنت أنت وآمال عثمان من دق أطول وأغلظ مسمارين في نعش الحزب المسمى «الوطني الديمقراطي»، وبذلك ساهمتما بجدارة في التعجيل بنحر هذا المخلوق السياسي الممسوخ.
أليس من حقي أن أكرر ما سجلته في أول مقالي من أنك حققت -يا فقي- من «النجاحات» ما لم يحققه أحد، وبذلك دخلت التاريخ من بوابة أنت تعرف مواصفاتها.
اصنع ما شئت
وكنت أعتقد أنك ستداري وجهك، وتلتزم الصمت، ولكنك تقول في الأهرام 22/11/2005م: «لقد خضت معركة على جبهة عريضة قاومت فيها استخدام الدين من جانب واستخدام المال من جانب آخر، ولكني تحركت كمرشح يبدأ من الحارات والأزقة والقرى الفقيرة، ولم أترك منطقة في أنحاء الدائرة الواسعة إلا وتجولت فيها. وتعاملت مع الناس من كل الفئات والطبقات بصدق وشفافية حتى ارتبطت بمجموعات كثيرة من أبناء هذه الدائرة المعروفة بخصامها التقليدي للسلطة، فكان لا بد من بناء جسور الثقة والقضاء على أزمة الشك، ولقد قطعت في ذلك شوطًا طويلًا، وتمكنت من الحصول في واحدة من أشرس الدوائر على الإطلاق، وسأفي بكل وعودي لأبناء الدائرة الذين منحوني ثقتهم الغالية ...».
ويختم السيد الفقي حديثه بقوله: «إنه كان من الطبيعي أن يعقب الانتخاب ضجة من الجانب الخاسر (يقصد الدكتور حشمت) وذلك من أجل إثبات الوجود وتسجيل المواقف».
عجبًا يا سيد مصطفى يا فقي، كل هذا المجهود الجبار وتكون حصيلتك ستة آلاف صوت؟؟! ولا تعليق لي بعد ترحمي على أبو لمعة، إلا أن أقول: «الحياء شعبة من الإيمان، وإذا لم تستح فاصنع وقل ما شئت».
وما زلت -يا فقي- تواصل منظومة الكذب، وتزعم أن الإخوان أصحاب ألاعيب وأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة، وأن حشمت قدم رِشا انتخابية لشراء الأصوات أبرزها توزيع أجهزة الموبايل حتى أصبحت النكتة السائدة -كما تزعم- «الموبايل هو الحل» (برنامج البيت بيتك مساء الأربعاء 22-11-2005م).
وإليك الحقيقة، وأنت تعرفها!!! ونأخذها من لسان الرجل الصادق الأمين الدكتور جمال حشمت الذي روى لموقع إسلام أون لاين ملابسات تغير النتيجة، فأوضح قائلًا: «بعد انتهاء فرز كافة الصناديق وثبوت تقدمي بفارق شاسع، طلبت من القاضي أحمد السيد نصار أن يعلن النتيجة، فطلب مني أن أنتظر ثم بدأ يجري عددًا من الاتصالات الهاتفية مع أطراف مجهولة». وأضاف: «بعد مضي فترة من الوقت حاولت مقابلة القاضي مرة أخرى لكي أطلب منه إعلان النتيجة فمنعني مدير الأمن، ثم طلب القاضي مقابلتي ليبلغني بخسارتي ونجاح مرشح الوطني، وعندما طلبت من القاضي تقديم تفسير لذلك، أجابني وهو منكس الرأس ليس لدي ما أقوله لك سوى أنك خسرت».
وروى حشمت أنه بعدما علم أنصاره الذين تجمهروا بالآلاف أمام لجنة فرز الأصوات، انتابتهم حالة احتقان وإحباط جعلت الكثيرين منهم ينخرطون في حالة بكاء شديد وصراخ، فبدأت أهدئ من روعهم وأطلب منهم الانصراف. وشدد حشمت أنه قام في الوقت نفسه بتحذير مدير الأمن من عدم مسؤوليته عن أي ردود في الناس البسطاء الذين تضاعفت لديهم حالة الكراهية للنظام.
وقد تعترض - يا فقي - بأن شهادة حشمت ليست حجة لأنه أحد طرفي النزاع. فما رأيك يا مصطفى يا فقي في شهادة المستشارة الدكتورة نهى الزيني نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، التي حضرت عمليات الفرز، وفضحت ما وقع من تزوير صارخ؟ (نشرت صحيفة المصري اليوم شهادتها مفصلة يوم الخميس 24-11-2005م وأعادت نشرها يوم الجمعة). وما رأيك - يا فقي - في تأييد 137 قاضيًا أشرفوا على انتخابات دمنهور لشهادة الدكتورة نهى؟ وما رأيك -يا فقي- في تقرير القضاة بالنتائج الحقيقية لدائرة بندر دمنهور وحصولك على 8606 أصوات، وحصول حشمت على 24611 صوتًا في 137 لجنة من 160؟ وحتى لو كانت بقية الصناديق في صالحك لخرجت من المعركة خاسرًا، علمًا بأن صورة كشوف نتائج الفرز نشرت مصورة في المصري اليوم بتاريخ 25-11-2005م.
ثم نقول للمفكر المبجل السيد الفقي: لماذا الإسراف؟ ولماذا الكذب على الله والشعب؟ يا ليتك قرأت واستوعبت قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (غافر: 28). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: 144).
وأخيرًا ... يا فقي
أوجه إليك بعض الأسئلة التي تهيمن على عقلي وعاطفتي ووجداني، وأعتقد أنها في نفس كل مواطن في دمنهور ... وفي البحيرة... وفي مصر كلها...
كيف تستسيغ -يا فقي- أن تتربع على مقعد ليس لك، وأنت تحل في مجلس اقتحمته اقتحامًا، أو أقحموك فيه إقحامًا بعد أكبر عملية نهب انتخابية في التاريخ؟
كيف تسمح لنفسك -يا فقي- أن تتكلم في مقام ليس مقامك، ومجال ليس مجالك؟
وكيف تستبيح لنفسك -يا فقي- أن تتحدث باسم ألوف لم يختاروك، ولم يوكلوك، ولم يفوضوك؟... وكيف... وكيف... وكيف؟ ولو وقفت في مجلس الشعب الذي لا تستحقه، ونزلت عليك ومضة من ضمير فوقفت وقلت بشجاعة: اشهدوا أيها الحاضرون أنني لا أستحق مقعدي هذا، وأنني نهبته نهبًا، ومن ثم أعيد الحق إلى أصحابه، وأستقيل من مجلسكم هذا.
وآه.. آه.. لو قلتها -يا فقي- لدخلت التاريخ ولكن تدخله هذه المرة من أنظف أبوابه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل