العنوان أمريكا والغطرسة الثقافية
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 07-يناير-2006
مشاهدات 78
نشر في العدد 1684
نشر في الصفحة 25
السبت 07-يناير-2006
في سياق الحملة الأمريكية لتلميع صورة أمريكا، يزمع مكتب الشؤون التعليمية والثقافية في وزارة الخارجية إطلاق برنامج «مورو» للصحافة الذي وصفته بعض المصادر الإعلامية العربية بأنه «مشروع مرشال» للصحافيين العرب والمسلمين.
ويهدف البرنامج إلى استضافة قوافل من الإعلاميين العرب والمسلمين وغيرهم لصناعة قيادات ثقافية متعاطفة مع الولايات المتحدة، والبرنامج الذي سينطلق في إبريل من العام المقبل يأتي في حزمة الإجراءات التي تقوم بها الدبلوماسية الشعبية التي تديرها كارين هيوز، وكيلة وزارة الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة، فلماذا هذه الغطرسة الثقافية؟
الشخصية الحضارية
المتتبع للممارسات السياسية الأمريكية بالمنطقة كترجمة ميدانية، وما يصدر من تقارير من المراكز البحثية المتنفذة لدى الإدارة الأمريكية حول المشرق العربي والإسلامي، يصل إلى قناعة بأن الاستراتيجية الأمريكية في مضمونها المستبطن تستهدف أنظمة القيم، وما يدور في فلكها من نظام أفكار يخص الشخصية الحضارية للمنطقة؛ بغية خلق نطاق جيوسياسي جديد مائع الهوية، بهدف شرعنة وجود ولايتها الشرق أوسطية «إسرائيل».
السياسة الأمريكية في سابق عهدها، كانت في ميدان المواجهة مع المنطقة تفرق بين الإسلام وبين ما تسميه الإسلام السياسي، في استراتيجية تبتغي من ورائها عزل الإسلام الحيوي ورموزه عن الإسلام التقليدي ورجالاته، لكنها في اللحظة الراهنة تستهدف الإسلام ذاته تحت ستار ما تسميه مكافحة الإرهاب، بل إن الحملة الأمريكية في ذروتها تجرأت ومست النص الديني بشكل مباشر، وتمثل ذلك في وصف القرآن الكريم بأنه «منافستو» الإرهاب من قبل رموز مهمة في الوسطين السياسي والأكاديمي وحتى ممن هم في نطاق دائرة القرار، وحدثت تعديات مباشرة على شخصية الرسول الكريم ﷺ، بل وصل مداها حد إعلان بعض الجهات الأمريكية عن تأليفها لقرآن جديد وفق التفسير الأمريكي للإسلام أسمته «الفرقان الجديد».
الانقلاب الاستراتيجي
ما يدرك بدهيًا أن الحملة الأمريكية ليست جديدة على المنطقة؛ إذ إنها في بؤرة الاهتمام الأمريكي منذ عقود عديدة، لكن الانقلاب الاستراتيجي في مضمونها هو اللافت والمحفز في ذات الوقت لمخاوف عميقة تتسع لتشمل كل من ينظر للإسلام على أنه هويته، بمعنى أن الخطاب الأمريكي الجديد استمر حتى طيف الإسلام التقليدي، وفضاءاته التي كانت محيدة.
المشهد الإمبراطوري الأمريكي المنفلت - بحسب المصطلح الذي صكه بول كنيدي - وصل حدًا غير مسبوق في السياق التاريخي، إذ لم يشهد التاريخ أية محاولة إمبراطورية لإعادة إنتاج الهوية بالقسر بحسب النموذج الأمريكي الراهن، مع أن الفارق شاسع بين البنية الذهنية القديمة المبسطة قياسًا مع الذهنية المعاصرة المعقدة، وبالتالي هذا يشير للطفولة السياسية، وإن شئت الحضارية لمن يمارس هذا الدور مهما بلغت قوته المجردة.
عجرفة الإمبراطورية
في نفس الإطار الإمبراطوري المتعجرف، يرفض العقل السياسي الأمريكي الاعتراف بأن سبب العداء الأمريكي هو خطأ السياسة الأمريكية، وبدلًا من ذلك تركز كافة الأطروحات الأمريكية التي تتضمنها توصيات المراكز البحثية المتصهينة المتنفذة على إعادة إنتاج ذهنية المنطقة لفهم السياسة الأمريكية كما هي، وكأن الخطأ هو قصور في العقل العربي والمسلم، وليس خطأ السياسة الأمريكية.
مرد هذه العجرفة الإمبراطورية من قبل واشنطن ربما يكون سببه فائض القوة العسكرية وفقًا للعقيدة الداروينية السياسية التي تغلف العقل الاستراتيجي الأمريكي، وبلغة الأرقام فإن أمريكا تمتلك 732 منشأة عسكرية في أكثر من 130 دولة، وتعادل ميزانيتها العسكرية 12 إلى 15 من الدول التي تليها في المرتبة، ويبلغ مجمل إنفاقها العسكري حوالي 50% من الاتفاق العسكري لكافة دول العالم الـ«189»
أطروحة القوة
مع ذلك فإن «أطروحة القوة» لا يمكنها تفسير الظاهرة الأمريكية المنفلتة، وربما نجد منظورًا آخر يقترب منها أكثر من خلال الغوص الفلسفي في العقل الأمريكي، وفي محاولة بهذا الاتجاه يشير ميشال بوعنون موردان في كتابه «أمريكا التوتاليتارية: الولايات المتحدة والعالم إلى أين؟»، مفسرًا ظاهرة التعجرف الإمبراطوري الأمريكي بإرجاعها للعقيدة الكالفينية المسيطرة على الذهنية الأمريكية التي مفادها «لئن كان الله قد سمح بأن يجتمع في أرض أمريكا شعب من رجال ونساء مميزين فذلك لأنه منح هذا الشعب رسالة حكم العالم ذات يوم».
الترجمة السياسية لهذه العقيدة أن مصلحة العالم هو ما تراه أمريكا وبالتالي هنالك تساوق بين المصلحة الأمريكية والعالمية، وفرانكلين يشير إلى ذلك بوضوح؛ إذ يقول إن الولايات المتحدة ستكون مولدة لمجتمع عالمي، المؤسسات والعادات والمبادئ الأمريكية جاهزة للتطبيق في كل مكان، وهي نفس الأمة التي تصيب العقل الصهيوني المعتمد على مقولة الاستعلاء اليهودي «شعب الله المختار».
بريجنسكي بعقليته الاستراتيجية الاستشرافية يدرك خطأ هذا المسار الأمريكي المؤدي - كما يقول - إلى ذهنية وحالة الحصار، ويشير بذكاء إلى تقدم التواصل العالمي عبر التقنية المعاصرة التي بأدواتها يمكن استهداف قلب الإمبراطورية، وبالتالي ستضطر إلى العيش في مناخ مشحون بانعدام الأمن كحالة مزمنة.
إن أمريكا بسلوكها الإمبراطوري الفج - عسكريًا وثقافيًا - وخاصة في المشرق العربي والإسلامي، المتمثل بالتعدي المباشر على المقدس كما حصل في جوانتانامو والمحاولات الاحتياطية لإعادة إنتاج الهوية والسماح لاستخباراتها بالتعدي على أعراض المسلمات في أقبية أبو غريب، إنما تقوم بشحن للبطارية الدينية للجسم الإسلامي، وتدفعه لمواجهة هذا العبث الإمبراطوري المنفلت، ولن يجد في موازاة هذه السياسة العدائية كل أدوات الدبلوماسية الشعبية التي تسوق لها «كارين هيوز».